ما هي هويتنا نحن الليبيون والليبيات.. هل هي الوطن؟

بقلم:

بسم الله الرحمن الرحيم

من كان يصدق بأن ليبيا ستتحرر من الطاغية وازلامه واليوم نحتفل بالذكرى الثانية لثورة 17 فبراير والتي ابهرت العالم بوقوف الشعب الليبي يد واحدة ضد الظلم . كل التهاني للشعب الليبي بهذه المناسبة والرحمة لشهدائنا. اليوم يبرهن الشعب الليبي مرة اخرى للعالم انه يد واحدة وما احتفالات المدن الليبية كلها بهذا العيد دون ترتيب او دون ارغام الناس للخروج للشوارع او طلبة المدارس للوقوف في طوابير يهتفون بكلمات لقنوا ليقولوها. من يراهن على الشعب الليبي فهو الرابح وان يقف ضده ويحاول زعزعة امنه وعقيدته الاسلامية وهويته الوطنية ، سيهزم حتما لأن سيد الشارع هو الشعب والذي خرج اليوم وامس للاحتفال بهذا العيد.

الثورات دائما تمر بمطبات ومن قال ان الثورة ستحقق كل شيء في سنة او سنوات. لن يتم تحقيق كل شيء الا اذا تعاونا جميعا من اجل مصلحة ليبيا. الشعب الليبي لا يريد احد ان يعلمه الوطنية او يعلمه في دينه او يعلمه في انتمائه لهذا الوطن. الجميع يؤمن بأن ليبيا واحدة وان من ينادون بالانفصال والفدرالية سيندمون علي ذلك لأنهم لا يفكرون الا في الجهوية والتي لن تخدمهم. الثورات تقوم وتنتهي بسرعة ولكن التغير يحتاج الى وقت والى صبر واهم شيء هو العمل ومساعدة الحكومة في تحقيق اولويتها واهدافها. كما يجب على الجهة التشريعية ان تترك الحكومة لكى تعمل وتشد ظهرها في كل شيء وبدون هذا لن تنجح الحكومة. يكفى ان حكومة الكيب اضاعة سنة كاملة واهدرت الاموال واصبحت الفوضى هو ما توصف به هذه الثورة. اليوم نحتفل وان شاء الله السنة القادمة نحتفل اكثر ولن ننظر الى الخلف. نريد ان تكون هويتنا هي الوطن ومن اجل ليبيا فقط.

يقول قاموس «وبستر» ان الهوية (Identity) نوعان: فكرية (عن فردية الشخص وخصوصيته)، ووصفية (عن شكل الشخص وصورته). من جانب، يمكن القول ان شخصا ما «ليس متأكدا من هويته» او «هذه هي الهوية التي اختارها» او «سيفقد هويته اذا لم يعد الى وطنه». ومن جانب آخر، يمكن القول: «الشرطة ليست متأكدة من هوية فلان». او «مؤخرا، اكتشف العلماء الهوية الجينية المسببة للسرطان». تعني الهوية في الرياضيات: «معادلة لا تتغير»، وفي علم النفس: «رأي الانسان في نفسه»، وفي علم النفس الادراكي «تحليل الذات»، وفي علم الاجتماع «جزء من هوية اجتماعية»، وفي المنطق «معنى لا يتغير». وفي التاريخ، يعود اصل اللفظة الى سنة 1560، عندما استعملت ككلمة لاتينية تعني «نفس الشيء». وفي اللغة العربية لا يوجد فرق واضح بين «الهوية» و«الشخصية». واضاف جيمس مارسيا، تلميذ اريكسون واستاذ علم نفس كندي، شيئين:

اولا: يختار الانسان هويته عندما يواجه ازمة هوية. ثم يلتزم بما يحدد (اذا لم يلتزم يكون منفصم الشخصية).

