لماذا قرر إخوان ليبيا في أبريل الماضي حل جماعتهم؟ ولماذا تأخر الإعلان؟

بقلم:

منذ سنوات وجماعة الإخوان المسلمين بليبيا تشهد حراكا فكريا، وحوارا داخليا، عميقا يطرح أسئلة تتعلق بمصير الجماعة، وإعادة تعريفها لنفسها، وأهدافها، ووسائل عملها. وهو نقاش لم يبدأ بفعل الضغط الخارجي فحسب، كما قد يتصور البعض، وإنما هو استمرار لنهج الجماعة في التفكير في مستقبلها، واستيعاب التغيرات التي تطرأ على المجتمع الليبي، ومحيطه الإقليمي والدولي.

ضغوط أم مراجعات

ولا يمكن نفي أن الضغوط التي تعيشها الجماعة منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، سواء كانت ناتجة عن محاولة الاستجابة للتحديات الداخلية المتعلقة بمواكبة التطورات المتلاحقة في المجتمع الليبي بعد الثورة، مثل بناء الدولة، وأسئلة الحرية والديمقراطية والتعددية، أو متعلقة بالهجمة الخارجية على التيار الذي تنتمي إليه الجماعة، والتي وجدت من يركب موجتها في الداخل الليبي.

وقد أدت هذه الحوارات إلى قرار في إبريل الماضي يشبه أن يكون قرارا بحل الجماعة، أو هو في حقيقته تخلٍّ عن فكرة الجماعة الشمولية التي تأسست على فكرة أقرب لأن تكون بديلا عن الخلافة، التي آلم كل مسلمي العالم زوالها، وكانت أبرز ردات الفعل تلك التي قام بها الإمام الشهيد حسن البنا؛ بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي تأسست على نمطها جماعات في كل بقاع العالم الإسلامي.

إن هذا القرار ينبع من حاجة ملحة تطرح نفسها على الجماعات الإسلامية بهدف مراجعة عميقة للأهداف والوسائل، وطرح إجابات واقعية مرتبطة بالسياق المحلي، على المستوى القانوني، والمجتمعي والميداني.

رفض الجماعات الشمولية

إن النظم المعاصر في الدولة الحديثة لم تعد قابلة للتعايش مع فكرة الجماعة الشمولية التي تعمل في الحقل الدعوي والسياسي، والاجتماعي، وتتداخل أطروحاتها في هذه المجالات المختلفة، حتى لتكاد تكون منافسا فعليا للدولة، ولم يبق أمامها إلا إصدار الأوراق المدنية، وتأسيس جيش وشرطة.

لقد أنتجت فكرة الجماعة الشاملة المتعالية على المرجعية القانونية للدولة، صداما دائما مع الدولة، وأجهزتها، وتسببت في أزمات سياسية وأمنية في مختلف الدول العربية، وربما أسهمت بطريق غير مباشر في انفتاح الأنظمة على أنماط من الحكم أقل تسلطية ودكتاتورية.

آلة قمع الحريات والحقوق

لا يمكن تبرئة ساحة الدولة القمعية التي أسسها مجاميع الضباط في الوطن العربي، والتي استخدمت القمع وسيلة وحيدة للتعامل مع المتطلعين من كل أبناء الشعب للحرية والديمقراطية والتنمية، ولم يقتصر تنكيلها على الإسلاميين وحدهم، فهذه الدولة هي التي كانت تملك أدوات القوة وهي التي كان يمكنها أن تبادر إلى مصالحات اجتماعية، وإلى انفتاح يسحب البساط من تحت أقدام أي مجموعة، أو جماعة مهما كانت قوتها، وحيويتها.

لقد كانت الأنظمة القمعية توفر مبررا فكريا، وموضوعيا لقيام حركات شمولية تنافس هذه الأنظمة، وتقدم بديلا عنها قابلا للحياة في مجتمعات لم تتعود على الممارسة السياسية، ويختزن تراثها الكثير من نماذج العمل الأهلي الذي يجمع بين إنكار المنكر السياسي، والجهد الدعوي والعلمي، والتكافلي.

إرتباط فكري أم تنظيمي

إضافة إلى المبررات العامة، والتي تشترك فيها ليبيا مع غيرها من الدول العربية، وربما كان حظ ليبيا أوفر من بعضها، فهناك مبررات خاصة بالحالة الليبية، لا شك أنها دعمت القرار وأعطته دفعا خاصا، وقد يكون لها انعكاس إيجابي في ترويجه، وإعطائه شحنة من الفاعلية.

ارتباط اسم وشعار الجماعة في ليبيا باسم وشعار الجماعة في مصر، إضافة إلى الجوار والعلاقات التاريخية بين الجماعتين، جعلت من الجماعة في ليبيا هدفا سهلا للهجوم الذي أسقط الجماعة في مصر، وما زال يواصل عملية تشويهها، من خلال دعايات سوداء واتهامات باطلة ضلت طريقها إلى مكتب النائب العام ولن تصل إليه.

أدت الحرب التي شهدتها ليبيا لإسقاط نظام معمر القذافي إلى تهشيم دولته، وليس إلى مجرد إسقاط نظامه، لذلك واجهت الثورة المضادة صعوبة بالغة في إعادة إنتاج دولة معمر القذافي، ولم تفلح فيما أفلحت فيه في مصر، وكادت تفلح فيه في تونس، من إعادة للنظام بنسخة ربما أسوأ منه. وهذا أدى إلى حالة تغير مزاجي كبير في الشارع الليبي تجاه كل ما ينتمي لمرحلة ما قبل الثورة، بما فيها الجماعات والكيانات التي كانت تعارض القذافي.

