تحولت أزمة صناديق الاستثمار في تركيا إلى محور مواجهة سياسية حادة بين الحكومة والمعارضة، بعدما طالب رئيس «الحزب الجديد» أوزغور أوزيل الرئيس رجب طيب إردوغان بالاستقالة أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، على خلفية اتهامات طالت قيادات في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بشأن تحقيق أرباح ضخمة من تداول أسهم في شركة مدرجة، بالتزامن مع تحقيقات رسمية في أزمة الصناديق وتصفية 131 صندوقاً استثمارياً.
وقال أوزغور أوزيل، تعليقاً على تصريحات الرئيس التركي بشأن الأزمة، إن أمام إردوغان خيارين، إما الاستقالة أو الدعوة إلى انتخابات وتسليم إدارة البلاد إلى من يستحقها، متسائلاً عما إذا كان الرئيس على علم بالتحركات المالية التي أثارت الجدل، ومشيراً بصورة خاصة إلى فاطمة بتول صايان كايا، نائبة رئيس حزب «العدالة والتنمية» السابقة للسياسات الاجتماعية ووزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية السابقة، وزوجها إلياس كايا.
وكتب أوزيل عبر حسابه في منصة «إكس»: «يا إردوغان، لا تُراوغ… لقد انكشف أمرك»، مضيفاً أن الرئيس دافع عن مسؤولين وشخصيات في المعارضة، لكنه يواجه الآن اتهامات مرتبطة بقيادية في حزبه.
وتابع أوزيل متسائلاً عما إذا كان إردوغان على علم بما وصفه بالاحتيال، وقال إن معرفة الرئيس بالأمر تعني، بحسب طرحه، أنه كان وراء ما وصفه بالمؤامرة، بينما عدم معرفته تعني، وفقاً لأوزيل، أنه فقد أهليته لحكم الدولة وعليه الدعوة إلى انتخابات.
وتأتي تصريحات أوزيل بعد استقالة فاطمة بتول صايان كايا من جميع مناصبها في حزب «العدالة والتنمية» ليل السبت – الأحد، عقب ظهور اتهامات بشأن تداولها وزوجها أسهم شركة «أوزاتا دنيزجيليك» لبناء السفن خلال الأشهر السابقة لأزمة صناديق الاستثمار.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» عن متحدث باسم «الحزب الجديد»، فإن كايا وزوجها استثمرا معاً نحو 163 مليون ليرة تركية، ما يعادل نحو 3.3 مليون دولار، في أبريل 2026، معظمها في أسهم شركة «أوزاتا دنيزجيليك»، قبل أن تبلغ قيمة الأموال التي حصلا عليها من بيع الأسهم نحو 2.17 مليار ليرة، أو نحو 44 مليون دولار. وأثارت المعارضة تساؤلات حول توقيت هذه التعاملات في ظل القفزة الكبيرة التي سجلها سهم الشركة قبل اضطراب سوق صناديق الاستثمار.
ولم تتضمن تصريحات كايا، التي طلبت إعفاءها من جميع مناصبها للسماح بالتحقيق في الاتهامات، إقراراً بصحة المخالفات المنسوبة إليها، فيما أكدت أنها تتحمل المسؤولية السياسية خلال فحص هذه الادعاءات.
وتشير بيانات رسمية نقلتها «رويترز» إلى أن أزمة صناديق الاستثمار أثرت في نحو 455 ألفاً و758 مستثمراً، بعد أن أمرت السلطات بتصفية أكثر من 100 صندوق بقيمة إجمالية تقارب 18 مليار دولار، على خلفية اضطرابات في السوق وصعوبات واجهتها صناديق في تلبية طلبات السحب.
وقالت السلطات التركية إن الأزمة ارتبطت باشتباه في التلاعب بأسعار أسهم محدودة السيولة، ما أدى إلى موجة بيع واسعة في سوق الأسهم، فيما اتخذت الجهات التنظيمية إجراءات لتوفير السيولة ودعم الاستقرار المالي.
وأفادت «رويترز» بأن المؤشر الرئيسي لبورصة إسطنبول «بيست 100» تراجع بأكثر من 8 في المائة خلال موجة البيع الأخيرة، في أسوأ أداء له منذ مارس 2025، بينما تدخلت السلطات عبر إجراءات نقدية وتنظيمية لتخفيف الضغوط على الصناديق والمستثمرين.
وفي مواجهة التصعيد السياسي، أكد الرئيس رجب طيب إردوغان أن النظام المالي التركي قوي وأن أزمة صناديق الاستثمار محدودة ولا تمثل خطراً على النظام المالي، متعهداً بمحاسبة كل من يثبت تورطه في ممارسات تزعزع استقرار السوق.
وترأس إردوغان اجتماعاً مع الفريق الاقتصادي في الحكومة لبحث تداعيات الأزمة وتنظيم أسواق رأس المال ومنع تكرار المشكلات، فيما أعلنت الرئاسة التركية تشكيل مجلس لتنسيق تصفية صناديق الاستثمار، برئاسة نائب الرئيس، بهدف تسريع عملية التصفية وحماية حقوق المستثمرين.