ثانيا: يفضل ان يختار هوية لها صلة بفكرة، لا بمال او شهادة او سلطة. (لان هذه الاخيرة تتغير من وقت لآخر). http://www.aawsat.com/details.asp?issueno=10626&article=468136

الانتماء للوطن الذي نريد أن نتحدث عنه هو الانتماء إلى هوية واضحة ثابتة وصالحة في كل وقت وزمان، هوية مستقلة متميِّزة تهدف الى خدمة الشعب الليبي وليبيا. هوية ليس بها تعصب الي قبيلة او عرق او ايديولوجية معينة او تابعة الى دولة اخري. هو ان لا تفرض على الشعب الليبي وانما تنمو تلقائيا بداخله دون قيود او شروط او تفرض عليه. لأن الهوية التي تنتمي إليها أي أمة هي التي تميزها عن غيرها. فهل هويتنا هي القومية أم الوطنية؟ أم التبعية للشرق أو الغرب او للعالم المتحضر؟.

هذه تعريفات بسيطة للهوية ولكن اهم شيء هو الهوية الوطنية والتي هي يجب ان تكون عنوان وهدف كل ليبي وليبية حتى تتحقق اهداف وطموحات كل الشعب الليبي وهي نجاح هذه الثورة. لوجود عدة تدخلات في المجتمع الليبي، تداخلت الهوية القبلية والجهوية والدينية والعائلية مع الهوية الوطنية. ومع زيادة الحضارة والتعليم، زاد الانتماء الى الوطن لليبيين والليبيات وخاصة ايام الجهاد ضد الإيطاليين وايام حكم الطاغية القذافي. بنجاح ثورة 17 فبراير وتحولت ليبيا من حكم الفرد الى بداية الممارسة للديموقراطية الحقيقية . اصبحت الناس تطرح في هذا السؤال ، ما هي حدود الهوية الوطنية؟ هل هناك هوية ديمقراطية او شيوعية او دينية او قبلية او طائفية أو ليبرالية او انسانية او عالمية؟ هل هذه الهويات تعلو فوق الوطن؟ هذا ما برهن عليه الشعب الليبي باحتفاله بالعيد الثاني لثورة 17 فبراير والذي اتبت للعالم ان ليبيا تعلو فوق الجميع وهبوا جميعا لحماية ليبيا وذلك بالخروج للشوارع والاحتفال اثبات شرعية هذه الثورة وهى ولدت بالشارع وتقوت برجل الشارع ونجحت اليوم بخروج الشعب والاحتفال بالنصر. كذلك قيام كل الناس من ثوار وشرطة وشعب بحماية الشوارع والحدود لأنهم يريدون حماية هذا الوطن. من هنا ترسخت الوطنية في نفوس كل الليبيين والليبيات واصبحت الهوية الحقيقة لكل الشعب الليبي هي الوطن فقط في هذه الايام ولن يهزم الشعب ابدا وبعون الله ستتحقق كل طموحاته في العيش بكرامة وامن وزهد والتنعم بثروات ليبيا.

وماذا عن الهوية الدينية؟ يجب الحدر من ان ينتمي الشخص الى هوية لا يقدر ان يسيطر عليها وتسيطر عليه افكار ومجموعة لا تقبل الحوار ولا تقبل التطوير. ماذا اذا انتمى الى قبيلة تظلم قبيلة اخرى؟ او دولة تحتل دولة اخرى؟ او نظرية مهتزة؟ او عقيدة دينية يؤمن بها الشعب كله ولا يحتاج الى من يعلمه في دينه. من هنا يجب عدم استغلال الدين وتوظيفه لأعراض اخرى منها غرس بان الهوية مترسخة فقط بتطبيق الدين في كل مفاصل الدولة وكل مخالف يعتبر كافر. هذا لا نريده ولكن الشعب الليبي لا يحتاج لمن يعلمه في دينه ولا نسمح بأن يطمس او يحرف او يتم تغير في هذا الدين والذي هو احد اساسيات تشريعاتنا المستقبلية.

