الانتحار حرقاً في ليبياً

بقلم:

النفس البشرية أشبه بالمرآة التي تعكس في داخلها الواقع الذي تعيشه فمتى كان هذا الواقع سيئا فإنها تعكسه في داخلها ومتى كان هذا الواقع حسنا فإنها تعكسه ايضا في داخلها ويتحول هذا الواقع في النفس البشرية الى سوء نفسي في صور اضطرابات نفسية وكآبة وانتكاس نفسي وغيرها  او يتحول الى حسن نفسي في صور طمأنينة ومعافاة نفسية وتوازن نفسي حسب الواقع المعاش فمن يحرق نفسه هو في الاصل يحرق الواقع المعاش الذي انعكس في نفسه سوءا ومن يخنق نفسه او يبلع سموما او يلقي بنفسه من عل هو يخنق الواقع ويسمم الواقع في داخله ويلقي بالواقع المنعكس داخله.

مواطن ليبي تتحول مقاصد حياته رغما عنه إلى مقاصد بائسة تعيسة لا يغنم منها إلا الألم والوجع والضيق النفسي، في بيته لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يداوي عياله وإذا يمم إلى المصرف يمم متسولا لايجد معاشه بالشهور وهو متردد على المصرف وإذا وجده يجده فضلة من الدينارات لا تكفيه حتى الخبز الحافي بسبب الاسعار المستعرة المسعورة مع الشتم والركل والصفع وحتى القتل امام المصرف وعند انتقاله في الشوارع فانه يترقب مرعوبا مهلوعا من ان يسطو عليه قاطع من قطاع الطرق او مجرم من المجرمين  لنهب القليل الذي بحوزته فلا حماية له في بلاد تعبث بها عواصف الشرور وحياته اشبه بقشة تبتلعها هذه العواصف فبيته قد يتعرض للقصف وسيارته قد تنهب منه وابنه وابنته قد يتعرضان للخطف وغير ذلك الكثير من وجوه التعاسة المعيشية ، ماذا سيحدث لهذا المواطن ؟ سيهاجر مع المغامرين عبر قوارب بالبحر المتوسط او يلزم بيته مكتئبا او يطلق امرأته ويفكك اسرته لعجزه على النفقة او يلجأ الى السرقة والسطو او ينتحر خنقا او سما او حرقا وهذا هو الذي يحدث للشعب الليبي وبأرقام يومية مرعبة وهى ارقام لايظهرها لكم الاعلام الخسيس الذي يخدم الساسة الذين هم في بالغ الخساسة ولايخدم الشعب الليبي.

أيها السادة، في لحظة من لحظات الانتحار الغاضب وفي ساحة مدينة طرابلس يسكب مواطن ليبي على جسده مادة منشطة للنار ويقدح شرارة ولاعته على نفسه وهو يردد *(مليت.. مليت خلاص، شنو هالحياة هادي.. جوعونا.. عرونا.. صغار من غير عيد)، (مللت .. مللت.. انتهى امري ، ماهذه الحياة؟ جعلونا جوعى.. جعلونا عراة.. صغاري لم يشتروا ملابس العيد).

وتلتهب فيه النيران التهابا وهو يصرخ وجعا من النيران اللاسعة الملتهمة للحمه وشحمه وينتهي المشهد بنقله الى مشفى الحروق ليموت ، اسأل الله له الرحمة والمغفرة والجنة من بعد جحيم العيش الليبي . الانتحار امر مذموم ولكن يجب تقدير وضعية المنتحر وهى وضعية طبيعية ، عندما تشتد وتضيق الحياة بالانسان فانه يلجأ طبيعيا لتصريف هذا الضيق او هذه الشدة بحسب طبيعته النفسية ، هناك من يتجلد ويصبر وهناك من يلجأ الى الخمر وهناك من يلجأ الى الهجرة وهناك من يلجأ الى المرح الفاحش وهناك من يلجأ الى التطرّف والتنطع في الدين وهناك من يلجأ الى الانتحار  وغير ذلك وذلك بحسب طبيعته النفسية وصاحبنا لجأ الى الانتحار حرقا وتلك طبيعته النفسية وليس الامر ضعف إيمان كما فسره المتنطعون جهلة التيارات الدينية المتطفلة على ليبيا.

الامر هنا امر ساسة بلغوا من الخساسة مالم يبلغه قبلهم من ساسة بتحويل حياة الشعب الليبي الى حياة تعيسة وتحويل حياتهم الى حياة ثراء وغنى فاحش من ثروات هذا الشعب وذلك بصورة باردة وضيعة خصصوا فيها ثروة الشعب الليبي الى انفسهم في هيئة مرتبات ومزايا وخصصوها لحروبهم وخصصوها لأهدافهم وخصصوها لصراعاتهم وذلك تحت شعارات وعناوين سخيفة وحرموا الشعب الليبي من الحياة حرمانا بالمطلق وتركوه يصرف ضايقته المعيشية بالانتحار اوالبكاء او الهجرة او اللجوء الى الجريمة او بالطلاق وتفكيك الاسرة *.

أيها الشعب المعذب المحروم من ابسط حقوقه، تنتحرون.. تبكون.. تهاجرون.. تلجأون الى الى ما يعتبر جريمة.. تطلقون زوجاتكم وتفككون أسركم*..  تفعلون ماتفعلون.. لن يستحوا ولن يخجلوا ولن يكترثوا بكم ولن يبالوا بكم لأنهم موتى ولا شعور بالمسؤولية لديهم و من طباعهم الجشع والخسة وفي عقولهم الحمق وثرواتكم  من المعطى الوطني خصصوها من زمن لانفسهم ولأهدافهم ولصراعاتهم وحروبهم وعقائدهم الدينية والسياسية المنحرفة ولن يتنازلوا عن هذا التخصيص ولن يتنازلوا عن مناصبهم مهما فعلتم ، ليس هناك الا بالخروج على كل الاجسام السياسية البليدة، خروج عاصف وقلب عروشهم رأسا على عقب واقتيادهم جميعا الى السجون فما يحدث وحدث للشعب الليبي هى جريمة وطنية كبرى تستحق العقاب ولاتستحق الانتظار والصمت على استمرارهم حكاما مع شعب اتعسوه وفقروه وقتلوه وهجروه وجوعوه وعروه واحزنوه وجعلوا افراده ينتحرون يوميا.

* العبارات التى رددها المنتحر لم تردني كاملة ، بعض الكلمات استنتاجية وتعطي المعنى الذي اراد المنتحر التعبير به ووردتني من بعض الشهود.

* ورد تفكيك الاسرة وذلك بسبب ازدياد حالات الطلاق بصورة غريبة في ليبيا خلال السنتين الاخيرتين لعجز ارباب الاسر على النفقة.

محمد علي المبروك

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 112.

هل ترغب بالتعليق؟

التعليقات لا تعبر عن رأي موقع عين ليبيا، إنما تعبر عن رأي أصحابها.