عودة أهالي العوينية تعيد الوفاق بين المشاشية والزنتان، والقادم أفضل

بقلم:

بعد مضي اكثر من 6 سنوات خارج مناطقهم التي ابعدوا عنها قسرا، يعود هذه الأيام أهالي المشاشية من مناطق العوينية وعومر وزاوية الباقول الى ديارهم، في عودة سلمية توافقية تشكل خطوة أساسية على طريق عودة جميع المهجرين الليبيين داخل ليبيا وخارجها، وهكذا بعد رحلة معاناة قاسية من التهجير والغربة داخل الوطن وخارجه يلتئم شمل الاسر والعائلات من جديد في مشهد تاريخي يجسد مدى ارتباطهم بمناطقهم التي الفوها وترعرعوا فيها، انها خطوة جريئة اتخذها أهالي المشاشية بالتوافق مع مكونات الجبل الغربي، لتكون بحق لبنة من لبنات إعادة البناء ورتق النسيج الوطني الذي كاد ان يتمزق ويهترئ.

ان كانت “العوينية” بفعل الاحداث التي في عام 2011 قد أرادها البعض، المحكوم بأجندات الحكم والسياسة نقطة اختلاف، بين مؤيدين لفبراير والمؤيدين لسبتمبر، فها هي اليوم يجعلها أهلها البسطاء، الذين لا يتعاطون السياسة نقطة اتفاق بين الطرفين، ويضعون  بذلك الأمور في نصابها الحقيقي، لتعود بذلك وحدة وتماسك مكونات الجبل الغربي الاجتماعية الى طبيعتها، التي طالما لعب على تمزيقها  دعاة الفتنة والفوضى، من أصحاب الاجندات الخبيثة الذين يعملون على تفكيك اللحمة الوطنية واضعافها، تيسيرا لتمرير مخططات رهيبة، في ظل الانفلات الأمني والفراغ السياسي الذي اقحمت فيه ليبيا بعد الإطاحة بالنظام السابق.

العودة الى العوينية اليوم تنهي سنينا من الاحتقان والتباغض بين المشاشية والزنتان، القبيلتين الجارتين، وتؤسس لتقارب وتوافق اجتماعي بينهما، هما في مسيس الحاجة اليه اليوم قبل الغد، ان الجغرافيا والعادات التي تجمع القبيلتين إضافة  الى وحدة الانتماء الديني والقومي، تغلبّت في النهاية على محاولات التمزيق المصطنعة، التي وصلت حدا نتج عنه عديد الصراعات المسلحة بينهما، والتي كلفت وبكل اسف الطرفين الكثير من الضحايا، وخلفت دمارا وخرابا كبيرا طال المناطق المهجّرة، غير ان ذلك كله، لم يحل دون المبادرات الخيّرة التي تدعو دائما الى تحكيم لغة العقل، ونبذ العصبية تجنبا لمزيد الاقتتال، ما ساهم في تبني مبدأ التوافق المبني على الاحترام المتبادل وحفظ الحقوق وجبر الاضرار.

الدرس المستفاد الذي ينبغي على المشاشية والزنتان ادراكه والاهتمام به منعا لتكرار ما حدث مستقبلا : هو الإسراع في وضع الحلول المناسبة لكل المشاكل القديمة والحديثة العالقة بينهما، وتضمين ذلك في ميثاق شرف اجتماعي يلزمهما بالتمسك به واعتباره مرجعية أخلاقية وعرفية ملزمة امام كل الليبيين، فيقطعون الطريق نهائيا على حدوث اية مشاكل مستقبلا، ويؤسسون لمبدأ تعايش سلمي دائم وراسخ، يضمن حقوق الأجيال القادمة من الأولاد والاحفاد فينتهي الى غير رجعة شبح الخصومة بينهما، ويعيش الجميع في سلام وأمان اخوة متحابين متعاونين، فالمشاشية والزنتان اخوة وجيران.

الدرس المستفاد أيضا، ان يقتدي بهذه العودة السلمية في كل المناطق المهجرة، ونتخذها مبادرة وطنية لينطلق الجميع مساندا ودافعا لكل المهجّرين الذين لايزالون يعانون ويلات التهجير ومشاركتهم في رحلة العودة السلمية الى مناطقهم، لنداوي جراح التمزيق التي لحقت بالجسد الليبي خلال هذه السنوات السبع.

الدرس المستفاد أيضا، ان تلتفت الجهات الرسمية والحكومات الى معاناة المهجّرين، وتسارع الى التخفيف من معاناتهم بتوفير الحاجيات الضرورية للحياة في هذه المناطق المنكوبة، وخاصة فيما يتعلق بتوفير المياه والكهرباء والخدمات الضرورية من صحة وتعليم وغيرها.

الدرس المستفاد أيضا، ان يدرك الجميع انه لا امكانية لإعادة اعمار وقيام الدولة الليبية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بدون مصالحة وطنية شاملة بين كل أطياف الشعب الليبي، إذا فلتكن هذه الخطوة الأولى التي ننطلق من خلالها للشروع الفعلي في تأسيس الدولة الليبية المنشودة والتي تأخرت كثيرا، كفى تضييع للوقت.. كفى هدرا للإمكانيات.. كفى سلبية وخنوع لواقع مزري لا يغني ولا يسمن من جوع!

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 177.