مقاطعة انتخابات لجنة الستين هو الحدث التاريخي..!

بقلم:

تعطش الليبيون للتغيير بعد أربعة عقود من حكم القذافي, وتفاوتت رغبتهم في ذلك من معارضة صريحة إلى معارضة مخفية, وتباينت كذلك طرق التعبير في التغيير, فمن تنظيمات سرية الى مجاهرة علنية على مستوى الأفراد الى ما يشبه العصيان المدني في بعض الأحيان إلى أدعية في السر والجهر!! ولقد تعامل النظام مع كل تلك المظاهر بأساليبه الخاصة بما في ذلك التصفية الجسدية والاعتقالات وفرض الحصار والاحتواء والإغراء..الخ, لكن كل ذلك لم يثن الليبيين عن استمرار المطالبة بالتغيير والاندفاع نحوه بشوق كبير حين جاءت ساعة التغيير في 17 فبراير 2011 حينها خرج المارد من قمقمه واندفعت الجموع معلنة عن حالة من الغضب العارم في كل مدينة وقرية مطالبة برحيل النظام.

وان لم يكن التغيير بسهولة ثورات الجيران في تونس ومصر إلا أن الشعب اتخذ قراره الذي لا نكوص عنه وفرضت عليه معركة مسلحة فقد فيها الكثير من أبنائه, إلى ان توجت بعد حوالي سبعة أشهر بإسقاط النظام, حينها تنفس الليبيون الصعداء وأحسوا بأن كابوسا قد انزاح وان عهدا جديدا قد اطل ولاح.. تراجعت زحوف الشعب الى مواقعها الأصلية, فأخلت الساحة لمن يشكلون قيادة للمرحلة الانتقالية!. الجموع الثائرة المتعطشة للتغيير منحت كل ثقتها في تلك الثلة التي قادت على استحياء معركة التغيير اعتقادا بأن القيادة كانت فعلا جديرة بمن فيها!! لكن الأيام كشفت ان من واكبوا مرحلة الحرب على مستوى القيادة لم يكونوا في مستوى المسئولية الملقاة على عاتقهم فلم يكونوا جديرين بها مطلقا بل كانوا مجرد صف أخير في جوقة موسيقية صاخبة تسيَدها الغرباء عن واقع حال الليبيين وان كانوا من الأصول الليبية المهاجرة جغرافيا او ثقافيا!!

و اذا كان جليا عند ذوي التحليل والتفكير السياسي حقيقة أن من كان يقود المرحلة فعليا خلال فترة الثورة هي القوة الضاربة للنيتو ومن معهم من دول العالم, فقد تكشَفت عورات من أوهموا أنفسهم بأنهم قادة انكشافا جليا مباشرة بعيد إعلان “التحرير” حينما اندفعت قوافل الهمج بروح الانتقام والغنيمة تستبيح كل ما تصل إليه بقوة السلاح من ممتلكات الليبيين خاصة وعامة, وتشكلت عندئذ “كتائب الغنائم والتمشيط” فاستولت على كل مؤسسات الدولة الليبية العسكرية والمدنية واتخذتها مقارا لعبثها وفجورها متمترسة خلف ترسانة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة اغتصبتها ولازالت تستخدمها في فرض مطالبها وترويع الليبيين الأبرياء.

