أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اليوم الاثنين استقالته رسمياً من منصب زعيم حزب العمال الحاكم، ليصبح بذلك رابع رئيس حكومة بريطاني يسقط منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ورئيس الوزراء رقم مئة في تاريخ بريطانيا، وسادس رئيس وزراء للبلاد يستقيل خلال العقد الماضي جراء الأزمات السياسية المتلاحقة.
وألقى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خطاباً أمام مقر إقامته الرسمي في شارع داونينغ ستريت، وبدا فيه في مشهد عاطفي نادر، حيث كان على وشك البكاء وصوته يرتجف بشكل ملحوظ وهو يتحدث عن عائلته، مؤكداً أنه عندما يغادر أكبر منصب في البلاد، سيكرس المزيد من الوقت لعائلته ليكون أفضل زوج لزوجته الرائعة فيكتوريا ستارمر التي ظهرت وهي تذرف الدموع متأثرة على درجات المقر الرسمي، كما تعهد بأن يكون أفضل أب لأطفاله الذين وصفهم بأنهم فخره وفرحته، مشيراً إلى أنه سيمنح خليفته دعمه الكامل وغير المشروط من أجل بناء بريطانيا أقوى وأكثر عدالة.
وأوضح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في كلمته الوداعية أنه سمع إجابة حزبه على سؤال حول قدرته على قيادته في الانتخابات المقبلة، وأنه يقبل هذه الإجابة برضى وحسن نية، لافتاً إلى أنه أبلغ الملك تشارلز الثالث بقراره صباح اليوم، وسيطالب اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال بوضع جدول زمني لعملية اختيار القائد الجديد، بحيث يفتح باب الترشح في التاسع من يوليو المقبل، وتكتمل العملية بحلول العطلة الصيفية للبرلمان لضمان وجود زعيم جديد قبل عودته للانعقاد في سبتمبر المقبل، مع تأكيده البقاء في منصبه كرئيس للوزراء طوال تلك الفترة لضمان انتقال منظم وسلس للسلطة.
ودافع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن إنجازات حكومته خلال عامين من الإدارة، مذكراً بأنه ورث حزب العمال قبل ست سنوات وهو يعاني حالة إفلاس سياسي ومالي وأخلاقي، وتمكن من تطهيره من سم الكراهية واستعادة الثقة في الاقتصاد والدفاع والأمن القومي، واستعرض عدة ملفات تحققت في عهده ومنها بناء اقتصاد أقوى ينمو بشكل أسرع من نظرائه، وارتفاع في الأجور يفوق معدلات التضخم كل شهر، وتأمين استثمارات ضخمة، وإنهاء سياسة التقشف، وتحقيق أسرع انخفاض في قوائم انتظار هيئة الصحة الوطنية منذ سبعة عشر عاماً، بجانب إدخال تحسينات كبيرة في حقوق العمال والمستأجرين، وإقرار أكبر زيادة في الإنفاق الدفاعي منذ الحقبة الخاصة بالحرب الباردة، علاوة على تراجع عمليات عبور القوارب الصغيرة، وإغلاق فنادق اللجوء، وحماية الشباب من وسائل التواصل الاجتماعي، وإخراج نصف مليون طفل من الفقر، فضلاً عن استعادة سمعة بريطانيا الدولية، والوقوف مع أوكرانيا، وإعادة بناء العلاقات مع الحلفاء في أوروبا.
وفي أولى ردود الفعل الدولية على رحيل رئيس الحكومة، أعلن الكرملين على لسان المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف تعليقاً على الاستقالة، أن رئيس وزراء بريطانيا المستقيل كير ستارمر لم يظهر أي إيجابية من حيث العلاقات الروسية البريطانية، بل كان دائماً من مؤيدي إبقاء هذه العلاقات عند مستوى الصفر، مستبعداً في الوقت نفسه أن يتبنى أي شخص آخر على الساحة السياسية البريطانية موقفاً مختلفاً بشأن شروط الحوار مع موسكو.
وفي ذات السياق، وصف الممثل الخاص للرئيس الروسي للتعاون الاستثماري والاقتصادي مع الدول الأجنبية كيريل دميترييف هذه الاستقالة بأنها إشارة ورسالة مهمة للمحرضين ودعاة الحرب الآخرين في أوروبا، كاشفاً في منشور عبر قناته في تطبيق تلغرام أنه كان يدعو رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لهذه الخطوة لأكثر من عام بسبب مساره الاستفزازي في التحريض على الحرب، وإخفاقاته الواضحة في سياسة الهجرة، ومواجهة ارتفاع معدلات الجريمة، بالإضافة إلى أخطائه المتكررة في قطاعي الطاقة والاقتصاد.
وعلى صعيد ترتيب بيت الحكم البريطاني من الداخل، أعلن النائب الجديد عن دائرة ماكرفيلد آندي بورنهام ترشحه رسمياً لخلافة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في زعامة حزب العمال، ووجه شكره للرئيس المستقيل على قيادته وتفانيه خلال الفترة الصعبة التي مرت بها بريطانيا، معتبراً الاستقالة بداية مرحلة انتقالية يجب أن تتم بطريقة مسؤولة، وحدد أولويات الحزب في المرحلة المقبلة بالتركيز على تحقيق التقدم في النمو الاقتصادي، ومعالجة أزمة غلاء المعيشة، وتحسين الخدمات العامة، وتوفير المساكن، وخلق فرص أفضل للأجيال القادمة.
وفي تطور سياسي بارز، أعلن وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، الذي كان يعتبر مرشحاً محتملاً للمنافسة، أنه لن يترشح ضد النائب الجديد عن دائرة ماكرفيلد آندي بورنهام، مؤكداً بعد محادثات مطولة معه أنه الشخص المناسب لقيادة الحزب والدولة، وأوضح أنه يفضل تجنب قضاء الصيف في تضخيم الخلافات الصغيرة، ويدعو الجميع لدعم المرشح الجديد من أجل نشر الفرص وإظهار أن السياسة قوة للخير، مما يمهد الطريق أمام آندي بورنهام للفوز بزعامة الحزب بسلاسة ودون منافسة قوية.
وكانت صحيفة تلغراف البريطانية قد كشفت قبل يومين نقلاً عن مسؤول حكومي رفيع المستوى أن حلفاء رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يعتقدون أنه يستعد لمغادرة منصبه بعدما أدرك تماماً أن اللعبة انتهت، ونقلت عن أحد النواب العماليين توقعه بأن يعلن رئيس الوزراء المنتقد تاريخ رحيله يوم الاثنين بسبب تراجع شعبيته وغياب الدعم الحقيقي له باستثناء الأصدقاء والعائلة، وهو ما تحقق بالفعل في الخطاب الوداعي اليوم.





