تصاعدت التوترات الأمنية والسياسية في القرن الأفريقي، مع تعهد قوات سلام تيغراي، الموالية للحكومة الفيدرالية الإثيوبية، بمواصلة عملياتها العسكرية حتى السيطرة على إقليم تيغراي بالكامل، بالتزامن مع اتهام إريتريا الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى السيطرة على ميناء عصب وساحلها الجنوبي، ومطالبة مجلس الأمن الدولي بإجراءات رادعة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وقال المتحدث باسم قوات سلام تيغراي، في أول بيان متلفز للقوات نُشر السبت، إن قواته أحرزت تقدمًا ميدانيًا وسيطرت على عدة مدن خلال فترة قصيرة، ضمن ما وصفه بهجوم مضاد ضد جبهة تحرير شعب تيغراي.
وأضاف أن القوات تنسق مع القوات الفيدرالية الإثيوبية لضمان أمن الإقليم، داعيًا مقاتلي جبهة تحرير شعب تيغراي إلى العودة إلى شعبهم والانضمام إلى صفوف قوات سلام تيغراي.
واتهم المتحدث جبهة تحرير شعب تيغراي بإقصاء الحكومة المؤقتة في الإقليم باستخدام القوة المسلحة، وتقويض اتفاق بريتوريا للسلام الموقع عام 2022، فضلًا عن التحالف مع جماعات متمردة بهدف إضعاف الحكومة الفيدرالية الإثيوبية.
وأكد أن قواته لا تعتزم اللجوء إلى الانتقام أو تصفية الحسابات، مشيرًا إلى أن معالجة القضايا العالقة ستجري عبر الحوار، رغم استمرار المواجهات العسكرية مع الجبهة.
وفي سياق متصل، اتهم وزير الإعلام الإريتري يماني ميسكل الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى السيطرة على ميناء عصب والساحل الجنوبي لإريتريا، محذرًا من تداعيات تصريحات مسؤولين إثيوبيين بشأن البحر الأحمر.
وجاءت تصريحات ميسكل عقب إرسال إثيوبيا رسالة إلى مجلس الأمن الدولي اتهمت فيها إريتريا بشن «عدوان صارخ» بعد نشر قوات في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، فيما أكدت أديس أبابا ضرورة «الدفاع عن النفس» في مواجهة ما وصفته بـ«غزو شامل» من جانب إريتريا.
وقال ميسكل، في منشور على منصة «إكس»، إن اتهام وزارة الخارجية الإثيوبية لإريتريا بالقيام بأعمال عدوان غير مبرر يعكس، بحسب وصفه، ازدواجية في المواقف، مستشهدًا بتصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن سعي بلاده إلى الحصول على منفذ سيادي إلى البحر.
وأشار وزير الإعلام الإريتري إلى أن آبي أحمد أعلن أمام البرلمان الإثيوبي في 13 أكتوبر 2023 أن بلاده ستسعى إلى الحصول على منفذ بحري عبر المفاوضات إذا أمكن، أو باستخدام القوة إذا لزم الأمر، معتبرًا أن هذه التصريحات تمثل تهديدًا لسيادة إريتريا.
كما استشهد ميسكل بتصريحات نسبها إلى مسؤولين سياسيين وعسكريين إثيوبيين بشأن ما وصفوه بـ«تصحيح الخطأ التاريخي»، والسيطرة على ميناء عصب والساحل الجنوبي الإريتري لتأمين عمق استراتيجي للقوات البحرية الإثيوبية.
وقال إن نائب رئيس هيئة الأركان الإثيوبية صرح في 27 سبتمبر بأن العمليات العسكرية في إقليم تيغراي لن تتوقف عند هذا الحد، وإن عصب تمثل الوجهة النهائية، مضيفًا أن الهدف، وفق ما نقله، هو رفع العلم الإثيوبي على البحر الأحمر.
واتهم ميسكل الحكومة الإثيوبية أيضًا بمحاولة استمالة جبهة تحرير شعب تيغراي للتعاون في تحرك عسكري ضد إريتريا خلال اجتماعات سرية عُقدت في جيبوتي وسيشل عام 2022.
وأشار إلى تقرير قال إن مبعوثة الاتحاد الأوروبي أصدرته عقب زيارتها إثيوبيا في سبتمبر من العام نفسه، وتضمن أن اتفاق السلام الموقع بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018 أصبح «لاغيًا وباطلًا».
واعتبر وزير الإعلام الإريتري أن التصريحات والتحركات الإثيوبية تمثل تهديدًا لسيادة بلاده وسلامة أراضيها، وانتهاكًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة اللذين يحظران التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الدول.
وفي تحرك دبلوماسي موازٍ، طالبت إريتريا مجلس الأمن الدولي بإدانة ما وصفته بـ«إعلان إثيوبيا الحرب» عليها، واتخاذ إجراءات رادعة بموجب الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية، محذرة من تداعيات التصعيد العسكري المحتمل على أمن البلدين والاستقرار الإقليمي.
وقالت وزارة الخارجية الإريترية، في رسالة وجهها وزير الخارجية عثمان صالح إلى مجلس الأمن، إن «إثيوبيا تتخذ خطوات للشروع في عدوان على إريتريا»، مشيرة إلى أن أديس أبابا تلوّح بهذا التوجه منذ ثلاث سنوات.
