أدت الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، إلى موجة قلق متصاعدة في أسواق الطاقة العالمية، بعد تعرض منشآت نفطية وغازية في الخليج العربي لهجمات عسكرية أثرت بشكل مباشر على الإنتاج والإمدادات الدولية.
وتعد دول مجلس التعاون الخليجي مركزًا استراتيجيًا للطاقة في العالم، حيث تمتلك نحو 32.7% من احتياطي النفط العالمي البالغ 1.55 تريليون برميل، وتنتج مجتمعة حوالي 18 مليون برميل يوميًا، أي نحو 19% من الطلب العالمي، كما يصل إنتاجها من الغاز الطبيعي المسوّق إلى نحو 444 مليار متر مكعب سنويًا، وفق بيانات شبكة الجزيرة وتقارير دولية.
تصعيد عسكري يربك الإمدادات
شهدت الفترة الماضية استهداف مصفاة رأس التنورة السعودية، الأكبر في المملكة، من خلال هجمات بطائرات مسيرة. وأكدت وزارة الدفاع السعودية اعتراض الهجمات، إلا أن سقوط بعض الشظايا أدى إلى نشوب حريق محدود تم السيطرة عليه دون تسجيل إصابات أو أضرار كبيرة في البنية التحتية.
وقامت شركة “أرامكو” بتعليق العمليات مؤقتًا، مع تنفيذ خطط تحويل مسارات التصدير عبر البحر الأحمر لتجنب مضيق هرمز، في خطوة احترازية لضمان سلامة الإمدادات.
وفي قطر، أعلنت شركة قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد استهداف منشآت في مجمع مسيعيد الصناعي ومرافق في رأس لفان، ما انعكس على الأسواق العالمية بشكل فوري، إذ سجلت أسعار الغاز في آسيا ارتفاعًا يقارب 40%، بينما قفزت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 30% خلال أيام قليلة، وفق وكالة رويترز.
وتستحوذ قطر على نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، مع توجيه حوالي 82% من صادراتها إلى الأسواق الآسيوية، فيما تحصل أوروبا على نحو 10% من وارداتها من الغاز المسال القطري.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
تصاعدت المخاوف مع التوتر المتزايد في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالميًا، حيث أوقفت عدد من شركات الشحن الدولية عبور سفنها مؤقتًا، بعد تحذيرات بثها الحرس الثوري الإيراني.
وأكد مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني العميد إبراهيم جباري أن المضيق أُغلق، وأن السفن التي تحاول العبور ستتعرض للاستهداف، فيما نقلت قناة فوكس نيوز عن مسؤول بالجيش الأمريكي أن المضيق لا يزال مفتوحًا أمام الملاحة.
ووفق تقديرات مؤسسة “غولدمان ساكس”، فإن توقف الشحن عبر المضيق لشهر واحد قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا والأسواق الفورية في آسيا بنسبة تصل إلى 130%.
انعكاسات على الأسواق العالمية
لم تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع الطاقة فحسب، بل امتدت إلى الأسواق المالية العالمية، حيث تراجع مؤشر داكس الألماني بنسبة 2%، وانخفض مؤشر كاك 40 الفرنسي بنسبة 1.8%، فيما سجل مؤشر فايننشال تايمز البريطاني تراجعًا بنسبة 1.4%، وفق تقارير اقتصادية حديثة.
وأشارت صحيفة فايننشال تايمز إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار الغاز في أوروبا يمثل أحد أكبر التهديدات للاقتصاد العالمي، في ظل صعوبة تعويض الإمدادات المفقودة من الخليج على المدى القريب.
حقول الطاقة العملاقة في الخليج
تقف مجموعة من الحقول العملاقة خلف القدرة الإنتاجية الهائلة لدول الخليج، ما يجعلها العمود الفقري لسوق الطاقة العالمي:
- حقل الشمال في قطر: أكبر مكمن للغاز غير المصاحب في العالم، مع احتياطيات تقدر بنحو 900 تريليون قدم مكعب، ويشكل الركيزة الأساسية لصادرات الغاز المسال القطري.
- حقل الغوار في السعودية: أكبر حقل نفطي بري تقليدي عالميًا، ينتج نحو 3.8 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام العربي الخفيف، ويضم احتياطيات كبيرة تدعم مكانة المملكة في الأسواق العالمية.
- حقل السفانية في السعودية: أكبر حقل نفط بحري في العالم، بطاقة إنتاجية ضخمة تساهم بشكل رئيسي في استقرار الإمدادات النفطية.
- حقل برقان في الكويت: ثاني أكبر الحقول النفطية عالميًا، يمثل نحو نصف الإنتاج النفطي للكويت.
- حقل زاكوم العلوي في الإمارات: أحد أكبر الحقول البحرية عالميًا، بطاقة إنتاجية تقارب 900 ألف برميل يوميًا واحتياطيات تقدر بـ50 مليار برميل.
يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا ويظل نقطة حساسة للتوترات الإقليمية والدولية
يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يربط الخليج العربي بخليج عمان والبحر العربي، ويشكل نقطة حاسمة في سلاسل الإمداد العالمية للطاقة. ويقع المضيق بين إيران من الشمال وعُمان من الجنوب، بطول 167 كيلومترًا وأضيق نقطة بعرض 33 كيلومترًا، ما يجعله ممرًا شديد الحساسية.
يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، أي نحو 20% من استهلاك النفط العالمي، كما يشكل حوالي 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمي، بينما يمر أكثر من 70% من شحنات النفط والغاز المتجهة إلى أسواق آسيا عبره.
ويشير خبراء الطاقة إلى أن أي تعطيل مستمر لحركة الملاحة في المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير، وربما يتجاوز سعر البرميل 100 دولار، بسبب غياب بدائل بحرية قادرة على تعويض الكميات المارة عبره.
ويعد المضيق أيضًا نقطة محورية للتوترات العسكرية والسياسية في المنطقة، حيث تعرضت ناقلات النفط لهجمات في الماضي، وتوقفت بعض الشحنات مؤقتًا أثناء التصادمات الإقليمية، مما يعكس حساسيتها على الأمن البحري والاقتصاد العالمي.
ويظل مضيق هرمز مفتاحًا للأمن الاقتصادي العالمي، حيث ينعكس أي اضطراب في حركة النفط والغاز مباشرة على أسعار الطاقة واستقرار الأسواق الدولية.
أسعار التأمين تتصاعد إلى ملايين الدولارات وسط هجمات على ناقلات النفط وتصاعد المخاطر البحرية
قفزت تكلفة التأمين على السفن المارة عبر مضيق هرمز بنحو 12 ضعفًا، على الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دعم التجارة البحرية عبر هذا الممر الحيوي لنقل النفط.
ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن وسطاء التأمين قولهم إن مالكي السفن يتلقون عروضًا بتكاليف تصل إلى ملايين الدولارات للحصول على تغطية تأمينية لعبور المضيق أو الإبحار في المياه المجاورة المصنفة عالية المخاطر.
وأشارت المصادر إلى أن أقساط التأمين أمس الأربعاء بلغت نحو 3 بالمئة من قيمة السفينة، مقارنة بحوالي 0.25 بالمئة قبل اندلاع الحرب، ما يعكس القلق الكبير لدى شركات التأمين ومالكي السفن من التهديدات المستمرة في المنطقة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن عبر منصة تروث سوشيال أن مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية ستوفر التأمين والضمانات “بسعر معقول للغاية… لضمان الأمن المالي لجميع حركة التجارة البحرية، وخاصة الطاقة، المارة عبر الخليج”.
وفي لندن، سارع قطاع التأمين إلى دراسة آلية تنفيذ هذا المقترح وما إذا كان سيؤثر فعليًا على خفض الأسعار، إذ أعرب كبار وسطاء التأمين عن دهشتهم من الإعلان، مؤكدين عدم توفر تفاصيل دقيقة حول شمولية الدعم.
وقال ديفيد سميث من شركة الوساطة ماكغيل آند بارتنرز: “لم نسمع أي تفاصيل إضافية على الإطلاق، باستثناء ما ورد في منشور تروث سوشيال”، مضيفًا أن شركات التأمين لا تزال غير متأكدة من مدى تطبيق الدعم على جميع الشحنات، خصوصًا تلك المرتبطة بجهات دولية مختلفة.
ومن جهة أخرى، أعرب خبراء في قطاع الشحن عن شكوكهم في قدرة المؤسسة الأمريكية على تقديم دعم عملي، نظرًا لأن مهمتها الأساسية تسهيل الاستثمارات الخاصة في الدول النامية، بينما القلق الأكبر لدى مالكي السفن يتمثل في تكاليف الشحن ومخاطر الهجمات.
وذكر إد فينلي ريتشاردسون، مؤسس شركة كونتانغو ريسيرتش، أن الإعلان قد يكون محاولة لتهدئة أسعار النفط، مضيفًا: “قد يخفف الضغط على أسعار النفط، لكن في الواقع لا أرى كيف سيغير شيئًا؛ التأمين متوفر بالفعل”.
وتراجعت أسعار خام برنت قليلًا بعد إعلان ترامب، لكنها ما تزال أعلى بنحو 12 بالمئة مقارنة ببداية الحرب، لتتداول عند حوالي 81 دولارًا للبرميل.
ومنذ يوم الأحد، تعرضت سبع ناقلات نفط على الأقل لهجمات في المضيق والمياه المحيطة به، كما تلقت سفن رسائل تحذيرية يُعتقد أنها من الحرس الثوري الإيراني تمنع الإبحار في الممر.
