اقتدوا بالمشاشية والزنتان وتصالحوا يا ليبيين

بقلم:

لا أحد ينكر حجم الشرخ  الذي أصاب النسيج الاجتماعي الليبي بعد انتفاضة فبراير، ولا احد ينكر ما خلفه ذلك الشرخ من جروح دامية لايزال بعضها ينزف حتى الآن، فالمتتبع للشأن الليبي عن قرب لابد ان يدرك ان الأصل في ازمة ليبيا ما بعد الانتفاضة، ليس الخلاف السياسي او الأيديولوجي على مستوى النخب، بل هو الانشقاق والاختلاف السياسي على مستوى عامة الشعب ، الذي انقسم على نفسه خلال احداث الانتفاضة الى قسمين، قسم يؤيدها وقسم يرفضها ويؤيد النظام السابق، ولقد زاد هذا الانقسام رسوخا وتأكدا على المستوى الشعبي بعد تدخل الناتو في الشأن الليبي، ومن هنا انتقلت الانتفاضة من حالة المطالبة بالتغيير للأفضل، تحت تأثير عفوي شعبي شرعي، الى حالة خلاف وانقسام جوهري، لجأ فيه الطرفان الى استخدام القوة المسلحة التي الغت بالتالي مفهوم الثورة السلمية واسقطته نهائيا.

وفي مثل هذه الأحوال يكون الأساس لحل الازمة الليبية، هو انهاء هذا الانقسام ووقف تمدده، ولقد توقعنا انه بمجرد سقوط نظام القذافي، سيلتفت الساسة الى هذا الشأن ويسارعون الى لملمة الوضع وتبني سياسة المصالحة الوطنية، التي هي ضرورية وجوهرية، لكن وبكل اسف لم يكن ساسة تلك المرحلة في المستوى المطلوب والنضج المناسب، الذي يجعلهم يدركون حقيقة الازمة الليبية، وبدلا من استثمار حالة المغالبة التي فرضها تدخل الناتو، لرأب الصدع ورتق النسيج الاجتماعي الممزق، اتبعوا سياسة غريبة اعتمدت على تأجيج الخلاف والانقسام مما زاد من وتيرة تمزيق الوطن والشعب، حين اعتمدوا أسلوب المدن المنتصرة والمدن المهزومة! والذي ساهم بوضوح في انهيار مؤسسات الدولة وضياع أمنها واستقرارها.

ولقد نبهت كما العديد من المخلصين، منذ الأسابيع الأولى للانتفاضة عندما ثبت لنا حجم الانشقاق والانقسام المجتمعي الليبي، الى السعي لمصالحة وطنية شاملة عبر حوار مجتمعي لا يقصي أحدا، انطلاقا من رؤيتنا المستقبلية لما يمكن ان تؤول إليه البلد مستقبلا من فوضى وتفكك، كنتيجة حتمية لما يجرى من عبث وهو ما تحقق فعلا، وهنا كان حتميا السعي والدعوة الملحة والسريعة لحوار شامل، يستهدف مصالحة وطنية حقيقية بين الليبيين، مباشرة بعيد سقوط نظام القذافي، وقد كانت هناك مبادرة خيّرة عقدت في شهر نوفمبر2011 بمدينة الزاوية، حيث عقد اول مؤتمر يدعو للمصالحة الوطنية، الذي تشرفت بتقديم ورقة حول آليات المصالحة وضرورتها فيه بالخصوص،  لكن دعاة الشر والفتنة وقفوا دون تحقيق المصالحة الوطنية بالمرصاد، واستمروا في اجهاض كل محاولة فيما بعد الى ان اوصلونا الى حالة من الاقتتال الأهلي الدامي زادت من تعقيد الموقف برغم تغير الأهداف.

