غادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العاصمة الصينية بكين بعد قمة وُصفت بأنها بالغة الأهمية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في زيارة امتدت بين 13 و15 مايو وشهدت لقاءات رفيعة المستوى ومراسم استقبال رسمية في حدائق تشونغنانهاي وسط العاصمة الصينية.
ووصف الرئيس الأمريكي زيارته إلى الصين بأنها “ناجحة ولا تُنسى”، مؤكدًا أن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تحظى بأهمية كبرى وستواصل التحسن خلال المرحلة المقبلة، في ظل ما جرى التوصل إليه من تفاهمات واتفاقيات بين الجانبين.
وقال ترامب إن البلدين أبرما مجموعة من الاتفاقيات والعقود، إلى جانب معالجة عدد من القضايا الثنائية بما يحقق منفعة مشتركة للطرفين وللاقتصاد العالمي، مشددًا على أن العلاقات بين واشنطن وبكين تمثل ركيزة أساسية للاستقرار الدولي.
كما أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استعداده لمواصلة الحوار مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، متطلعًا إلى لقاء مرتقب في واشنطن خلال شهر سبتمبر المقبل، ومؤكدًا التزامه بتعزيز قنوات التواصل بين البلدين.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام صينية رسمية عن الرئيس الصيني شي جين بينغ تأكيده أن زيارة ترامب ستسهم في تعزيز التفاهم المتبادل وتعميق الثقة ورفع مستوى الرفاه للشعبين.
وأوضح شي أن بكين وواشنطن توصلتا إلى توافقات بشأن الحفاظ على علاقات تجارية واقتصادية مستقرة، مع توسيع مجالات التعاون في مختلف القطاعات، مشددًا على ضرورة التنفيذ الدقيق للتفاهمات والحفاظ على الزخم الإيجابي في العلاقات الثنائية.
وأكد الرئيس الصيني أن استمرار الحوار بين الجانبين يمثل ركيزة أساسية للاستقرار الدولي، وأن تعزيز العلاقات بين الصين والولايات المتحدة يخدم مصالح الطرفين ويسهم في استقرار الاقتصاد العالمي.
لكن خلف التصريحات الرسمية الإيجابية، رسمت تقارير صحيفتي “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” صورة أكثر تعقيدًا للقمة، مشيرة إلى أن اللقاءات جرت في ظل توتر متصاعد بين البلدين في ملفات تشمل العقوبات والتجسس السيبراني والذكاء الاصطناعي وإيران وتايوان.
وبحسب “نيويورك تايمز”، جاءت الزيارة بعد توجيهات داخل البيت الأبيض تدعو إلى تجنب أي مواجهة مباشرة مع الصين بهدف الحفاظ على مسار التقارب الدبلوماسي مع أكبر منافس استراتيجي للولايات المتحدة.
وفي المقابل، شهدت الفترة التي سبقت القمة تصعيدًا أمريكيًا ضد بكين، شمل فرض عقوبات على شركات صينية اتُهمت بتقديم بيانات وصور أقمار صناعية لإيران ساعدت في عمليات عسكرية بالشرق الأوسط.
كما تضمنت الاتهامات الأمريكية مزاعم بسرقة نماذج متقدمة في الذكاء الاصطناعي وتطوير أنظمة منافسة، إضافة إلى قضايا تتعلق بشبكات تجسس سيبراني استهدفت بنى تحتية أمريكية، من بينها أنظمة مرتبطة بمكتب التحقيقات الفيدرالي.
وتحدثت تقارير أمنية أمريكية عن شبكات قرصنة يُعتقد أنها مدعومة من الدولة الصينية، استهدفت قواعد بيانات وأنظمة حساسة، مع الإشارة إلى قدرة تلك الشبكات على العودة إلى الأنظمة نفسها رغم إجراءات الحماية.
ووفق الصحيفة الأمريكية، فإن هذا التصعيد يعكس تنامي نفوذ التيار المتشدد داخل الإدارة الأمريكية، الذي يدفع نحو تبني موقف أكثر صرامة تجاه الصين، رغم الخطاب التصالحي الذي يفضله ترامب علنًا.
وخلال القمة، ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنبرة ودية، واصفًا شي جين بينغ بأنه “قائد عظيم”، ومؤكدًا أن العلاقة الشخصية بينهما جيدة.
