طوابير لا تنتهي.. أين تذهب شحنات الوقود ومن يغذي «السوق الموازية» بأضعاف السعر؟

تتواصل أزمة الوقود في ليبيا وسط طوابير أمام محطات التوزيع وتحديات متشابكة تتعلق بالتوريد والتخزين والنقل والتوزيع، في وقت تعتمد فيه البلاد على استيراد كميات كبيرة من أنواع الوقود لتغطية احتياجات السوق المحلي، ما يجعل انتظام الإمدادات مرتبطًا بعوامل داخلية وأخرى تتصل بتقلبات الأسواق والظروف الجيوسياسية الدولية.

الاعتماد على الاستيراد رغم الوفرة النفطية

قال الخبير النفطي محمد الشحاتي، في تصريح لـ«شبكة عين ليبيا»، إن ليبيا، رغم امتلاكها موارد نفطية كبيرة، إلا أنها لا تمتلك الطاقات التكريرية اللازمة لإشباع حاجة السوق المحلي من أنواع معينة من الوقود، وأهمها بنزين السيارات والديزل، لهذا فهي تعتمد على استيراد كميات كبيرة منهما من السوق الدولية.

العوامل اللوجستية تتصدر أسباب الأزمة

وحول ما إذا كانت الأزمة الحالية مرتبطة بنقص كميات الوقود أم بخلل في عمليات التوريد والتخزين والنقل والتوزيع، أوضح الشحاتي أن الأزمة الحالية ناتجة عن عدة عوامل، وهي بالترتيب، العوامل اللوجستية المتعلقة بالتخزين والنقل والتوزيع، وهو أهم عامل وأعطاه 60% من الأهمية.

وأوضح أن العامل الثاني يتمثل في عدم وجود طاقة تكرير مناسبة لحاجة السوق المحلي واعتماد ليبيا على الأسواق الدولية في التزود بالوقود، وهو ما يجعلها عرضة للتقلبات الحادة والأزمات، وقد زاد من حدة الأزمة هذه المرة العوامل الجيوسياسية المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز ومنع روسيا تصدير الديزل بسبب الحرب مع أوكرانيا، وهذا العامل أعطاه 30%.

أما العامل الأخير، بحسب الشحاتي، فهو التوزيع في المحطات والنقل البري، حيث إن المحطات قديمة جدًا ولا يوجد فيها أعداد مضخات مناسبة، ما يبطئ عملية التوزيع بشكل كبير، كما أن التوزيع الجغرافي لها لا يتناسب مع الطلب المحلي، وهذا العامل أعطاه 10%.

أضرار المنشآت قلصت القدرة التخزينية

وحول مدى تأثير الأضرار التي لحقت بمنشآت التخزين والهجمات على بعض المواقع النفطية على انتظام إمدادات الوقود، أكد الشحاتي أن الأضرار المتلاحقة منذ عام 2011 والتي لحقت بمختلف المستودعات وخطوط الأنابيب والخزانات أثرت كثيرًا على انتظام إمدادات الوقود.

وأوضح أن ليبيا كانت تمتلك طاقة تخزين تكفي أسبوعين استهلاكًا من مختلف أنواع الوقود، سواء المكررة محليًا أم التي تستورد، إلا أن التخريب أدى إلى أن تكون الطاقة التخزينية تقريبًا لا تتجاوز ثلاثة أيام في مراكز الاستهلاك الرئيسية، مما أدى إلى الاعتماد على التخزين البحري في النواقل، والذي له قيود طاقة التفريغ، فهو لا يحل مشكلة التخزين بشكل كبير.

تأخر الشحنات والسوق العالمية

وفيما يتعلق بتأثير تأخر شحنات الوقود وظروف السوق العالمية على السوق الليبية، وما إذا كان ذلك يكفي لتفسير حجم الطوابير الحالية، اكتفى الشحاتي بالإشارة إلى أن «سبق الإجابة أعلاه».

كما أوضح، ردًا على سؤال حول ما إذا كانت الطاقة التخزينية الحالية لدى ليبيا كافية لتأمين مخزون استراتيجي يمنع حدوث أزمات مشابهة عند تأخر التوريدات أو وقوع أي طارئ، أن «سبق الإجابة أعلاه».

تسريب الوقود والجريمة المنظمة وراء وصوله إلى السوق الموازية

وحول كيفية تفسير وصول الوقود إلى السوق الموازية بأسعار تتجاوز السعر الرسمي بأكثر من عشرة أضعاف، وأين يحدث الخلل داخل سلسلة الإمداد، قال الشحاتي إن التفسيرات كثيرة، منها الاقتصادي، وهو يتعلق بعملية التسريب خارج المنظومة الرسمية للتوزيع ووجود طلب غير مرن على هذه الأنواع من الوقود، والتي لا تحتمل تأجيل استهلاكها، ومحدودية التخزين عند المستهلكين نظرًا لخطورة الاحتفاظ بها من ناحية السلامة، وكذلك عدم وجود تجهيزات حديثة لذلك.

وأضاف أن هناك التفسير الأمني، والذي يتعلق بوجود جريمة منظمة تقوم بتسريب الوقود خارج المنظومة الرسمية، إما بغرض إعادة بيعها في السوق المحلي، وهو الخيار الأسهل، أو تهريبها للخارج.

وأوضح أن الخلل في سلاسل الإمداد يحدث في العقد العمياء التي لا توجد سيطرة للدولة عليها من أجل الرقابة، ونتيجة لضعف الجهاز الأمني، فهذه العقد توسعت بشكل كبير.

أزمة الكهرباء والطلب على الوقود

وحول مدى تأثير أزمة الكهرباء وزيادة الطلب على الوقود لتشغيل المولدات في الضغط على منظومة التوزيع ومحطات الوقود، قال الشحاتي: «هناك أثر ولكن لا أعرفه حقيقة».

الحل العاجل والمتوسط والطويل لأزمة الوقود

وحول الحل النفطي العاجل للخروج من الأزمة الحالية، وما تحتاجه ليبيا في منظومة التخزين والتوريد والتوزيع حتى لا تتكرر أزمة الطوابير مرة أخرى، أوضح الشحاتي أن الحل العاجل، ونتكلم عن فترة شهرين إلى ثلاثة أشهر، هو التحقق من أن الكميات الموردة كافية للطلب المحلي، مع تشديد الرقابة في عمليات التوزيع من قبل الأجهزة الأمنية.

أما في المدى المتوسط، سنة إلى سنتين، فإن معالجة موقف مصفاة رأس لانوف وإعادتها للعمل سيساهم في عودة الاستقرار لسوق الديزل إلى حد ما.

وفي المدى الطويل، فإن وضع الطاقة في ليبيا يحتاج إلى وضع سياسة وطنية للطاقة تؤمن الإمداد والتكلفة، وهو موضوع طويل لا يمكن شرحه في هذا الإيجاز.

اقترح تصحيحاً