شاهد القول ليس هناك في نظري من مخرج لازمة ليبيا الحالية، الا بمصالحة وطنية شاملة بين أطياف الليبيين جميعهم، من خلال حوار وطني صادق تكون ثوابته وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، وضمان ممارسة ديمقراطية للسلطة تنبع من أسس الدستور الليبي الجديد، الذي ينبغي الانتهاء منه عاجلا وبدون ابطاء، أن ما يدفعني الى ذلك تلك الخطوة الجريئة التي جسّدها التوافق الذي حدث أخيرا بين المشاشية والزنتان، والذي من نتائجه الحسنة عودة المهجرين لمناطقهم في العوينية سلميا، وأن بداية التعايش السلمي الحقيقي بينهم في المنطقة لدليل واضح على احقية وجدوى ما ندعو اليه من مصالحة وطنية.

هذه دعوة صادقة الى كل الليبيين للاقتداء بإخوتهم الزنتان والمشاشية، فيما توصلوا اليه وجسّدوه واقعا حيا على الأرض حين تناسوا احقادهم، ورموا خلفهم ركام ست سنوات كاملة من القطيعة والتقاتل والحقد والضغائن وروح الانتقام، انه درس من دروس التاريخ الليبي المشرق في زمن يخيم عليه غبار ودخان بارود المدافع والبنادق، حيث يكون للتسامح والتسامي على الجراح لأجل الوطن والسلم صدر المكان، فهل يتنازل بعض ساسة المرحلة من الليبيين عن شواخصهم ويكبرون مصلحة ليبيا؟! وهل يبادرون الى توافق جمعي عاجل ينهي سنين الفرقة والانقسام والتقاتل الغير مبرر؟! هل ينتبه الساسة الى ان استمرارهم في عنادهم مغامرة خاسرة للجميع!؟

انه بقدر ما نتمنى ان يكون ساسة المرحلة في مستوى المسئولية وحجم الازمة، نحث الشعب الليبي بكل اطيافه ان يهب للضغط على هؤلاء الساسة في هذا الاتجاه، وان يدفعهم اجبارا الى الرضوخ لمطالبه العادلة في التوافق العام ونهاية عهد الفوضى، من خلال مظاهرات شعبية عارمة تشمل كل الوطن مطالبة بالوفاق والمصالحة الوطنية، وعودة كل المهجرين الى ديارهم في الداخل والخارج دون قيد او شرط،  داعمة لتشكيل حكومة واحدة ذات مؤسسات موحدة، حكومة بجيش واحد تحت قيادة موحدة،  ان ذلك هو المخرج الوحيد لليبيا من ازمتها المتفاقمة، فهل يدرك الليبيون ذلك ويقتدون بالمشاشية والزنتان لتعود ليبيا ويعود الاستقرار والأمان؟!

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 177.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: رمزي حليم مفراكس 2017/05/24

    الدكتور الفاضل عبيد الرقيق
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كل عام وانتم بخير بحلول شهر رمضان المبارك
    لا احد ينكر أن النسيج الليبي أصابه ما أصابه من شرخ في كيانه الاجتماعي بعد أحداث فبراير خصوصا بعد سقوط نظام القذافي الذي تكرك لنا فجوه كبيرة في التعامل مع بعضنا البعض على مستوى شعبي ليبي وليس على مستوى النخب السياسية الليبية التي خلقة لنا الأزمات المتلاحقة سياسية واقتصادية واجتماعية… وكما أشرت حضرتك في مقالتك أن الانقصام أصبح اليوم على نطاق شرائح المجتمع الليبي أكثر ما هو خلاف سياسي إيديولوجي على مستوى النخب ولكن لا نسى ان لنخب السياسية الليبية لهم الدور الفعال في حقن الدماء الليبية والرجوع إلى مائدة المفوضات في عملية سياسية تعمل على المصالحة الوطنية الكبرى التي تشمل الجميع من أبناء امة الوطن الليبي …. شكرا على مقالاتك الجيدة والرائعة وأنا شخصيا من متابعين أفكارك التي ترشك إلى الخير العام ومصلحة ليبيا بالدرجة الأولى . أخوك رمزي حليم مفراكس

تعليق واحد