إن القومية والتي جزء من الهوية الوطنية جاءت عن طريق أوروبا, وقاموا النصارى بنشر القومية العربية بعد ما قام بزرعها اليهود فيما يسمي بالعالم العربي الان وبمساعدة الاتراك. كان الغرض منها هو التفريق بين المسلم العربي وغير العربي. ففرقت بين المسلم من أرض العرب وبين المسلم من البلدان الأخرى، فبدل أن يكون عدد المسلمين يتعدى الألف مليون، أصبح لا يتجاوزُ مائة وخمسون مليون. هذا ما يحدث الان في ليبيا هنالك فئات تريد التفريق بين العرب والامازيغ والطوارق والتبو وبين الشرق والغرب وبين الشمال الجنوب وخلق تبعيات لدول اخري. هنالك جماعات في جنوب ليبيا تريد ان تكون تبعية فزان لفرنسا وهم يعقدون الصفقات مع فرنسا ويريدون تمجيد اسم عائلة قديم والسيطرة علي الجنوب واصبحوا الان ينادون بالفدرالية كما نادي بها جماعة شرق ليبيا وبإيعاز من دولة مجاورة واشخاص بر قويون كانوا دائما ينادون بالانفصال ابا عن جد وهم عدد محدود.

الجميع يستعمل في المال وهو عند النفوس الضعيفة قوى. الشعب الليبي لن يرضي بهذا ابدا. كذلك القومية الامازيغية والتي تدعي بأن كل الليبيين والليبيات ليسوا الا دخلاء وانهم هم اصحاب الارض. نتيجة هذا سيحدث بليبيا التفرق والانحطاط، اذا ما اخدنا بهذه القوميات والتي هي قومية العرب في الجاهلية، بل ستأخذنا الي التحلل والتهتك والتأخر ولن تتقدم ليبيا اذا صرنا نقول ان القومية العربية هي الوحيدة والتي تمتل كل ليبيا. يجب ان تكون هويتنا هي الوطن ويكون انتمائنا للقومية العربية والامازيغية والطوارقية والتبوية والافريقية والعالمية. ولا نقول شرق او غرب او شمال ليبيا نقول ليبيا فقط.

هل هويتنا هي الوطنية والوطن؟

هل الوطن هو المكان الذي قضيت فيه حياتك او الذي ولدت فيه؟ او هل هو محدود بحدود معينة رسمها الاستعمار او الاجداد او القبيلة او الطائفة؟. إن الوطن لا حدود داخلية له وهو للجميع ويحمى الجميع. فإذا قيل – مثلاً – إن أهل البيضاء يجب أن يتعصبوا لبرقة فقط ، وهل سيتعصبون لفزان ام لمصراته أم لغريان اذا اختلفوا؟ واذا أهل الكفرة اختلفوا لأي شيءٍ‘ هل سيتعصبون لغدامس او نالوت او اوباري ؟ إن هذه الهوية ليست هوية وطنية وانما هي قبلية وجهوية وعرقية ولن تخدم مصلحة ليبيا والشعب الليبي. الوطنية داخل الوطن لا حدود لها، وإنها تفرقةٌ وضعف وقصور في الأم الليبية اذا طبقت هذه الفكرة وهي فكرة القبيلة والجهوية.

كذلك لا ننسى ان الوطن الليبي ينتمي للنظام العالمي والذي اصبح جزء لا يمكن الاستغناء عنه ولا يمكن ان نربطه بوطنية الليبيين والليبيات ولكن اصبح جزء فعال في ترسيخ الوطنية داخل قلوب الليبيين والليبيات وخاصة بعد مساعدتهم لنا في التخلص من الطاغية. صحيح ابتعدوا عنا بعد الثورة ومنهم من صار يزرع في الفتن بمساعدة فئة معينة ولكن الحمد لله الشعب الليبي واعي ووضع الوطن فوق كل شيء وسن شعار الهوية بأنه الوطن ولن يسمح بتدخل أي دولة في الشأن الداخلي. كانت احد مطالب الناس عندما خرجوا للاحتفال السلمي بالعيد الثاني للثورة هو ارسال رسالة قوية لهذه الدول بأن ليبية دولة موحدة وان الشرعية في ليبيا هي المتمثلة في المؤتمر الوطني العام والحكومة المؤقتة ولا احد اخر له هذه الشرعية فقط.

