بين أحضان الكتاب.. أزمة أخرى للعقل

بقلم:

article2-1_16-9-2016

من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبدا، كلمات للدكتور “مصطفى محمود” وهي منطلق مقالنا هذا، حيث أن ما يشهده العالم “العربي”، ما هو إلا إرهاصات متقدمة، لمخاض سيتولد عنه نموذج جديد، خصوصا وأن التاريخ علمنا أن الحضارة تنبثق من الرماد، ومن اللاشيء، يولد كل شيء، من رحم الجاهلية ولدت الحضارة الإسلامية، ومن رحم الحروب الدموية ولدت الحضارة الغربية، التي جعلت من ضمن أهدافها، حصرنا وحصارنا في نطاق نبقى فيه تحت السيطرة، لأبد الدهر، الغرب متقدم ونحن متخلفون، لكن غالبا ما يعيد التاريخ نفسه، بأسباب يقدم عليها أولئك المستضعفون، وبإرادة حقيقية تسموا بهم نحو المعالي دون التفات إلى الوراء وتفاديا لمكائد الأعداء.

بالإضافة إلى الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها الدول “العربية”، والتي ساهم فيها العامل الخارجي، كما ذكرت سابقا، مما انعكس سلبا على مجتمعاتنا، هناك عوامل داخلية ذاتية، متعلقة بكل فرد، ومن ضمنها ما له علاقة “بالعقل”، الذي يعاني من أزمة حاول معالجتها عدد من المفكرين، كل من منطلقه ومكانه، وهناك من ركز على الجهل واعتبره سببا لما سبق، بعد أن تفشى بشكل كبير في المجتمع، ومخرجه ينبثق من بطون الكتب وأفواه الرجال، وفي مقالتي هذه سأتناول الموضوع ما بعد بطون الكتب، وما هي المعوقات؟ وهل المشكل في القراءة أم في الفهم؟ وماذا نفهم؟

تحظى القراءة بأهمية بالغة لدى كل المجتمعات، حتى “المتخلفة” منها، لا يمكن أن تنكر أن القراءة هي المصدر الأول للمعرفة، وهي الطريق المختصر للتقدم، لكن الفرق أن “المتحضرة”، انتقلت من الاعتراف بالقراءة من المستوى النظري إلى المستوى العملي، ونحن -وباعتبارنا من المتخلفين- انتقلنا بها من المستوى العملي، إلى المستوى النظري، وبقينا نعطيها قيمة في كلامنا فقط، وهذا غوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي يلخص ما سبق في قوله: “إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت أمم أوروبا الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا.. وإن جامعات الغرب لم تعرف موردا علميا سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدنوا أوروبا مادة وعقلا وأخلاقا”، أي أننا، علمنا غيرنا ثم نمنا، كما قال الشاعر العراقي “معروف الرصافي”، “ناموا ولا تستيقظوا فما فاز إلا النوام”.

صحيح أن المشكل الذي يقبع فيه العقل في مجتمعنا لا يمكن تلخيصه في الابتعاد عن الكتاب والقراءة فقط، لكنها من الإشكالات المهمة، وللخروج منها، حاول عدد من المفكرين والأدباء والعلماء حث الإنسان على مصاحبة الكتاب ومطالعته، وجعله صديقا ورفيقا، باعتبار أن التخلف قبل أن يكون ماديا، أصله معنوي، متعلق بذات الإنسان، بمعنى أن أي تغيير لابد له من أن يبدأ بالشخص، وسيرا على هذا الطريق سعى أناس إلى ذلك، وهجروا الخمول، وأبحروا في الرفوف، مع تفاوت واضح في نسبة الاستفادة.

يستفيد العقل إن هو أخذ من كل فن طرب، وبحث عن الحكمة حيث وجدت، وفي أي كتاب كانت، دون أي عقد، مع تفادي الحكم على الكتب انطلاقا من العنوان أو الغلاف، فكم من واجهة سوداء تخفي وراءها كنزا من المعرفة، والعكس صحيح، مع كون الشخص الذي يبحر في الكتب بدأ من أولوياته لكي يتشكل عنده “غربال” لا يمر منه إلا أحسن القول.

المسير طويل، ويتجاوز الارتماء في أحضان الكتاب، بل أن هذا الحضن قد يحوي في طياته مشكلا آخر، أعوص من الابتعاد عنه، وحتى بعد حله هناك عقبات لابد من اقتحامها لاستكمال المسير، لتكون حلقة من حلقات التغيير، وخطوة تقدمنا إلى الأمام.