في المقابل، حذر الرئيس الصيني من أن سوء إدارة ملف تايوان قد يقود إلى “صراع أو مواجهة” بين القوتين العظميين.
وقالت وزارة الخارجية الصينية إن تصريحات شي بشأن تايوان جاءت خلال اجتماع مغلق استمر أكثر من ساعتين بين الزعيمين، في تحذير وصفته تقارير بأنه من بين الأشد لهجة خلال السنوات الأخيرة.
ووفق وكالة الأنباء الصينية “شينخوا”، أبلغ شي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن التعامل غير السليم مع قضية تايوان قد يدفع العلاقات الصينية الأمريكية إلى “منطقة خطيرة للغاية”.
وتُعد تايوان إحدى أبرز نقاط التوتر بين بكين وواشنطن، إذ تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها ولا تستبعد استخدام القوة للسيطرة عليها، بينما تلتزم القوانين الأمريكية بتزويد تايبيه بوسائل الدفاع عن نفسها.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي رافق ترامب خلال الزيارة، أن قضية تايوان نوقشت خلال الاجتماعات، موضحًا لشبكة “NBC” أن “الصينيين يطرحون الملف دائمًا، فيما توضح واشنطن موقفها ثم تنتقل إلى ملفات أخرى”.
وركز البيان الأمريكي الصادر عقب القمة على رغبة الجانبين في إعادة فتح مضيق هرمز الذي تأثر بالحرب مع إيران، إضافة إلى اهتمام صيني محتمل بشراء النفط الأمريكي لتقليل الاعتماد على إمدادات الشرق الأوسط.
كما ناقش الطرفان الحفاظ على الهدنة التجارية الهشة التي جرى التوصل إليها خلال لقاء أكتوبر 2025، عندما علّق ترامب الرسوم الجمركية المرتفعة على السلع الصينية مقابل تراجع بكين عن تهديدات بتقييد صادرات المعادن النادرة.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن المحادثات الاقتصادية الأخيرة حققت تقدمًا في إنشاء آليات لدعم التجارة والاستثمار بين البلدين، إضافة إلى احتمال الإعلان عن طلبات صينية كبيرة لشراء طائرات “بوينغ”.
وفي ملف التكنولوجيا، ذكرت وكالة “رويترز” أن الولايات المتحدة وافقت على بيع شرائح H200 المتقدمة التابعة لشركة “Nvidia” لنحو 10 شركات صينية، رغم عدم بدء عمليات التسليم حتى الآن.
كما اتفق الجانبان على إطلاق حوار تنظيمي في ملف الذكاء الاصطناعي، بينما تواصل واشنطن التعامل مع هذا القطاع باعتباره جزءًا من سباق استراتيجي للحفاظ على التفوق التقني الأمريكي.
وأشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن بكين تسعى إلى تثبيت ما تصفه بـ”الاستقرار الاستراتيجي” بهدف الحد من أي خطوات أمريكية مفاجئة تتعلق بالعقوبات أو الرسوم الجمركية أو ملف تايوان، بينما ترى واشنطن أن هذا الطرح يهدف إلى تقييد حركتها السياسية.
وفي ملف إيران، أظهرت التقارير استمرار تدفق النفط الإيراني عبر قنوات تجارية صينية رغم العقوبات الأمريكية، ما يعكس استمرار التباين بين البلدين في قضايا الشرق الأوسط.
وتأتي القمة في وقت يواجه فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا داخلية متزايدة، بعدما قيّدت المحاكم الأمريكية قدرته على فرض رسوم جمركية واسعة، فيما ساهمت الحرب مع إيران في ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الضغوط السياسية على الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
وفي المقابل، لا يواجه الرئيس الصيني شي جين بينغ الضغوط السياسية والاقتصادية نفسها رغم تباطؤ الاقتصاد الصيني خلال الفترة الأخيرة.
واختتمت القمة بدعوة رسمية وجهها ترامب إلى شي جين بينغ لزيارة البيت الأبيض في 24 سبتمبر المقبل، في أول زيارة متبادلة منذ بدء الولاية الثانية للرئيس الأمريكي العام الماضي.
وتشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن الصين تواصل تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية بوتيرة متسارعة، ما يجعل أجواء “الصداقة” التي رافقت القمة أقرب إلى هدنة مؤقتة ضمن صراع استراتيجي طويل الأمد بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.