والآن حين استغفل الليبيون في اختيارهم لأعضاء المؤتمر الوطني, وتبين أنهم أشخاص إما يحملون أجندات حزبية مؤد لجة وإما ذوو مآرب ذاتية نفعية تحكمها اعتبارات الجهة او القبيلة, لم يعد ممكنا السكوت اكثر لهذا الوضع المأزوم فالخطر أضحى يتعاظم والخطوب تشتد على سلامة ومنعة الكيان الليبي الواحد, أمام تيارات عاصفة تهدد اللحمة الوطنية في جذورها.. لهذا قد يكون لزاما على الليبيين الآن الإعلان عن أنفسهم من جديد في وجه الطامعين العابثين, وعليهم ان يقولوا كلمتهم في كل ما يهم الشأن الليبي ولتكن البداية بمقاطعة ما يسمى بانتخابات لجنة الستين! هذه اللجنة التي كرَست أصلا مفهوم الانفصال والتشرذم حينما تم تشكيلها على أسس إقليمية ضيقة اختصرت الليبيين في مسميات قديمة اكل الدهر عليها وشرب وهي أصلا من صنع المستعمر الأوروبي المتمثل في دول ايطاليا وبريطانيا وفرنسا, فأي شرف لليبي وطني غيور ان يتبع سبيل المحتل الغاصب في تقسيم القطر الليبي الى ثلاثة أقاليم من صنع الأجنبي؟!!

لن يقبل الشرفاء بخذلان الماضي البغيض الذي تركناه خلفنا منذ عقود وليبيا لن تكون الا وطنا واحدا لا تمييز بين أبنائه ولهذا لاحاجة لليبيين بلجنة الستين او غيرها ولسنا الآن في حاجة الى دستور أصلا لان الدستور ميثاق اجتماعي توافقي فكيف اذا يمكن ان يكون لنا دستورا ونحن منقسمين على أنفسنا شيعا وأحزابا..كيف وما يقارب خمس الليبيين مهجَرين في الشتات!! لتتوقف هذه المهزلة وليعلن الشعب مقاطعته لانتخابات ما يسمى بلجنة الستين ولنأتي اولا لما هو واجب وضروري والمتمثل في إعادة بناء المؤسسة التشريعية والتنفيذية الانتقالية واستبدال القائم العاجز المتشظي!!..

المرحلة تتطلب اليوم تشكيل مجلس وطني توافقي يضم كل أطياف الليبين ويمثلهم عدديا من خلال المدن والقرى الكائنة فعلا بعيدا عن القبلية والعنصرية بحيث لا يتم إقصاء احد..مجلس وطني توافقي لامكان فيه لمؤيد او معارض.. مجلس وطني لا مكان للعزل فيه لان شرطه الوحيد ان تكون مواطنا ليبيا.. مجلس وطني تتمخض عنه حكومة إنقاذ وطني مختصرة المسميات مركزة المهام لا يتعدى وزرائها الستة. هل يخفى على احد ان الشعب المتوافق يصنع الدستور المحترم والقابل للتنفيذ وان الدستور وان صاغه اكبر خبراء العالم لايصنع شعبا متوافقا ولا يبني دولة عصرية !! اذا ما حاجتنا نحن الليبيين للدستور وهذه حالنا يقتل بعضنا بعضا ويهجر بعضنا بعضا ويحاول ان يفرض بعضنا نفسه على الآخر بقوة السلاح فرضا!. ما حاجتنا للدستور الذي لن يكون عصا سحرية يحل مشاكلنا بوصفة سحرية من مواده!! ما حاجتنا لدستور لا قدرة لنا على حمايته او حتى تفعيله!! ليس ممكنا طلب الكماليات ونحن لم نتحصل بعد حتى على ابسط الضروريات في حياة آمنة ولازلنا نئن تحت وطأة الخوف والرعب والترهيب ممن نَصَبوا انفسهم حكاما علينا بقوة السلاح!!..فهل يعقل ان نستغفل مرتين!! مرة في انتخابات ما يسمى بالمؤتمر الوطني وهذه المرة أيضا؟!

قد يعتبر البعض ان كلامي هذا ضرب من الجنون لكني اقبل أن أكون مجنونا على ان أكون مستغفلا!! وهذه المرة لن ألطخ إصبعي بحبر مداده احتقار الليبيين والاستخفاف بهم !! وسيسجل التاريخ في الحالتين لمن انتخب ولمن لم ينتخب ونترك للاجيال القادمة الحكم عن من هو الذي كان يحب ليبيا وشعبها بصدق ونقاء.

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 177.