وأفاد وسطاء التأمين في شركة مارش ماكلينان ديلان مورتيمر أن الأسعار المعتادة في المناطق عالية المخاطر تتراوح بين 1 بالمئة و1.5 بالمئة من قيمة السفينة، بينما يُطلب من السفن المرتبطة بالولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو إسرائيل دفع أقساط تصل إلى ثلاثة أضعاف هذه المعدلات.
وأضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر تروث سوشيال أن البحرية الأمريكية قد تبدأ، إذا لزم الأمر، بمرافقة ناقلات النفط عبر المضيق في أقرب وقت ممكن، لكن خبراء الأمن البحري حذروا من أن هذه الخطوة قد تعرّض السفن الحربية نفسها للخطر في حال وقوع هجوم إيراني مباشر.
أسعار الغاز الأوروبي تقفز وسط مخاوف من اضطرابات إمدادات الشرق الأوسط
سجلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا أكبر موجة صعود لها منذ سنوات، اليوم الخميس، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن الحرب في الشرق الأوسط وتأثيرها المحتمل على أسواق الطاقة العالمية.
وارتفعت العقود الآجلة للغاز الطبيعي في مركز TTF بهولندا نحو 10% لتصل إلى 655 دولارًا لكل ألف متر مكعب، أو ما يعادل 54.615 يورو لكل ميغاواط ساعة، بعد أن شهدت السوق تراجعًا يوم أمس بينما كانت تقييم جدوى خطة أمريكية لضمان مرور آمن لناقلات النفط عبر مضيق هرمز، التي لم تكشف بعد عن تفاصيلها.
وأشار كبير المحللين في “غلوبال ريسك مانجمنت”، آرني لوهمان راسموسن، إلى أن استمرار إغلاق المضيق يزيد المخاوف يومًا بعد يوم بشأن نقص إمدادات الغاز الطبيعي المسال في أوروبا والعالم.
وكانت أسعار الغاز الأوروبي قد سجلت أعلى مستوياتها خلال ثلاث سنوات في وقت سابق هذا الأسبوع، بعد أن أوقفت قطر تشغيل مصنع “رأس لفان”، أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، وتوقف مرور الناقلات عبر مضيق هرمز تقريبًا، الذي يمثل عادة نحو خمس إمدادات الغاز العالمي.
وعلى الرغم من أن معظم الغاز المسال من الشرق الأوسط يذهب إلى الدول الآسيوية، فإن أي اضطراب طويل في الإمدادات يقلص المخزون العالمي المتاح ويستمر في رفع الأسعار.
وتسعى الدول لاستيراد بدائل، حيث أكدت تايوان تأمين إمدادات أبريل من خارج المنطقة، بينما تبحث تايلاند عن شحنات إضافية لتغطية احتياجاتها.
رئيس صندوق الاستثمارات الروسي يحذر: رفض أوروبا للغاز الروسي يفاقم أزمة الأسعار
حذر كيريل دميترييف، رئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة والممثل الخاص للرئيس الروسي للتعاون الاستثماري والاقتصادي مع الدول الأجنبية، من أن أوروبا ستواجه صدمة طويلة الأمد في أسعار الغاز، تؤثر سلبًا على التضخم وتضعف الصناعات وتضر الأسر الأوروبية.
وكتب دميترييف في منشور على منصة “إكس” للتواصل الاجتماعي: “صدمة الغاز ستستمر، ما سيغذي التضخم ويدمر الصناعات والأسر في الاتحاد الأوروبي”. وأرجع دميترييف الارتفاع الكبير في أسعار الغاز إلى ما وصفه بالرفض المتهور للغاز الروسي، داعيًا المواطنين الأوروبيين إلى محاسبة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيسة الدبلوماسية الأوروبية كايا كالاس وأعضاء آخرين من المعادين لروسيا.
ويأتي هذا التصريح في وقت تشهد فيه الأسواق الأوروبية ارتفاعًا حادًا في أسعار الغاز، وسط توقف الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد الممر المائي الحيوي لصادرات النفط والغاز من الخليج، ويمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز المسال عالميًا.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد كلف الحكومة الروسية مؤخرًا بدراسة إمكانية انسحاب روسيا من سوق الغاز الأوروبية، في ظل سعي الاتحاد الأوروبي لتقليص اعتماده على الطاقة الروسية.
وفي يناير الماضي، أقر المجلس الأوروبي لائحة تنص على التخلي التدريجي عن الغاز الطبيعي المسال الروسي وغاز الأنابيب، بحيث يبدأ حظر استيراد الغاز المسال الروسي للعقود القصيرة في 25 أبريل 2026، وللعقود الطويلة في 1 يناير 2027، فيما يبدأ حظر الغاز عبر الأنابيب للعقود القصيرة في 17 يونيو 2026، وللعقود الطويلة في 1 نوفمبر 2027.




