ليست فزان أرض أمة واحدة ولا حكاية لون واحد من البشر بل هي فسيفساء إنسانية تشكلت عبر الزمن امتزجت فيها العربية بالتباوية والتارقية فكانت نموذجا حيا للتنوع لا سببا للصراع غير أن هذا التنوع الذي كان يفترض أن يكون مصدر قوة تحول بفعل سوء الفهم وسوء الإدارة إلى مدخل للانقسام حين طغى مفهوم الأمة الضيق على مفهوم المواطنة الأوسع والأعدل.
فالأمم متوزعة في اكثر من دولة وليس وجودها محصورا في فزان خاصة وليبيا عامة وهذا ما يؤكد أن الانتماء القومي لا يتعارض مع قيام دولة موحدة تقوم على المواطنة بل أن الخلل يكمن في تحويل هذا التنوع إلى أداة صراع بدل أن يكون مصدر تكامل.
إن فزان اليوم لا تحتاج إلى إعادة تعريف هويتها بقدر ما تحتاج إلى تصحيح بوصلة انتمائها فالمواطنة هي المظلة التي يتساوى تحتها الجميع وهي الضامن الحقيقي للحقوق أما التمسك بالمحاصصة وتقاسم النفوذ على أساس الانتماء فليس إلا وصفة دائمة لإعادة إنتاج الأزمة.
ما يمر به الجنوب الليبي ليس وليد لحظة عابرة ولا نتيجة صدفة عمياء بل هو نتيجة تراكمات واستغلال ممنهج للفوارق الثقافية وهشاشة الواقع والعصبية التي فرضتها طبيعة البيئة الصحراوية حيث كان التكاتف القبلي ضرورة للبقاء فتحول مع الزمن إلى أداة صراع بدل أن يبقى وسيلة حماية.
وفي خضم هذا المشهد لا يمكن إغفال حقيقة أن هناك من يستفيد من هذا الانقسام وأن الهدف في نهاية المطاف ليس إلا استنزاف موارد الجنوب وإبقاؤه في دائرة الضعف والتناحر.
نأمل من جميع الكُتّاب والمثقفين والمفكرين من جميع الأبناء تعديل الخطاب الإعلامي بدل التعصب لقبيلته أو أمته أو مكونه إلى خطاب يدعو إلى المواطنة ومن خطاب يدعو إلى المحاصصة إلى خطاب يدعو إلى البقاء للأصلح كما ندعو من الدولة الليبية أن تنتبه جيدا بأن ما نلاحظه من لقاءات قبلية ومكوناتية عرقية منفردة هو تجسيد لتقسيم الشعب لطبقات بدلا من تجسيد المواطنة.
وليس ما تعيشه فزان قدرا محتوما فالعالم مليء بدول متعددة الأعراق والأديان لكنها استطاعت أن تبني دولا مستقرة لأنها اختارت المواطنة بدل العصبية والقانون بدل الفوضى والمؤسسات بدل الولاءات الضيقة بل إن داخل الوطن الواحد في شرقه وغربه نماذج اكثر استقرارا رغم اختلافها وهو ما يطرح سؤالا مؤلما لماذا تظل فزان استثناء في معادلة المعاناة.
ربما يكمن الجواب في ذلك الأحساس المتبادل بالظلم بين أبنائها وفي تراكم الجهل وفي التفكير السلبي الذي ترسخ حتى أصبح عائقا أمام أي محاولة للنهوض لقد أصبحنا في كثير من الأحيان نتفاخر بالأنساب أكثر مما نتفاخر بالإنجاز ونقيس قيمة الإنسان بأصله لا بعطائه حتى بتنا نسحق الضعيف بدل أن نرفعه ونساوي بين المثقف والجاهل في مستوى التأثير.
وإذا كانت المحافظة على التراث أمرا محمودا فإن حصر الاحتفاء فيه فقط هو نوع من الجمود لأن الأمم لا تبنى بالذاكرة وحدها بل بالعلم والعمل فكما نحيي ماضينا علينا أن نصنع مستقبلنا وان نحتفي بالمعرفة كما نحتفي بالموروث.
إن بناء فزان يبدأ من فكرة بسيطة لكنها حاسمة أن نغادر مربع التعصب إلى فضاء المواطنة وأن نستبدل منطق المحاصصة بمنطق الإصلاح وأن نلتف حول راية دولة واحدة لا رايات متفرقة.
فزان لا ينقصها الرجال ولا الموارد بل ينقصها الاتفاق على فكرة جامعة فكرة تجعل من الاختلاف قوة ومن الانتماء للوطن قيمة تعلو فوق كل انتماء
فليبيا بها مواطنون أصولهم كريت وألبان وإسبان وأمازيغ وبرنو وهوسا وغيرهم كثر وقبائل متعددة ومع ذلك لم نشهد يوما هذا القدر من التنازع على أساس الأقليات كما يحدث في فزان وهو ما يستوجب الانتباه لما يحاك في الخفاء فليس كل خلاف بريئا ولا كل طرح عفويا وما كان يخطط له بالأمس نراه اليوم واقعا وما يخطط له اليوم قد يصبح غدا حقيقة أن لم يتم تداركه بعقلانية ووحدة صف.. حفظ ليبيا من الانقسام والصراعات.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





