تشهد السوق الليبية حالة من الترقب الاقتصادي المتصاعد وسط تقلبات ملحوظة في سعر صرف الدولار داخل السوق الموازي، بالتزامن مع قرارات مالية جديدة أثارت نقاشًا واسعًا حول مدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في المشهد الاقتصادي أو كونها مجرد انعكاس مؤقت لضغوط سياسية ونفسية.
وفي قراءة أولية لهذه التحركات، أوضح الخبير الاقتصادي صقر الجيباني أن التراجع النسبي في سعر الدولار لا يرتبط بتدخل مباشر من المصرف المركزي أو بإصلاحات نقدية واضحة، بل يعود إلى عوامل نفسية مرتبطة بتغير توقعات السوق وترقب التطورات السياسية والاقتصادية.
وأضاف الجيباني أن السوق الليبية أصبحت شديدة الحساسية تجاه الأخبار الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن إعلان وقف إطلاق النار في بعض الملفات الإقليمية انعكس بشكل مباشر على الأسواق العالمية، بما فيها أسعار النفط التي سجلت تراجعًا سريعًا رغم استمرار حالة عدم اليقين، وهو ما يعكس وفق وصفه الدور المتنامي للعامل النفسي في تحديد اتجاهات الأسعار داخل ليبيا.
وأكد أن حركة الدولار في السوق الموازي لا تعكس زيادة حقيقية في المعروض من النقد الأجنبي، كما أن أزمة السيولة ما تزال قائمة دون حلول جذرية، ما يجعل أي تراجع في سعر الصرف حالة مؤقتة قابلة للتغير السريع مع أي تطور سياسي أو أمني جديد.
وحذر الجيباني من أن مستقبل سعر الصرف يظل مرتبطًا بتقلبات المشهد الإقليمي، مشيرًا إلى أن أي تصعيد جديد قد يعيد الدولار إلى مسار الصعود، في ظل استمرار اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد الليبي ترتبط بالانقسام السياسي وضعف إدارة الإنفاق العام واستمرار الفساد المالي والإداري، وفق موقع المشهد.
وفي سياق متصل، أثار قرار وزارة المالية في حكومة الوحدة الوطنية القاضي برفع سعر الدولار الجمركي من 2.12 دينار إلى 6.40 دينار جدلاً واسعًا في الأوساط الاقتصادية، باعتباره أحد أبرز التحولات المالية الأخيرة.
وفي هذا الإطار، اعتبر المحلل الاقتصادي صابر الوحش أن القرار يحمل طابعًا إصلاحيًا من حيث المبدأ، لكنه في المقابل يفرض كلفة اقتصادية قصيرة الأجل قد تنعكس بشكل مباشر على أسعار السلع داخل السوق المحلية.
وأوضح الوحش أن رفع السعر الجمركي يؤدي بشكل مباشر إلى زيادة تكاليف الاستيراد، وهو ما ينعكس تدريجيًا على أسعار السلع والخدمات في ظل ضعف المنافسة وغياب أدوات رقابية فعالة، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الليبي يعاني من ظاهرة “اللزوجة السعرية” حيث ترتفع الأسعار بسرعة عند زيادة التكاليف بينما تتباطأ في الانخفاض عند تراجعها.
وأضاف أن هذه الخطوة قد تدفع التجار والمستوردين إلى زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازي تحسبًا لموجة ارتفاع جديدة في الأسعار، ما قد يخلق ضغوطًا إضافية على سعر صرف الدينار خلال المرحلة المقبلة، حتى وإن كان جزء من هذا الارتفاع مجرد إعادة توازن طبيعية للسوق.
ورغم هذه المخاوف، يرى الوحش أن القرار قد يسهم على المدى المتوسط في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، إذا ما طُبّق ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية متكاملة تشمل ضبط الإنفاق العام وتحسين إدارة السيولة وتوحيد السياسات المالية والجمركية، محذرًا من أن ضعف التنفيذ قد يقلل من أثره الإصلاحي ويحد من انعكاساته الإيجابية على المالية العامة.
ويجمع محللون اقتصاديون على أن الاقتصاد الليبي يعيش مرحلة دقيقة تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية بشكل معقد، حيث تتحول التوقعات والأخبار إلى محركات رئيسية للأسعار، في ظل محدودية أدوات الدولة النقدية أمام سوق شديد الحساسية لأي تطور داخلي أو خارجي، ما يجعل الاستقرار الاقتصادي مرهونًا بإصلاحات شاملة تتجاوز المعالجات المؤقتة.
هذا ويعتمد الاقتصاد الليبي بشكل كبير على إيرادات النفط، ما يجعله شديد التأثر بالتقلبات السياسية والأمنية، إضافة إلى تعدد مراكز القرار المالي وغياب سياسة نقدية موحدة، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار سعر الصرف في السوقين الرسمي والموازي.