مقاومة التغيير

عانت الجماعة منذ عودتها من اختلالات بنيوية تتعلق أساسا بالعلاقة بين أطرها وقياداتها، الذين لم يتأقلم بعضهم مع العمل في الداخل، بسبب طول الاغتراب، وظل بعضهم مقيما في مكان إقامته قبل الثورة، رغم توليه مناصب قيادية، في الجماعة، مما جعل بعدهم عن الملف الليبي حائلا دون امتلاكهم تصورا واضحا لحاجة الوطن والمواطن.

لقد جاء هذا القرار التي يتوقع أن يرى النور قريبا، والذي يحمل تغييرات جذرية، لا علم لي بتفاصيلها، لكنني أكاد أجزم إنها أقرب لأن تكون حلا للجماعة= جاء ليقطع الطريق على محترفي التسلق على أمواج الأزمات للاستمرار في استغفال المواطن الليبي عبر إشغاله في معارك وهمية، عن الأزمة الحقيقية، وهي معركة بناء الدولة المدنية المحصنة ضد الانقلابات، والاستبداد والتدخل الخارجي.

لقد جاء قرار جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا متأخرا عن وقت الحاجة الملحة إليه، وكان يمكن أن تكون آثاره أكبر، وإيجابياته أعظم لو تم قبل سنتين أو ثلاث، ولكني أعتقد أنه رغم التأخر سيكون قرار جيد الأثر على الساحة الليبية، وسيحل الكثير من الإشكالات القانونية والعملية في الحياة السياسية والدعوية الليبية.

تأخر اتخاذ هذا القرار، وتأخر الإعلان عنه قد يعود لأسباب عديدة، لكن أبرزها برأيي هو مقاومة التغيير في الجماعة، وهي ظاهرة بشرية معروفة في كل المؤسسات، فالذين يقبلون التغيير ويقبلون عليه بجد ودأب، هم دائما قلة داخل أي مؤسسة، كما أن من يحاولون عرقلة مشاريع التغيير يلجؤون إلى مختلف الأساليب لتحقيق ما يصبون إليه، لكن الحقيقة المرّة أنه لم يبق أمام معارضيه إلا الانصياع له أو التشبث بالماضي، والتمسك بالأساليب العتيقة، وسيكون عليهم أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء، وذلك ما ليس في طوق البشر.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

عبدالرزاق العرادي

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 55.

تعليقات حول الموضوع

تعليقات 7
  1. 1- بواسطة: نعمان رباع 2017/06/24

    الشيوعيين والاخوان كان يجب ان يحلوا انفسهم منذ زمن بعيد لانهم اساءوا للعدالة الاجتماعية والاسلام معا وكلا الحزبين من العدالة الاجتماعية والاسلام براء فلا اسف على الحزب الشيوعي ولا اسف على الاخوان فالذنب ليس على الخيل الاصيلة التي وحدها تكمل المشوار بل على الطريق الخاطئ الذي يمتطيه الفرس

  2. 2- بواسطة: نعمان رباع 2017/06/24

    لافرق بين الخيانة والخطا لان النتيجة واحدة من اقوال الشهيد وصفي التل قدوة شرفاء الاردن الغالي

  3. 3- بواسطة: نعمان رباع 2017/06/24

    الطاغية الشيوعي المردوم تشاوشيسكو تامر مع العصابات المرتزقة مدعي الوطنية والمتاجرين بالقضية الفلسطينية في اغتيال الشهيد عزمي المفتي القنصل الاردني في بوخارست عام 1983 فهل يوجد فارق بينه وبين الاخوان في شئ فالمشكلة شخصية الانسان وليس فكره فالطاغية تشاوشيسكو مثله مثل الاخوان وان اختلفت الافكار

  4. 4- بواسطة: عبدالله علي الجلاس 2017/06/24

    لم أر من قبل شخصاً يكتب تعليقاً ثم يعلق عليه ثم يعلق على التعليق ، عموماً كاتب المقال أعتقد أنه من أنصار جماعة الإخوان المسلسمين في ليبيا وهذا ليس عيباً ولا يسوءه في شيء ولكن شدتني جرأته وشجاعته في تناول هذا الموضوع المحزن لأنصار الجماعة والمفرح لخصومها ، وإذا صح ما قاله الكاتب فإن هذا القرار الشجاع لا شك أنه سيقطع الطريق على المتاجرين بالقضية الليبية مدعيي الوطنية ويحرمهم من أحد أسلحتهم التي يشهرونها في وجوه خصومهم ويجعلهم مكشوفين أمام الرأي العام فهيا أيها الليبراليون والعلمانيون ها هي البلاد لكم فأرونا ما أنتم فاعلون لها .

  5. 5- بواسطة: نعمان رباع 2017/06/24

    بالعكس كرهي لهم فوق ماتتصوره فبالنسبة الى تجار الدين وتجار الوطنية وتجار الاشتراكية سيان فكلهم الى مزبلة التاريخ فتجار الوطنية اغتالوا الشهيد وصفي التل وتجار الدين اغتالوا الشهيد معاذ الكساسبة وكلهم اعداء لنا ولهويتنا الوطنية وكلهم حلفاء للكومبرادور فياليتك تمحص في المقال قبل ان تطلق الاحكام وشكرا

  6. 6- بواسطة: ابراهيم 2017/06/24

    لم اجد حمارا مثلك يا نعمان رباع!!!
    عبدالله الجلاس يقصد كاتب المقال العرادي عندما قال عنه من انصار الاخوان
    اما انت فقد استهزء بك عندما علقت على المقال وعلقت على تعليقك ثم علقت على تعليقك للتعليق!!!!

  7. 7- بواسطة: نعمان رباع 2017/06/24

    الى ابراهيم الحمار هو الانسان قليل الادب فالاناء بمافيه ينضح

تعليقات 7