ليس العيب في اتفاق الصخيرات، إنما في شخوص أجسامه الثلاثة

بقلم:

لقد تمخضت اللقاءات والجهود الدولية الساعية لحل الازمة الليبية، تحت رعاية الأمم المتحدة عبر مبعوثيها لليبيا، عن الوصول الى اتفاق مبدأي بين الفرقاء الليبيين، توّج في نهاية العام 2015 بالمغرب في منتجع الصخيرات بالتوقيع عليه، ولقد تضمن ذلك الاتفاق ثلاثة اجسام رئيسة وهي: مجلس النواب والمجلس الرئاسي ومجلس الدولة، ولقد حدد الاتفاق بدقة مسئولية كل من تلك الاجسام الثلاثة ومهامها ومجال اختصاصها، وحدد أيضا آليات التعامل فيما بينها، وحدود التنسيق والتكامل بحيث يضمن نجاح الخطوات والقرارات التي كان يفترض ان تكون توافقية وتصب بالدرجة الأولى في مصلحة الليبيين.

الا انه وللأسف الشديد لم يتم الالتزام ببنود ذلك الاتفاق، من قبل تلك الاجسام الثلاثة التي كنا نعول عليها، وركب كل جسم رأسه وانتهج سلوكا احاديا بدون التنسيق مع الجسمين الآخرين، الأمر الذي جعل من تلك الاجسام الثلاثة أدوات للخلاف والاختلاف لا التوافق والوئام! وأرى ان تلك الاجسام الثلاثة خانت الأمانة التي يفترض حملها، خدمة لشعبهم وبلدهم الذي تطحنه نزاعات الأقطاب المؤدلجة سياسيا ودينيا منذ عام 2011، وتحولوا بذلك الى معاول شد للخلف، وتمترس كل جسم خلف اجندة اقطاب مختلفة ومتناحرة، وهو ما جعلهم يذكون اوار الخلاف والصراع، بدلا من المساهمة في إطفاء ذلك والوصول الى حالة من التوافق، فنقلوا بذلك خلافات الأطراف الى أعلى الهرم وحوّلوا مهمتهم من دافعة الى الاتفاق والوفاق الى محفزّة للخلاف والصراع!

البعض يرى ان اتفاق الصخيرات هو الفاشل، لكني أرى عكس ذلك فالاتفاق في حقيقته حالة توازن فرضتها ظروف المرحلة بين اطراف مختلفة، وهو من الناحية الموضوعية يلبي ولو بالحد الأدنى مطالب تلك الأطراف، ويمكن القول انه نجح في إيجاد صيغة توافقية بين الخصوم، يمكن من خلالها الانطلاق الى الأمام، لكن الفشل في نظري مصدره أدوات ذلك الاتفاق، وهي تلك الاجسام الثلاثة التي ارتكز عليها، والتي لم تكن في مستوى المسئولية الملقاة على عواتقها، فلا مجلس النواب استطاع ان يكون مجلسا لكل الليبيين ولا مجلس الدولة كذلك ولا المجلس الرئاسي!.

الإخفاق الكبير والفشل أصاب المجلس الرئاسي، وهو ما يستحق اللوم أكثر من الجسمين الآخرين، ذلك ان مجلس النواب ومجلس الدولة موجودان أصلا، كونهما طرفي الصراع والخصومة! اما المجلس الرئاسي فهو الجسم الجديد الذي استحدثه اتفاق الصخيرات، وهو ما يرتب عليه التزاما كبيرا في ان يكون حلقة الوصل والربط بين الجسمين الآخرين ، وهو انطلاقا من هذا الدور كان ينبغي ان يكون في مستوى المسئولية الوطنية وان يكون متجانسا بدرجة كبيرة حتى يمكنه من أداء مهمته بصورة ناجحة، لقد كنا نتوقع من أعضاء المجلس الرئاسي ان يتحرروا من تبعيتهم وتأثرهم بأقطاب خلافية، وان يكونوا ممثلين للشعب الليبي وان يتنازلوا عن توجهاتهم وعقائدهم السياسية، لكنهم وللأسف كانوا ابعد ما يكون عن ذلك، ولم يتمكنوا من التغلب على انانيتهم واجنداتهم! بل يمكن القول ان المجلس الرئاسي قد ولد ميتا لعدم توافق أعضائه التسعة فيما بينهم اصلا!!

إن السراج، الذي قضى كل وقته طائرا متنقلا بين عواصم العالم، فاته ان يدرك ان مكانه كرئيس للمجلس يكون بالدرجة  الأولى بين أطياف الليبيين، يستشعر معاناتهم ويطلع على وجهات نظرهم، ويشاورهم في كيفية الخروج من الازمة ، لكنه تجاهل ان الأساس هو اعتراف الشعب الليبي به وبمجلسه، وليس اعتراف الدول الاجنبية!، وكان ينبغي ان يحد من زياراته الخارجية المتكررة والعبثية، فما الذي سيؤثر في الحالة الليبية من دول مثل هولندا او السويد او حتى اسبانيا!؟ ، كان ينبغي ان يتم التركيز على الدول ذات الفاعلية في الملف الليبي وهي الدول الخمس ذات العضوية في مجلس الامن بالإضافة الى دول الجوار وكذلك إيطاليا وتركيا وقطر والامارات.

ان المجلس الرئاسي بأعضائه الحاليين ورئيسه، وبما لا يدعو مجالا للشك، ثبت عدم قدرتهم وفشلهم الذريع في إدارة المرحلة، ولهذا يتوجب عليهم الانسحاب من المشهد، ومغادرته بعد ان منحوا فرصة  كافية من الوقت، وعليهم اذا ان يحترموا شعبهم ويتركوا الساحة لأشخاص آخرين، ربما يكونوا اقدر منهم على حلحلة الأمور وقيادة البلد الى شط النجاة، لقد آن أوان رحيل الشخوص في هذا المجلس الرئاسي الصوري فلا حاجة لنا بهم كليبيين  بعد ان جربناهم، وعليهم ان يستحوا ويفسحوا المجال لغيرهم من ليبيين آخرين اكثر إدراكا وفهما لحقيقة الازمة الليبية، فكفى استهتارا وعبثا وكفى فشلا يتلوه فشل ، وأخيرا ليس العيب في اتفاق الصخيرات انما العيب في الشخوص التي تمثل اجسامه الثلاثة!

هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر «عين ليبيا»
د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 164.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: محمد مبروك بوقعيقيص 2017/07/12

    مخاض طويل والمولود فار

تعليق واحد

هل ترغب بالتعليق؟

التعليقات لا تعبر عن رأي موقع عين ليبيا، إنما تعبر عن رأي أصحابها.