من ليالي ليبيا 

بقلم:

article2-1_2-10-2016

تغلق الليالي بعض اسرار العائلات الليبية في الأحياء التي تقطنها بعد ان تقفل بيوتها للمبيت وبعد ان ترتدي الأحياء السكنية الظلمات لتغوص فيها وتختفي في ظلامها غائبة عن الوجود الحي وعلى ما أغلقت الليالي اسرار العائلات وعلى ما غاصت بيوتهم في ظلمات الليالي فان قوى المعاناة والألم والتعاسة والبؤس تفضح اسرار هذه العائلات رغما عن كتمان الليالي ورغما عن تغييب وتعمية الظلمات لأسرارها.

في ليالي ليبيا يشق صمت الليالي صراخ الرضع الذي يسمع عند المرور في هذه الأحياء السكنية فرضعات امهاتهم لم تعد مشبعة من بعد جوع امهاتهم فالحليب الدسم شح من صدورهن واصبح كفيفا يسيرا على أطفالهن  لفقدهن الغذاء المتوازن الذي يخصب حليبا سائغا للرضع، وبدأت أعدادا من الليبيين تحيي الليالي مستيقظة في بيوتها في حالات مزعجة من الأرق والسهاد والقلق والهم والكآبة لجوع ولفقر ولشح في الاموال ولعجز الآباء عن الإيفاء بحاجات اسرهم ويبدو ذلك واضحا من نوافذ البيوت التي تندلع منها الإضاءة حتى ساعات الفجر او من ظلال افراد هذه الاسر التي تلوح بين الحين والآخر عبر النوافذ المضاءة في بعض هذه البيوت.

في هذه الليالي قد تلبس الحمى بعض الاطفال لبرد او لفيروسات تلهب اجسام الاطفال سخونة تكاد تحرق التفرعات العصبية المتشابكة لأجسامهم ولا يملكن امهاتهم الا تكميدهم بكمادات باردة او دلك اجسامهم بالليمون او الخل مع هلع عاصف يعصف بهن لمرض أطفالهن  والآباء لا يملكون الا الانزواء في زاوية نفسية من زوايا الكآبة يستندون إلى ركن من اركان بيوتهم لازمة معيشية مشتدة قيدتهم إلى حالة من العجز النفسي والعقلي فلا مشافي مجانية لنقل اطفالهم ولآمال من بعد فقر عام لشراء دواء من الصيدليات وفي ناحية من النواحي في ليالي الأحياء الليبية قد تسمعون صراخ زوجة ضاقت ذرعا من زوجها الذي عجز ان يجلب لها الغذاء او الدواء او الكساء من بعد الوقوف ذليلا دون ان يقبض مرتبه امام المصارف التي شحت منها الاموال او تسمعون صراخ زوجة صب عليها انعكاسا زوجها الاحمق جام غضبه ضربا وتقريعا وتقليعا ولم يصب غضبه على من سبب له هذه التعاسة ممن حكم ليبيا  وعند انقطاع الكهرباء يعم الأحياء الظلام وتتحول البيوت الى ما يشبه الكهوف التي تلوح من مربعات نوافذها نيران الشموع ولا يسمع منها الا صراخ الاطفال الذين قطعت عن اعينهم الاضواء من بعد ما استأنست بها لتهب عليها ظلمات الليالي الصادمة لأبصارهم الصغيرة والذين قطع عن اجسامهم الصغيرة الجو اللطيف لأجهزة التكييف في الليالي الحارة فتتصفد بشرتهم النقية الندية عرقا مالحا تتغلغل ملوحته الآكلة في بشرتهم فتهيجها وجعا وعذابا.

في شوارع ليبيا تسود الوحشة ويسكن فيها الهلع وتخلو من الاطمئنان وتحدث المفاجآت المرهبة، حيث  تطوف في ليالي ليبيا حيوانات جائعة من المجرمين بسيارات زجاجها معتم او بغير ذلك تتصيد فرائس ألقى بها قدرها العاثر في هذه الشوارع ممن لديه حالة تتطلب إسعافا طبيا او ممن مرض فخرج يبحث عن دواء لمرضه، في هذه الشوارع قد تجدون آباء ينقلون اطفالهم الى المشافي، من مشفى إلى مشفى ولا يجدون ما يكف عن اطفالهم المرض فيموتون وهم يطوفون بهم من مشفى إلى مشفى وقد تجدون أزواجا ينقلون زوجاتهم في حين المخاض من مشفى إلى مشفى ولا يجدون طبيبا إو مشفى يعمل حتى توضع الزوجة مولودها في الطريق ان كانت من ذوات الحمل السهل او تموت ان كانت من ذوات الحمل العسير او يقع الآباء والأزواج فرائس للحيوانات الجائعة فينهبون منهم سياراتهم  وما يملكون ويتركونهم في الطريق او يقتلونهم بحالاتهم المرضية وحالاتهم المستعجلة وغير ذلك قد ترون رجلا يحاول الا يراه احد ويطوف مواضع قمامة المطاعم والمقاهي ومخلفات اسواق الخضار لعله يغنم منها طعاما لأسرته او تسمعون اطارات سيارة تصرخ لعربيد يعربد بسيارته على الطرقات ينحرف بها يمنا ويسرا او تسمعون دوي قذائف او طرقات مفزعة للرصاص تلقي أصواتها فزعا وروعا في نفوس الاطفال.

محمد علي المبروك

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 122.