تواصل قضية الطائرة التي كانت تقلّ رئيس الأركان الليبي الراحل الفريق أول محمد الحداد وعددًا من المرافقين العسكريين إثارة جدل واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية في تركيا، في ظل تضارب واضح بين الرواية الرسمية والتفسيرات السياسية والأمنية المتداولة.
وتعود تفاصيل الحادثة إلى 24 ديسمبر الماضي، عقب إقلاع الطائرة من مطار أنقرة، حيث أعلنت السلطات التركية في حينه أن السبب يعود إلى عطل كهربائي مفاجئ، بينما لا يزال الملف مفتوحًا دون إعلان نتائج نهائية حتى الآن، مع استمرار طرح تساؤلات حول ملابسات الواقعة.
وفي سياق متصل، عبّر نائب المدير العام السابق للطيران المدني التركي أوكتاي إرداغي عن استغرابه من ترك الطائرة دون مراقبة كافية، مؤكدًا أن طبيعة الرحلة والشخصيات العسكرية على متنها كانت تستدعي إجراءات تأمين مشددة داخل المطار قبل الإقلاع.
سياسيًا، وصف رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي الحادثة بأنها مؤلمة ومثيرة للتفكير، مشيرًا إلى تزامنها مع قرار البرلمان التركي تمديد مهام القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين، وهو ما أضفى بعدًا سياسيًا على النقاش الدائر حول الواقعة.
ومع اتساع الجدل، دخل الملف دائرة النقاش الحزبي داخل تركيا، حيث لمح نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري دنيز يافوزيلماز إلى احتمال وجود عمل تخريبي على متن الطائرة دون تقديم أدلة مباشرة، ما زاد من حالة الغموض المحيطة بالحادثة.
في المقابل، ذهب زعيم حزب الوطن دوغو بيرينتشيك إلى طرح أكثر حدة، متهمًا الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء إسقاط الطائرة، في موقف يعكس حجم الانقسام السياسي داخل المشهد التركي بشأن تفسير الحادثة.
وبين هذه الروايات المتباينة، تظل الرواية الرسمية التركية متمسكة بتفسير العطل الكهربائي المفاجئ، في وقت تتواصل فيه الأسئلة داخل الأوساط الإعلامية والسياسية حول ما إذا كانت الحادثة خللًا تقنيًا أم تحمل أبعادًا أمنية أو سياسية أوسع.
وفي تقرير صحفي منفصل، أعادت صحيفة جازيت بينسير التركية فتح الملف، مشيرة إلى تساؤلات حول معايير التأمين في المطارات التركية، ونقلت عن أوكتاي إرداغي تأكيده أن الطائرات التي تقل شخصيات عسكرية رفيعة كان يفترض أن تخضع لمستويات حماية استثنائية.
وأوضح إرداغي أن التعامل مع الطائرة كرحلة عادية دون حماية مباشرة يمثل، وفق وصفه، ثغرة أمنية غير مبررة، مرجحًا احتمال وجود خلل تنظيمي أو إهمال في إجراءات تأمين المهبط.
كما لم يستبعد الخبير التركي فرضيات تتعلق بالتدخل الخارجي، سواء عبر العبث بالمعدات الحيوية أو عبر هجمات سيبرانية قد تؤثر على أنظمة الطيران، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد على ملف لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات.
وفي موازاة ذلك، بدأت السلطات التركية تحقيقات قضائية مع الصحفي الاستقصائي تولغا شاردان، على خلفية نشره تفاصيل عن الحادثة، ما أعاد فتح النقاش حول حدود حرية الصحافة وسرية التحقيقات الأمنية.
ومثل الصحفي تولغا شاردان، الكاتب في موقع T24 الإخباري، أمام النيابة العامة في أنقرة، حيث يواجه اتهامات بانتهاك السرية عبر نشر معلومات من تحقيقات جارية لم تُعلن نتائجها الرسمية بعد، إلى جانب رفضه كشف مصادره الصحفية.
وتستند القضية إلى تقرير صحفي تضمن معلومات حساسة، من بينها الإشارة إلى وجود خيوط تربط جهاز الاستخبارات التركي (MİT) بمسار التحقيقات، إضافة إلى حديث عن استجواب إحدى مضيفات الطائرة بشأن علاقات مشبوهة لا تزال قيد الفحص.
وتعود الحادثة إلى ديسمبر 2025، حين سقطت طائرة من طراز “فالكون 50” بعد إقلاعها من مطار أسنبوغا، ما أسفر عن مقتل الفريق أول محمد الحداد ومرافقيه.
وأشارت تقارير أولية إلى أن الحادث نجم عن عطل كهربائي تبعه طلب هبوط اضطراري، بينما أعادت التسريبات الصحفية فتح فرضيات أمنية أكثر تعقيدًا دفعت النيابة التركية إلى فتح تحقيق في ما تصفه بـ“تسريبات غير مصرح بها”.
وفي السياق الحقوقي، أعربت منظمات معنية بحرية الإعلام في تركيا عن قلقها من ملاحقة الصحفي، معتبرة أن القضية قد تهدف إلى تقييد الصحافة الاستقصائية ومنعها من تناول الملفات الحساسة والسيادية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع ترقب في الأوساط الليبية لنتائج اللجنة المشتركة الليبية التركية المكلفة بالتحقيق في الحادثة، إضافة إلى انتظار الكشف عن الصندوق الأسود وتحديد الأسباب النهائية للكارثة الجوية.





