تتواصل المواجهات العسكرية والتجاذبات السياسية بين لبنان وإسرائيل وسط تصعيدٍ ميدانيٍ واسعٍ شهدته مناطق جنوب وشرق لبنان، بالتزامن مع استمرار المسار التفاوضي بين الجانبين برعايةٍ أمريكيةٍ وتصاعد التصريحات السياسية بشأن مستقبل الحدود والأوضاع الأمنية.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أن المجموعة القتالية التابعة للواء السابع ووحدة إيغوز نفذت عملية عسكرية تهدف إلى ما وصفه بـ”السيطرة العملياتية” على منطقة شمال وادي السلوقي في جنوب لبنان، بالقرب من خط الدفاع الأمامي، مع الإشارة إلى تنفيذ عمليات تمشيط وتطهير في المنطقة.
وأوضح الجيش الإسرائيلي أن هذه العملية تأتي ضمن جهود أوسع تهدف إلى ترسيخ السيطرة العملياتية في جنوب لبنان، وإزالة ما اعتبره تهديدا مباشرا لبلدات إصبع الجليل والمطلة في شمال إسرائيل.
وذكر البيان أن منطقة وادي السلوقي تُستخدم، بحسب الجيش الإسرائيلي، من قبل حزب الله لإطلاق الطائرات المسيرة المتفجرة والقذائف باتجاه القوات الإسرائيلية المنتشرة في المنطقة.
وأضاف أن القوات الإسرائيلية، وبالتعاون مع سلاح الجو، قامت بتدمير مئات البنى التحتية، كما تمكنت من القضاء على أكثر من 50 عنصرا من حزب الله خلال العمليات الميدانية.
وأشار البيان إلى أن القوات عثرت خلال العملية على وسائل قتالية مختلفة، من بينها عبوات ناسفة وصواريخ مضادة للدروع وقذائف صاروخية مضادة للدروع.
وأكد الجيش الإسرائيلي في ختام بيانه أنه سيواصل عملياته العسكرية بهدف إزالة أي تهديدات تستهدف أمن إسرائيل في الجبهة الشمالية.
إلى ذلك، أسفرت الغارات الجوية والقصف المدفعي الإسرائيلي على مناطق متفرقةٍ من جنوب وشرق لبنان منذ ساعات الصباح عن مقتل 7 أشخاص على الأقل وإصابة عشرات آخرين، وفق المعطيات الأولية المتوافرة، في وقتٍ لم تصدر فيه حصيلةٌ نهائيةٌ رسميةٌ للخسائر البشرية أو الأضرار المادية.
وشهدت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان مقتل شخصين جراء غارةٍ إسرائيليةٍ، بينما أدت غارةٌ أخرى على بلدة العباسية إلى مقتل شخصٍ وإصابة 7 آخرين. وفي البقاع الغربي شرق البلاد، قُتل شخصان وأُصيب آخر إثر غاراتٍ استهدفت بلدتي سحمر ومشغرة.
وامتد القصف إلى قضاء النبطية، حيث استهدفت طائرةٌ مسيّرةٌ إسرائيليةٌ دراجةً ناريةً على طريق بلدة حبوش، بينما تعرضت بلدتا كفرجوز وشوكين لغاراتٍ جويةٍ متفرقةٍ. كما طال القصف المدفعي خلال ساعات الليل محيط المستشفى الحكومي في مدينة النبطية.
وشملت الغارات الإسرائيلية بلدات المنصوري وكفرتبنيت والعباسية وطورا ودير كيفا في قضاء صور، إضافةً إلى صريفا وبرج قلاويه وتولين والصوانة ومجدل سلم والقطراني والشهابية في مناطق متفرقةٍ من الجنوب.
كما استهدف القصف المدفعي بلدات مجدل زون والحنية والغندورية وصريفا وأطراف تولين وبرج قلاويه والقطراني، إضافةً إلى أطراف بلدة كفرشوبا في قضاء حاصبيا.
وفي شرق لبنان، استهدفت مسيّرةٌ إسرائيليةٌ بلدة مشغرة للمرة الثانية، بينما طالت غارةٌ منزلاً في سهل بلدة طاريا، وأخرى أطراف بلدة حزين غرب مدينة بعلبك. كذلك نفذت المقاتلات الإسرائيلية غاراتٍ على منطقة وادي برغز وأطراف بلدة القطراني بعد استهداف بلدات بنعفول وكفرا وبرعشيت في وقتٍ سابقٍ.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة عملياتٍ ضد القوات الإسرائيلية على طول الجبهة الحدودية. وأوضح الحزب أنه استهدف آلية “هامر” ودبابة “ميركافا” في منطقة “خلة الراج” ببلدة دير سريان باستخدام مسيّرتين انقضاضيتين من طراز “أبابيل”، كما أعلن استهداف دبابة “ميركافا” أخرى على طريق “صف الهوا” في مدينة بنت جبيل.