وفي السياق نفسه، قال وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك إن حماية الاستثمار والتوظيف والإنتاج والصادرات تمثل أولوية، مؤكداً استمرار الإجراءات القانونية ضد من يثبت تورطه في أنشطة أضرت بالسوق، مع التأكيد على عدم اتخاذ إجراءات بحق الأشخاص والشركات غير المرتبطة بالمخالفات محل التحقيق.
وفي الجانب السياسي، وصف أوزيل الأزمة بأنها «عملية احتيال القرن»، وقال إن «الحزب الجديد» شكل خلية أزمة عقدت اجتماعاً برئاسته الثلاثاء، كما أعلن إعداد مشروع قانون من 15 مادة لتقديمه إلى البرلمان مع بدء دورته الجديدة في الأول من أكتوبر.
وشبّه أوزيل الأزمة الحالية في تركيا بقضية المستثمر الأميركي برنارد مادوف، التي عُرفت بأنها واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المالي في الولايات المتحدة، وقال إن حجم الأموال المتضررة في تركيا يستدعي تحقيقاً واسعاً في المسؤوليات السياسية والمالية.
ويقدر «الحزب الجديد»، بحسب ما أورده أوزيل، أن تركيا تواجه عملية سطو لا تقل قيمتها عن 20 مليار دولار، وطالب بالكشف عن تفاصيل التحقيقات المتعلقة بفاطمة بتول صايان كايا وزوجها، إلى جانب فحص تعاملات شخصيات أخرى يشتبه بارتباطها بالأزمة.
في المقابل، شن نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» والمتحدث باسمه عمر تشيليك هجوماً على أوزيل، رافضاً الاتهامات التي وجهها إلى إردوغان والحزب الحاكم.
وقال تشيليك عبر حسابه في منصة «إكس» إن تصريحات أوزيل تجاه إردوغان تعكس، بحسب وصفه، «جهلاً وافتراءً سياسياً»، مؤكداً أن الحزب سيواجه هذه التصريحات، ومشدداً على أن مبدأ إردوغان والحزب الحاكم هو محاسبة كل من يسيء استخدام سلطته أو ينتهك القانون أو يتعدى على حقوق المواطنين، بغض النظر عن منصبه أو هويته.
واتهم تشيليك أوزيل وقيادات «الحزب الجديد» بمحاولة استخدام الاتهامات والفضائح سياسياً، وقال إن المعارضة، بحسب روايته، تهاجم مؤسسات الدولة ومسؤوليها للتغطية على ما وصفه بالفساد داخل صفوفها.
وتتزامن المواجهة السياسية مع استمرار التحقيقات في أزمة الصناديق، إذ أعلنت السلطات التركية خلال الأيام الماضية إجراءات لتجميد ورفع القيود عن أصول شركات وصناديق وأفراد ضمن التحقيق، بينما قالت وزارة العدل إن الإجراءات القانونية مستمرة بحق من تثبت صلته بالتلاعب في السوق.
وأفادت تقارير بأن السلطات جمدت في مرحلة سابقة أصول 46 كياناً قانونياً و18 صندوقاً و42 شخصاً، قبل أن ترفع القيود عن 45 شركة و19 صندوقاً بعد تقييمات جديدة من هيئة أسواق المال، مع استمرار القيود على أفراد في إطار التحقيق.
وكانت شركة «أوزاتا دنيزجيليك» قد أفادت في ملف تنظيمي بأن رئيس مجلس إدارتها أوزدمير أتايسيفن ونائب رئيس مجلس الإدارة غوخان أتايسيفن أوقفا على ذمة التحقيق في أزمة الصناديق، التي تتوسع فيها التحقيقات لتشمل مسؤولين ومديرين في شركات مالية واستثمارية.
وبحسب بيانات «رويترز»، بدأت أسهم «أوزاتا دنيزجيليك» أبريل الماضي عند نحو 220 ليرة للسهم، قبل أن تصل إلى 4,980 ليرة في 15 سبتمبر، أي قبل اضطرابات سوق صناديق الاستثمار التي بدأت في اليوم التالي، وسط تحقيقات في شبهات تلاعب بأسعار أسهم منخفضة التداول.
وفي خلفية الأزمة، بدأت السلطات التركية إجراءات واسعة بعد عجز عدد من صناديق الاستثمار عن تلبية طلبات السحب من جانب أعداد كبيرة من المستثمرين، ما أدى إلى ضغوط على السوق وتراجع حاد في الأسهم، قبل أن تتدخل الجهات المالية والنقدية لتوفير السيولة وتنظيم عمليات التصفية وحماية حقوق المستثمرين.
وتبقى الاتهامات المتعلقة بتعاملات فاطمة بتول صايان كايا وزوجها محل تحقيق، بينما تنفي التطورات الرسمية حتى الآن تحويل هذه الاتهامات إلى إدانة قضائية، في وقت تحاول فيه الحكومة احتواء التداعيات المالية للأزمة، فيما تستخدم المعارضة الملف للضغط السياسي على إردوغان وحكومته.





