ثروة نفطية تتجاوز 50 مليار دولار.. لماذا لا تنعكس موارد ليبيا على اقتصادها ومواطنيها؟

قال وزير الاقتصاد والتجارة سهيل بوشيحة إن ارتفاع إنتاج النفط خلال السنوات الأخيرة لم ينهِ الضغوط التي يواجهها الاقتصاد، مشيرًا إلى استمرار التحديات المرتبطة بسعر صرف الدينار والقوة الشرائية وكلفة الطاقة.

وأوضح بوشيحة، في حوار خاص مع الجزيرة نت، أن إنتاج النفط ارتفع من مستويات تراوحت بين 900 ألف و950 ألف برميل يوميًا عند تولي حكومة الوحدة الوطنية الحكم إلى نحو مليون و400 ألف برميل يوميًا حاليًا.

وأضاف أن جانبًا كبيرًا من النمو الاقتصادي خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية ارتبط، وفق تقييمه، بزيادة إنتاج النفط إلى جانب نمو إنتاج الغاز، بينما ظل نمو الأنشطة الاقتصادية الأخرى محدودًا مقارنة بقطاع النفط.

وقال إن اعتماد الاقتصاد الليبي على النفط ما يزال أساسيًا، معتبرًا أن زيادة الإنتاج رفعت حجم الموارد المتاحة، لكنها في الوقت نفسه زادت حجم المطالب الموجهة إلى النفط لتمويل الإنفاق ومعالجة الاختلالات ودعم الاقتصاد.

ويرى بوشيحة أن معالجة هذه التحديات تستدعي تغيير النموذج الاقتصادي الذي تُدار من خلاله الموارد، موضحًا أن النموذج الحالي يركز بدرجة كبيرة على دعم الطلب الاستهلاكي، بينما تحتاج البلاد، وفق طرحه، إلى نموذج يدعم المواطن والإنتاج.

وأشار إلى أن هذا التحول يحتاج إلى مشاركة جهات سيادية عدة، وليس وزارة الاقتصاد أو الحكومة وحدهما.

وقال إن النموذج الاقتصادي لم يتغير بصورة جوهرية بعد ثورة 17 فبراير في شباط 2011، رغم توسع الانفتاح وحرية ممارسة الأنشطة والاستثمار.

وأضاف أن دعم المحروقات والأسعار داخل الاقتصاد المحلي ظل محركًا أساسيًا، ما أدى، بحسب وصفه، إلى وجود اقتصاد حر ومنفتح إلى جانب اقتصاد قائم على الدعم.

واعتبر أن استمرار النموذجين خلق صراعًا بين الفكر الاشتراكي والرأسمالي من دون نموذج اقتصادي واضح ومستقر.

وفي ما يتعلق بتقييم الوضع الاقتصادي من منظور المواطن، قال بوشيحة إن المؤشرات الكلية لا تعكس بالضرورة واقع الحياة اليومية.

وأوضح أن المواطن ينظر بصورة أساسية إلى الراتب والقوة الشرائية وسعر الصرف، مشيرًا إلى أن حصول المواطن على راتب يبلغ ألفي دينار لا يعني بالضرورة احتفاظه بالقيمة نفسها في السوق إذا كانت قيمة الدينار الفعلية أقل من السعر الرسمي.

وأضاف أن توفر السلع في الأسواق لا يعني قدرة المواطن على الحصول عليها، إذا تراجعت قدرته الشرائية، معتبرًا أن تقييم الاقتصاد ينبغي أن يأخذ في الاعتبار قدرة المواطن على تلبية احتياجاته الأساسية.

وفي ملف الكهرباء، قال وزير الاقتصاد إن إنتاج الكهرباء ارتفع من نحو 7 آلاف ميغاوات إلى قرابة 9 آلاف ميغاوات، لكنه طرح تساؤلات بشأن حجم الإنفاق على تركيب وصيانة المحطات وتزويدها بالغاز والوقود.

وذكر أن نحو 14 مليار دولار أنفقت على منظومة الكهرباء، معتبرًا أن الأموال التي تدخل الاقتصاد يفترض أن تنتج قيمة اقتصادية أكبر، وضرب مثالًا بوصول العائد إلى 25 أو 30 مليار دولار.

وقال إن المشكلة، وفق تقديره، تظهر عندما تدخل الأموال إلى الاقتصاد من دون أن تنتج قيمة مضافة مماثلة أو أكبر.

وأضاف أن الإنفاق على الموارد والخدمات لا يتحول بالضرورة إلى قيمة اقتصادية تعود إلى الدولة والمواطن.

وأشار إلى أن قطاع الكهرباء استلم خلال الأشهر السبعة الأولى من العام أكثر من مليوني طن من الديزل بقيمة اقتصادية تتجاوز ملياري دولار، إضافة إلى نحو 500 ألف طن من الزيت الثقيل بقيمة تقارب 300 مليون دولار، وقرابة 200 مليار قدم مكعبة من الغاز بقيمة اقتصادية تقدر بنحو 3 مليارات دولار.

وبحسب تقديرات بوشيحة، تصل القيمة الاقتصادية للمحروقات المستخدمة في قطاع الكهرباء خلال الأشهر السبعة الأولى إلى نحو 5.5 مليارات دولار.

وقال إن هذه القيمة تدخل الاقتصاد من دون أن تنعكس بالقدر نفسه على إنتاج السلع والخدمات.

وفي ما يتعلق بأزمة المحروقات، قال بوشيحة إن الصناعة والخدمات والنقل وقطاعات اقتصادية أخرى تتعرض لضغوط بسبب اعتمادها بدرجات مختلفة على الطاقة والوقود.