وأشار الحزب إلى تنفيذ هجومين بصلياتٍ صاروخيةٍ على تجمعاتٍ للجيش الإسرائيلي في منطقة “الرجمان” بمحيط بلدة طيرحرفا، كما أعلن استهداف “موقع نمر الجمل” المستحدث بسربٍ من المسيّرات الانقضاضية.
وأضاف الحزب أنه تصدى لمسيّرةٍ إسرائيليةٍ من طراز “هرمز 450 – زيك” في أجواء إقليم التفاح بصاروخ أرض – جو، ما دفعها إلى التراجع والانسحاب، بحسب بيانه.
سياسياً، دعا الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى إنهاء حالة العداء مع إسرائيل وفق مجموعةٍ من الشروط، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وانتشار الجيش اللبناني وعودة النازحين والإفراج عن الأسرى.
وجاءت تصريحات عون خلال استقباله وفداً من مؤسسة “ثقافة وحرية” في قصر بعبدا، حيث شدد على أن خيار الدولة يبقى الأساس في حماية اللبنانيين وصون السيادة الوطنية، مؤكداً استمرار لبنان في المفاوضات رغم الضغوط وعدم التراجع عنها.
وتأتي هذه المواقف في ظل مفاوضاتٍ مباشرةٍ بين لبنان وإسرائيل انطلقت أولى جولاتها في واشنطن خلال أبريل برعايةٍ أمريكيةٍ. ومثّل لبنان في هذه المحادثات وفدٌ برئاسة السفير سيمون كرم.
وأسفرت الجولة الأولى عن تهدئةٍ مؤقتةٍ استمرت عشرة أيام، بينما أعقبتها جولةٌ ثانيةٌ في 23 أبريل وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها “مثمرة”، أعقبها تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع إضافية.
ويتمسك لبنان خلال المفاوضات بوقفٍ شاملٍ ودائمٍ لإطلاق النار، وانسحابٍ إسرائيليٍ كاملٍ من البلدات والقرى الجنوبية، ووقف الانتهاكات البرية والبحرية والجوية، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.
كما يطالب الجانب اللبناني بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 بكامل بنوده، بينما تركز إسرائيل على إبعاد حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، وضمان عودة سكان شمال إسرائيل إلى منازلهم، وإيجاد آلياتٍ رقابيةٍ تحول دون إعادة تسليح الحزب.
وفي سياقٍ متصلٍ، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حكومته ستعيد الأمن إلى شمال إسرائيل كما فعلت في الجنوب، مؤكداً أن الأمن يشكل الأولوية القصوى للحكومة الإسرائيلية.
وخلال جلسةٍ حكوميةٍ في مدينة نوف هجليل، قال نتنياهو إن القوات الإسرائيلية تواصل توجيه ضرباتٍ قويةٍ إلى حزب الله، مشيراً إلى أن حكومته خصصت نحو 20 مليار شيكل للمناطق الحدودية الشمالية، إضافةً إلى مليار شيكل لمنطقة الجولان.
كما كشف عن خطة دعمٍ واسعةٍ تشمل مدن نوف هجليل وعكا وكرميئيل وصفد والعفولة والناصرة وطبريا، بهدف تعزيز البنية التحتية والنقل والصحة والتعليم ودعم النمو الاقتصادي.
وفي رسالةٍ مصورةٍ موجهةٍ إلى اللبنانيين باللغة العربية، قال نتنياهو إن إسرائيل ليست في حالة حربٍ مع الشعب اللبناني بل مع حزب الله، داعياً اللبنانيين إلى ما وصفه بمستقبلٍ قائمٍ على الأمن والسلام والازدهار، ومكرراً اتهام الحزب بتنفيذ أجندةٍ إيرانيةٍ داخل لبنان.
وكان أعلن الجيش الإسرائيلي أن حصيلة قتلاه منذ تجدد المواجهات على الجبهة اللبنانية في بداية مارس ارتفعت إلى 30 ضابطا وجنديا، فيما بلغ عدد المصابين 1302 عسكريا، في ظل استمرار العمليات العسكرية جنوب لبنان.
وأوضح الجيش الإسرائيلي أن العمليات البرية الجارية في جنوب لبنان تهدف، بحسب روايته، إلى إبعاد حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، وإنشاء ما وصفه بـ”منطقة أمنية” تهدف إلى حماية مستوطنات شمال إسرائيل.
وفي المقابل، كانت وزارة الصحة اللبنانية قد أعلنت في وقت سابق أن حصيلة الضحايا في لبنان منذ بداية التصعيد في 2 مارس تجاوزت 3185 قتيلا و9633 جريحا، بينهم عدد كبير من المدنيين والمسعفين.
ويأتي ذلك في ظل استمرار حالة التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية وبدأ سريانه في 17 أبريل، حيث يشهد الاتفاق خروقات متكررة يتبادل فيها الطرفان الاتهامات.





