أثارت أنباء متداولة حول خصخصة المشافي الحكومية في سوريا حالة جدل واسع وغضب شعبي، بعد تداول معلومات عن الحفاظ على شراكة للدولة في عوائد القطاع الصحي، ما دفع الحكومة إلى إصدار توضيحات رسمية تنفي فيها طرح أي عملية بيع للمشافي العامة.
وأكد رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي في بيان توضيحي أن ما يتم تداوله عبر بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي بشأن خصخصة المشافي الحكومية غير صحيح، مشددا على أن القطاع الصحي سيبقى ضمن مسؤولية الدولة ولن يتم عرضه للبيع تحت أي ظرف.
وأوضح الهلالي أن ما يجري بحثه لا يتعلق بالخصخصة، بل بدراسة نماذج إدارية حديثة تتضمن شراكات محتملة مع القطاع الخاص بهدف تطوير آليات العمل ورفع جودة الخدمات الطبية وتحسين كفاءة الأداء، مع ضمان وصول العلاج إلى جميع المواطنين.
وأشار إلى أن المخاوف الشعبية التي رافقت الجدل محل تقدير واحترام، مبينا أن التفاعل الواسع يعكس حرص المواطنين على حقهم في الرعاية الصحية.
وشدد على أن الدولة ستبقى الضامن الأساسي للقطاع الصحي، وأن أي نموذج إداري جديد سيخضع لإشراف حكومي كامل ورقابة صارمة لضمان حماية حقوق المرضى وعدم حرمان أي مواطن من العلاج بسبب وضعه المادي.
وختم الهلالي بالتأكيد على أن الهدف من أي إصلاحات مطروحة هو رفع مستوى الخدمات الصحية وتطوير معاييرها وتقديم خدمة أكثر كفاءة وتكلفة أقل.
ورغم التوضيحات الرسمية، استمر الجدل في الأوساط الشعبية، حيث رأى كثيرون أن النقاشات الدائرة تعكس توجها نحو تقليص دور الدولة الاجتماعي لصالح اقتصاد أكثر انفتاحا، وسط استحضار شعبي لارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية مثل الخبز والكهرباء والوقود.
وفي سياق ردود الفعل، عبّر مواطنون عن غضبهم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وكتب مستخدم يدعى أبو إسماعيل أن الفقر المدقع في سوريا بات يشمل نحو 90 بالمئة من السكان، مشيرا إلى أن ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة والسكن والرعاية الصحية جعل الحياة اليومية خارج متناول غالبية المواطنين.
وأضاف أن رفع أسعار الكهرباء وتداول أنباء خصخصة القطاع الصحي يزيد من الضغوط المعيشية، محذرا من انفجار اجتماعي نتيجة تراكم الغضب الشعبي.
وفي منشور آخر، انتقد أحد المواطنين الحديث عن خصخصة القطاع الصحي، معتبرا أن بيع أو تحويل المشافي العامة في ظل الظروف الحالية سيؤدي إلى عجز المواطنين عن تحمل تكاليف العلاج، مشيرا إلى إغلاق معامل أدوية وتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف الخدمات الطبية.
كما اعتبر المواطن أن كلفة العلاج في المشافي الخاصة مرتفعة للغاية، وأن أي توسع في الخصخصة سيضاعف الأزمة الصحية في البلاد.
في المقابل، رأى أحمد ديب أن الحديث عن خصخصة النظام الصحي دون رؤية سياسية واقتصادية واضحة يمثل خللا في إدارة الملف العام، معتبرا أن القطاع الصحي يحتاج إلى إعادة تنظيم تشمل دعم الفحوصات الأولية وتطوير التحاليل الطبية باعتبارها أساس التشخيص.
واقترح ديب نماذج شراكة مع دول أوروبية تشمل إنشاء مستشفيات مشتركة وتبادل كوادر طبية وبرامج علاجية، بما يساهم في تطوير القطاع الصحي ورفع كفاءته.
من جانبه، كتب أحمد الرفاعي أن فكرة بيع القطاع الصحي العام للقطاع الخاص لا تناسب وضع سوريا الحالي، معتبرا أن المواطن لا يحتمل أي زيادة في تكاليف العلاج في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وفي سياق مختلف، رأى أبو قصي أن خصخصة القطاع الصحي قد تكون مفيدة إذا رافقها نظام تأمين صحي شامل يخفف العبء المالي عن المواطنين، على غرار بعض النماذج الدولية.
أما فراس جنيدي، فاستعرض تجربة دول مثل كندا، موضحا أن المشافي مملوكة للدولة لكن إدارتها تتم عبر هيئات غير ربحية، مع تعهيد بعض الخدمات لشركات خاصة، مع التأكيد على أن هذا لا يعد خصخصة مباشرة بل إدارة حكومية غير تشغيلية.
كما علقت الصحفية هدى أبو نبوت على الجدل معتبرة أن تراجع الخدمات الأساسية قد يضع البلاد أمام مشهد اجتماعي صعب، مشيرة إلى أهمية حماية القطاعين الصحي والتعليمي باعتبارهما من الأولويات الأساسية بعد سنوات من الحرب وما خلفته من آثار إنسانية واسعة.
في المقابل، رأى مصطفى الحاج صالح أن الجدل حول خصخصة القطاع الصحي يتسم بالمبالغة، معتبرا أن جزءا كبيرا من القطاع الطبي الخاص قائم بالفعل، وأن مشكلات المشافي الحكومية مرتبطة بالبيروقراطية وضعف الإدارة، مع دعوة إلى إصلاح شامل للقطاع.
من جهته، قال الباحث الاجتماعي سيمون عطية إن توقيت طرح أي إصلاحات تتعلق بخصخصة القطاع الصحي غير مناسب في ظل الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع تكاليف العلاج والدواء.
وحذر عطية من أن أي توسع في دور القطاع الخاص داخل المشافي الحكومية سيؤدي إلى تقليص فرص الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية وربطها بالقدرة المالية للمواطنين، ما يعمق الفجوة الاجتماعية.
وأكد أن استمرار هذا التوجه سيضعف الدور الاجتماعي للدولة ويزيد من التفاوت الطبقي، داعيا إلى دعم المشافي الحكومية وتوفير التمويل والكوادر اللازمة لها بدلا من تقليص دورها.
وطالب الباحث الاجتماعي بإعادة النظر في أي خطوات إصلاحية تمس القطاع الصحي، مع التركيز على تحسين الخدمات الحكومية وضمان وصول العلاج لجميع المواطنين.