واتهمت أسمرة الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى «انتهاك سيادتها ووحدة أراضيها بهدف الحصول على منفذ بحري بالقوة»، معتبرة أن التهديدات والتحركات العسكرية الإثيوبية تمثل، بحسب وصفها، انتهاكًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
وأشارت الرسالة إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة وعددًا من الدول الأعضاء أصدروا بيانًا مشتركًا في ديسمبر الماضي، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاق الجزائر، أكدوا فيه ضرورة احترام سيادة إريتريا ووحدة أراضيها.
وأضافت الخارجية الإريترية أن إثيوبيا تجاهلت التحذيرات، واتهمتها بالاستعداد لتنفيذ مخطط عسكري ضد إريتريا، بالتزامن مع هجوم واسع النطاق في شمال الأراضي الإثيوبية.
واستشهدت الرسالة بتصريحات منسوبة إلى نائب رئيس هيئة الأركان العامة الإثيوبية، الجنرال أبباو تاديسي، في 27 سبتمبر، قال فيها: «وجهتنا النهائية هي عصب، ومكلي ليست سوى محطة عبور»، معتبرة أن التصريح يكشف عن نوايا إثيوبيا تجاه إريتريا.
وحذرت أسمرة من أن اندلاع مواجهة عسكرية بين البلدين قد يؤدي إلى دمار واسع ويقوض الاستقرار الإقليمي، داعية مجلس الأمن إلى إدانة ما وصفته بإعلان الحرب واتخاذ تدابير رادعة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وكانت إريتريا أعلنت قطع جميع علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا، مؤكدة أن القرار جاء ردًا على ما وصفته بـ«الإجراءات العدائية» التي اتخذتها الحكومة الإثيوبية.
وقالت وزارة الخارجية الإريترية إن إثيوبيا أعلنت إغلاق السفارة الإريترية في أراضيها، واعتبرت عشرة دبلوماسيين إريتريين، بينهم القائم بالأعمال ودبلوماسيون معتمدون لدى الاتحاد الأفريقي، «أشخاصًا غير مرغوب فيهم».
واتهمت الوزارة، في بيان، الحكومة الإثيوبية بـ«قلب الحقائق» وتوجيه اتهامات إلى إريتريا بشأن ارتكاب «أعمال عدائية وممارسات عدوانية مباشرة وغير مباشرة ضد إثيوبيا».
وأضافت أن إثيوبيا انتهجت، على مدى ثلاثة أعوام، ما وصفته بـ«أجندة عدائية متواصلة تجاه إريتريا»، وصلت إلى حد «إعلان حرب صريح»، مشيرة إلى أن أديس أبابا تسعى إلى الحصول على «منفذ سيادي إلى البحر» من خلال استهداف الموانئ والمناطق الساحلية الإريترية.
كما اتهمت الوزارة إثيوبيا باستضافة وتدريب وتسليح ما وصفته بـ«جماعات المعارضة المسلحة الإريترية»، بهدف تأجيج الصراع الداخلي والسعي إلى «تغيير النظام» في إريتريا.
وأكدت الخارجية الإريترية أن أسمرة التزمت خلال السنوات الماضية بـ«الصبر وضبط النفس» في محاولة لتجنب تصعيد خطير بين البلدين، مشيرة إلى أن الظروف الراهنة دفعتها إلى الرد بالمثل وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، ومحذرة من التداعيات السلبية المترتبة على القرار.
وكانت وزارة الخارجية الإثيوبية قررت، يوم الخميس قبل الماضي، إغلاق سفارتها في أسمرة، ردًا على ما وصفته بـ«الأعمال العدائية والممارسات العدوانية المباشرة وغير المباشرة من جانب إريتريا ضد إثيوبيا».
وعلى الصعيد الميداني، تأسست قوات سلام تيغراي في مارس 2025، عقب انشقاقات داخل جبهة تحرير شعب تيغراي على خلفية خلافات بين قيادات الإقليم بشأن تنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام المبرم عام 2022.
وبدأت القوات تحركاتها العسكرية ضد الجبهة انطلاقًا من إقليم عفر المجاور، وخاضت مواجهات مباشرة مع مقاتليها بالتنسيق مع القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات إقليم عفر.
ومع تجدد القتال في سبتمبر، برزت قوات سلام تيغراي حليفًا للقوات الحكومية في العمليات العسكرية ضد الجبهة، وسط تصاعد التوترات الأمنية في شمال إثيوبيا.
وفي 4 أكتوبر، أعلنت قوات سلام تيغراي دخول مدينة ميكيلي، عاصمة الإقليم، والسيطرة عليها قبل وصول القوات الفيدرالية، وفقًا للتقرير.
ومنذ 23 سبتمبر، تشهد مناطق شمال إثيوبيا اشتباكات عنيفة اندلعت عقب هجمات شنتها جبهة تحرير شعب تيغراي على إقليمي عفر وأمهرة، ما أثار مخاوف من تجدد الحرب التي شهدها شمال البلاد بين عامي 2020 و2022، وأسفرت، وفق تقديرات أوردها التقرير، عن مقتل نحو 600 ألف شخص.
وتأتي هذه التطورات وسط خلافات بشأن تنفيذ اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022 لإنهاء الحرب في تيغراي، فيما تتداخل المواجهات الجديدة مع الخلاف الإثيوبي الإريتري بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، ما يثير مخاوف من اتساع نطاق الصراع وتعقيد جهود تثبيت السلام في شمال إثيوبيا واستقرار منطقة القرن الأفريقي.