وأوضح أن انخفاض السعر الرسمي للوقود لا يمنع، وفق قوله، وصول جزء من الوقود المدعوم إلى السوق الموازية وإعادة بيعه بأسعار مختلفة.

وأضاف أن تخصيص كميات من الوقود للمخابز ثم إعادة بيع جزء منها خارج النشاط الإنتاجي يعني أن الدعم لا يصل إلى الغرض الذي خصص من أجله.

ويرى وزير الاقتصاد أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الدعم، وإنما أيضًا بطريقة توجيهه وآليات الرقابة عليه، داعيًا إلى نموذج يوجه الموارد إلى المواطن والإنتاج بصورة أكثر قابلية للقياس والرقابة.

وبشأن سعر صرف الدينار، قال بوشيحة إن تحديد سعر الصرف يرتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية، ولا يمكن فصله عن الالتزامات المالية التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

وأشار إلى أن أزمة الدينار مستمرة منذ عام 2014، معتبرًا أن المعالجات التي جرت خلال هذه الفترة لم تعالج، من وجهة نظره، جذور المشكلة.

وأوضح أن الفترة الممتدة من 2014 إلى 2025-2026 شهدت تكوين التزامات مالية تحتاج إلى تسوية، وقال إن دخول هذه الالتزامات في عمليات التسوية المالية والمصرفية يزيد الطلب على العملة الأجنبية، ما ينعكس على تذبذب أسعار الصرف.

وربط بوشيحة استقرار سعر الصرف بالتقيد بالاتفاق المالي الموحد وتسوية الملفات المالية والمصرفية وتوحيد المنظومة المالية والمصرفية.

وأشار إلى أن حكومة الوحدة الوطنية لم تسجل، بحسب قوله، دينارًا واحدًا كدين عام خلال فترة عملها.

وقال إن سعر الصرف الحالي لا يعكس بالضرورة، وفق تقديره، القيمة الحقيقية للدينار، سواء بالنسبة إلى السعر الرسمي أو سعر السوق الموازية.

وأضاف أن إعادة تنظيم الاقتصاد وإعادة بناء النموذج الاقتصادي يمكن أن يساهما، بحسب رؤيته، في تحسين قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية.

وفي ما يتعلق بتنويع الاقتصاد، قال بوشيحة إن ليبيا تمتلك موارد أخرى إلى جانب النفط والغاز، من بينها الطاقة الشمسية والطاقة النظيفة والمعادن والثروة الحيوانية والسياحة، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بالموارد الطبيعية.

وأضاف أن تطوير الصناعات البتروكيماوية يمكن أن يساهم في تقليل الاعتماد على استيراد بعض المنتجات والمحروقات، مشيرًا إلى أن فاتورة المحروقات تمثل نسبة كبيرة من إجمالي الواردات.

ودعا إلى توجيه الاستثمارات نحو مشروعات تخلق ثروة حقيقية للمجتمع، بدلًا من الاقتصار على مشروعات تزيد استهلاك الطاقة المدعومة من الدولة.

وفي شأن الاستثمارات المستقبلية، قال وزير الاقتصاد إن الشراكات والاستثمارات ينبغي أن تستهدف خلق الإنتاج وفرص العمل والقيمة المضافة، بحيث يتحول المورد الطبيعي من مصدر للإيرادات إلى أساس لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستمرارًا.

وأوضح أن الدولة تواجه مسؤولية تجاه الحاضر تتمثل في توفير المحروقات ومخزون الأمان والأمن الغذائي، إلى جانب مسؤولية تجاه المستقبل تتمثل في توفير الاحتياطيات النقدية والمالية والمدخرات والاستثمارات اللازمة في قطاع النفط.

وطرح بوشيحة إعادة تخصيص موارد الهيدروكربونات باعتبارها مدخلًا لإعادة التوازن إلى الاقتصاد الليبي.

واقترح تخصيص نحو 65 بالمئة من موارد إنتاج الهيدروكربونات كحصة صافية للخزانة العامة الموردة إلى مصرف ليبيا المركزي، و23 بالمئة لدعم المحروقات، و12 بالمئة للشركاء في الإنتاج.

وقال إن هذا التوزيع يمكن أن يشكل أساسًا لإعادة بناء التوازن الاقتصادي، مشيرًا إلى أن القيمة الاقتصادية السنوية لإنتاج النفط تتجاوز، وفق تقديره، 50 مليار دولار.

وأكد أن المشكلة، بحسب رؤيته، لا تكمن في غياب الموارد، وإنما في كيفية إعادة تخصيصها لخدمة الاقتصاد والمواطن بصورة أكثر كفاءة.

وقال بوشيحة إن تغيير الاقتصاد يعني تغيير النموذج الاقتصادي والانتقال من دعم الاستهلاك إلى دعم المواطن والقوة الشرائية والإنتاج.

وأضاف أن هذا المسار يتيح توجيه الموارد بصورة أكثر دقة وربط الإنفاق بالنتائج الاقتصادية.

وختم وزير الاقتصاد بالقول إن ليبيا لا تعاني من نقص الموارد، وإنما من ضعف تحويل هذه الموارد إلى ثروة مستدامة للمواطن.

ودعا إلى إعادة تخصيص موارد الهيدروكربونات لتكون أساسًا في إعداد الموازنة العامة وإعادة التوازن إلى المستوى العام للأسعار، بالتوازي مع وقف خلق النقود من خلال الإصدار النقدي الإلكتروني.

اقترح تصحيحاً