قبل فوات الأوان

بقلم:

هنالك حاجة هائلة لانفجار الخرافات والعيش خلف الأقنعة خوفاً من الحقيقة..!.

قبل فوات الأوان وقبل أن تنتقل الأحداث إلى مستوى آخر، وتتسرب السلطة إلى القبائل ويصبح وجود دولة مجرد هراء، وتكون عودة الأموات إلي الحياة مطلباً أساسياً..!

قبل هذا الفوات..  ينبغي أن يعي الليبيون أنهم سيعانون أضعافاً مضاعفة، بسبب مناكفاتهم الساذجة ومراهقاتهم السياسية الصبيانية المخزية، وممانعتهم الظاهرية للتغيير الممنهج وانجرافهم في تغييرات تخدم أهواءهم الفئوية، وأن يعي الأوروبيون أن انتظارهم للضوء الأمريكي الأخضر مضيعة للوقت، فنصف حل الأزمة الليبية بيد إيطاليا وحدها، والنصف الآخر بيد إنكلترا، والباقي مجرد فـتات ومحسنات، فتوحيد الجهود الإيطالية الإنكليزية ضرورة لا مجال لإغفالها ولا وقت لتأجيلها..!

يعلم الساسة الليبيون – السابقون واللاحقون- جيداً، أن مصير ليبيا ليس مرهوناً بإرادة شعبها فقط، بل مرهوناً بإرادة أوروبا وخياراتها وجهودها، فليست ليبيا مستقلة عن أوروبا، ولا يمكنها أن تكون كذلك أبداً، ولم تكن يوماً كذلك..!

فالأموال والغنى الموهوم الذي يعيشه الليبيون، لا يتحقق – بالأمس واليوم- إلا بعرق الفرنسيين والأمريكيين والإيطاليين، فالنفط والغاز ليسا كمأة ” ترفاس” في الحمادة الحمراء، يلتقطه الليبيون وهم يرتدون ثياباً بيضاء ويلوكون العلكة، بل هما كنز دفين تحت سابع أرض، تحترق رؤوس الألماس وأعصاب العلماء وبشرة المهندسين من إيطاليا وفرنسا وأمريكا، قبل أن يخرج ويعبر إلى أوروبا زيتاً أسودً، ويباع بأسواقها ليعود من وراء البحر، منتجات نفطية جاهزة للاستهلاك وأوراقاً تزينها صورة جورج واشنطن، الأمريكي الذي نفتخر بكره وطنه ونشتهي خزن صوره – الدولارات-  في وسائدنا..!

لنسمي الأشياء بأسمائها، ونتحرر من المؤامرة المشينة والأكاذيب الغبية، التي يتاجر بها زعماؤنا الشعبويون وساستنا ليضمنوا انغلاقنا وتخلفنا، فالغباء ميزتنا الثمينة التي تجعل زعماؤنا يحكموننا لعشرات السنين دون جهد، سوى لوك خطابات عتيقة مبتدأها دبلجة لمبادئ الثورة الفرنسية، وآخرها مقتطفات من هذيان موسليني و كوبليهات من كراهية هتلر وجنونه..!

لنطرد خيول ثغلب وبكر من رؤوسنا، أو على الأقل نوقف صهيلها المخزي، وننظر بعين المودة إلى تلك الأوطان التي حملنا مبدعيها من الخيام إلى الشقق المكيفة، ومن ظهور الإبل والحمير إلى لامبورغيني والمرسيدس والفانتوم والفولفو، ومن زمن الموت بالحصبة والإسهال والجذري والصفير إلى زمن قهر السرطان والصمم وزراعة القلب والحقن المجهري والليزك..!

لن أقول للجميع أنظروا إلى أوروبا في مئتي لغة تنشر المعرفة والعلم وروائع الأدب، أو في الأحرف الستة والعشرين الإنكليزية، التي اقتحمتنا رغم تعنتنا وازدراءنا، لها بوصفها لغة استعمار، والتي جمع بها نخبتنا ما ترفعوا به علينا، أو أنظروا إلى أوروبا في جامعات السوربون وكامبريدج و أوربينو وأكسفورد وأدنبرة وهايدلبرغ وهومبولت وأوتريخت ، أوفي إبداعات ميلان كونديرا ومارتن فالزر وهيرتا موللر وكريستا فولف وريكاردا يونجه، أو أذكروا أوروبا في وليم شكسبير وروسو ونيتشه وبتهوفن وبرخت وغرامشي وفكتور هوجو..!

بل أنظروا إلى ما تعرفون وتعشقون، إلى أندية روما ولاتسيو وريال مدريد ومانشستر يونايتد وبرشلونة واليوفنتوس والميلان وباليرمو، التي ترتدون غلالاتها وتحملون أعلامها وتجوبون الشوارع صراخاً لفوزها، أنظروا للأوربيين في فرانشسكو توتى وفلورنزي وسيموني إنزاجي وزلاتان إبراهيموفيتش ودينو زوف، واسمعوا أصواتها في غناء ندى مالانيما وكارلا بروني وإيروس رامازوتي ولارا فابيان وأندريا بوتشيلـّي و جيانا نانيني  وأجينيس دين و كيمبرلي وولش ولوتشيانو بافاروتي وسارة برايتمان وماري لويد وخوسيه كاريراس وإيلين سيغارا…!

ثقوا أن ممارستنا الفظيعة للشيزوفرانيا لا تجدي في زمن تتسابق فيه الأنفاس مع الوقت، وتتغير فيه الحياة وإمكاناتها كل صباح، ونمضي فيه أغلب أوقاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، ونتعلم فيه ونتاجر ونقتني الكتب من شبكة المعلومات الدولية، ونطيق فيه هجر آبائنا، ولا نطيق هجر اللاب توب والموبايل، ونعلم فيه أخبار أصدقائنا وزملائنا في ألمانيا وصربيا وبريطانيا وأسكتلندا، أكثر مما نعلم عن أخبار أبنائنا وأخوتنا في المنزل المجاور..!

ثقوا أننا على خطأ .. ونفاقنا لأنفسنا، وتعشقنا المرضي لتقليديات الأمس، وافتخارنا بالإبل والخيل والخيام، رغم عيشنا على الفيس بوك والتويتر والفايبر والواتس، لا يمكن أن يكون إلا فصاماً، وحالة من اللاوعي لا مبرر لها..!

قد بات علينا أن نختار لنرتاح في جلودنا ونحيا بصدق مع ذواتنا.. أما هجر أوروبا – بالكامل- أو وصالها والتواصل معها.. وأنصحكم بالهجر أن استطعتم..!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه
عبدالواحد حركات

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 12.