لكي تترسخ الهوية الوطنية بليبيا يجب ان نعمل بالتي:

1- ان يكون دستور ليبيا يحمل الهوية الوطنية الليبية فقط ومبني على باقي القوميات والاعراق
2- ان ننمي روح الوطنية في نفس كل ليبي بالعمل من اجل ليبيا ونستفيد من تجارب الامم الأخرى كالأمة اليابانية والالمانية والصينية
3- ان نسرع بعمل حوار وطني مع كل القوميات والاعراق والفئات والخروج بأن الهوية الوطنية هي اولى لنا من الخوض في التحدث وزرع الفرقة واتخاد منهج الجاهلية بتمكين القبيلة وجعلها هي كل شيء كما يراد به من قبل بعض الجهلة والمتعصبين
4- ان نعمل بروح واحدة ومن اجل ليبيا ونرسل رسالة قوية ودائمة الى كل من يريد المساس بوحدة وامن واستقرار ليبيا، بأن ليبيا دولة واحدة ولن يفرقها شيء وان هوية الشعب الليبي هي الوطن
5- لا نجعل الهوية الدينية تطغى على الهوية الوطنية ولكن لا نسمح بأن يطمس احد هويتنا الدينية وهى الاسلام ولا نسمح بأن يتستر الاخرون وراء الدين بغرض الوصول للسلطة ومنه طمس الهوية الليبية الى الابد
6- الاسراع بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية والابتعاد عن كل ما هو مفرق لليبيا وخاصة ما يسمي قانون العزل السياسي وتقسيم ليبيا الى محافظات وترسيم حدودها القبيلة. هذا كله سيساعد في ارساء الهوية الوطنية.
7- لا رجوع الى القبيلة لتسير الدولة ولكن لا باس من ان تكون القبيلة هي العمود الفقري سياسات هذه الدولة وعملها ينحصر في الحياة الاجتماعية فقط وليس سياسات الدولة الحضرية

إنَّ هويتنا هو الوطن وبعدها الدين الذي أكرمنا الله به وأخرجنا به من الظلام الى النور. هذا الدين هو القاسم المشترك الوحيد والذي وحد كل الاقليات بليبيا وفى كل العالم الاسلامي ولا ينبغي استغلاله للوصول للسلطة . نريد ان يخرج الليبي من الشرق ويجول في الغرب والجنوب الليبي ولديه قناعة واحدة بأن هويته هي الوطن ليس الا دون ان يشعر بأن هنالك فارق بينه وبين الاخرين في هذه الديار. لقد قال مالكوم ايكس “لن يعرف احد ماهي هويتنا إذا لم نعرفها نحن، واذا لم نعرفها بقينا حيث نحن”. هذه الكمات تلخص كل شيء واذا لم نعرف من نحن فأننا سنبقي كما كنا ولن نتطور او نحقق طموحتنا والتي قامت من اجلها هذه الثورة. لن نحقق طموحات ابنائنا وبناتنا ولن تكون ليبيا دولة متقدمة ذات سيادة محلية وعالمية ويحترمها العالم كما نحترمهم. الشاعر سيف النصر يقول في هذا المقطع والذي يجب مشاهدته عندما تريد البحت عن ذاتك. يقول ما تعرف نحن من نحنا وهذه البقية..

ليبيا ستبقي حرة ومن نصر الى نصر

د. ناجي بركات

الكاتب:

وزير الصحة سابقاً، المكتب التنفيذي، المجلس الوطني الانتقالي، ليبيا استشاري أمراض مخ وأعصاب أطفال، لندن

عدد المقالات المنشورة: 98.