بين الصفحات، تكمن أزمة أخرى للعقل، الذي يجول فيها، ليفهمها ما أمكن، حيث يقتصر على الكلمات، أو يتجاوز العام إلى الخاص، مما يبقي الفهم منقوصا. لابد من الاستفادة بنسب كبيرة، ليتجلى ذلك على مستوى الفكر والممارسة، وهذا لا يتم فقط من خلال التمعن في الكلمات المكتوبة، بل أيضا في التعمق ما بين السطور، وفي الفقرة عامة دون تفاصيلها، وفي كيفية صياغتها وكتابتها. فكم من كتاب يلخص تجربة حياة، ويقدم للقارئ وعلى طبق من ذهب خبرات أعوام.

هناك من يقرأ القليل ويستفيد الكثير، وهناك من يقرأ الكثير دون أن يستفيد شيئا. حين يريد شخص أن يشتري بيتا فإنه يتفقده عن بكرة أبيه، دون أن يترك جزءا إلا وألقى نظرة عليه، حرصا منه على الإطلاع على ما هو مقدم عليه، وما سيصير في ملكه عما قريب، هكذا الكتاب، هو كالمأوى، لكن يتميز عنه غيره، بأنه يؤوينا ونؤويه، لذا لابد من أن نتفقده من غلافه الأمامي إلى الخلفي، كما لابد من أن نعي جيدا كل شيء لكي نعلم ما أدخلنا إلى عقولنا، وما القيمة المضافة التي أضفاها علينا.

الذي يقرأ و”يحفظ”، تسمعه دائما يردد قال الكاتب فلان، في كتاب بعنوان، والذي “يفهم” يورد أفكار الكتاب وتلخيصا لما كتبوا، والذي “استفادة حق الاستفادة” من الكتاب هو الذي أخذ من الكتاب المنهج، ومن الصفحات التحليل والتفسير، ومن الفقرات الصياغة، ومن الكلمات والسطور الأفكار.

تأخذ النحلة من ألوان وأحجام وأنواع مختلفة من “الأزهار”، لتنتج عسلا حلوا صافيا، هكذا يجب أن نكون، لا يهم لون الكتاب أو حجمه أو نوعه، المهم هو ما ننتجه، وما نستفيده، وماهي الثمرة التي تلخص كل الذي مررنا به، هكذا نخرج العقل من الأزمة التي اعترضته بعد أن عانق الكتب وارتمى في أحضانها.

شفيق عنوري

الكاتب:

كاتب وباحث مغربي

عدد المقالات المنشورة: 9.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: احمد محمد 2016/09/17

    السبد كاتب هذا المقال الجيد..
    احييك على طرحك لموضوع نفتقده كثيرا في عالمتا العربي رغمم اننا كنا من مبدعيها..اﻻ
    وهو المتابة والقراءة..فعﻻ الغرب يغترف لجميلنا عليه في هذا الجاتب..قريبا قرأت كتاب لماتب انجليزي يقول اننا الغرب كنا نعيش لقرون تفصلنا حبال بسيطة عن تمبر مكتبة علمية في اﻻندلس حيث اسس العرب مكاتبتت احتوت على اكثر 300000 كتاب وخطوطة..بينما كنا الغرب في تلجهة تىخرى من جبال اسبانيا ام نعرف الكتابة اصﻻ..ولم يكن لدينا كتاب واحد..كانت كتبنا القليلة جدا محروقة على الجلود بينما العرب سبقونا وجلبو الكتابة من الصين وطوروها…
    صديقي العزيز..
    نحن ﻻزلنا ضحايا سنين من اﻻنحطاط وانعدام الثقة بالنفس بعد سنين من اﻻستعمار واﻻستبداد..وسوف لن نعرف التنوير الذي تتكلم عليه والمكون من قراءة واطﻻع يصحبها قدرة وجرأة على تنفيذ ما نؤمن به ونعتقد انه الصحيح…ﻷن القراءة والمعرفة بدون قدرة على التطبيق من خﻻا العمل الجماعي هو فقط اطﻻع يتراكم..قد ﻻيفيد …
    ارى تن تدفع في اتجاه الفكر المستنير وهو:: مهرفة+ قدرة على تنفيذ الحل الصحيح. وهنا يكم سر اختﻻفنا عن الغرب حاليا..وهو انهم يقومون بالفكر المستنير..بينما نقرأ فقط وقليﻻ..ونعجزعن تنفيذ ما نراه صالحا..
    تحياتي.

تعليق واحد