أصالة تعانق دمشق.. ما قصة «الكرسي» المصمم لها؟

عادت الفنانة السورية أصالة نصري إلى دمشق بعد غياب تجاوز 15 عامًا، وأحيت مساء الخميس 17 سبتمبر حفلًا غنائيًا في صالة الفيحاء بالعاصمة السورية، في أول ظهور فني لها على مسرح بلدها منذ حفلها الأخير هناك عام 2010، وسط حضور جماهيري وفني واسع، فيما نقل التلفزيون السوري الرسمي فعاليات الأمسية مباشرة.

وحمل الحفل عنوان «عودة الأصالة»، وافتتحت أصالة وصلتها الغنائية بأغنية «سوريا جنة»، قبل أن تقدم مجموعة من أشهر أعمالها على مدى وصلتين، استغرقت كل منهما نحو ساعتين، إلى جانب أعمال من «الألبوم السوري» الذي أطلقته قبل أيام من الحفل، ويضم 14 أغنية مستوحاة من التراث الغنائي لمختلف المحافظات السورية.

وفي بداية الأمسية، بدت أصالة متأثرة باستقبال الجمهور، وقالت: «والله العظيم، حتى هذه اللحظة ما زلت غير مصدقة أنني معكم»، معربة عن اشتياقها للجمهور السوري.

وأضافت أنها حلمت طويلًا بهذا اللقاء، وتمنت أن تأتي عودتها في مرحلة يعيش فيها السوريون «التشافي»، موضحة أن مفهوم التشافي يختلف من شخص إلى آخر، لكنها ترى أنه لا يكتمل من دون الفن والموسيقى واحترامهما.

وشهدت الأمسية حضور عدد من الفنانين والشخصيات الثقافية والإعلامية السورية، بينهم جهاد عبدو، ووفاء موصلي، ويارا صبري، ونوار بلبل، وماهر صليبي، وعضو مجلس الشعب والممثلة روزينا لادقاني، إلى جانب عدد آخر من الضيوف.

وخلال الحفل، كرم وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح أصالة بدرع يحمل رموز المحافظات السورية، وقال إن عودتها تمثل عودة كل سوري صادق وحر إلى وطنه، معبرًا عن فخر سوريا بابنتها التي تركت بصمتها في العالم العربي.

وتعود أصالة، البالغة 57 عامًا، إلى دمشق بعد سنوات من الغياب ارتبطت بموقفها المعلن الرافض لنظام بشار الأسد، الذي سقط في ديسمبر 2024، وفق ما أوردته وسائل إعلام بينها «سكاي نيوز عربية» و«CNN بالعربية».

وتزامنت عودة أصالة إلى دمشق مع استعادة جانب من ذاكرتها العائلية، بعدما تسلمت عود والدها الراحل الفنان والمطرب مصطفى نصري، الذي ظل محفوظًا لأكثر من 13 عامًا بانتظار وصوله إليها.

وبحسب ما أورده موقع «روسيا اليوم»، بدأت قصة العود في 10 أغسطس 2013، عندما وصل إلى تاجر الشرقيات باسل بقبوق عن طريق شخص آخر.

وبعدما عرف بقبوق أن العود يعود إلى مصطفى نصري وأن عمره يقارب مئة عام، قرر الاحتفاظ به وعدم عرضه للبيع إلى حين تسليمه إلى أصالة.

ووضع بقبوق ورقة على العود كتب عليها: «أمانة: يُسلّم عود الفنان الراحل مصطفى نصري ليد ابنته أصالة مصطفى نصري.. المحل حصل عليه يوم 10 أغسطس عام 2013».

وبقيت الورقة معلقة على العود طوال سنوات، إلى أن أعلن بقبوق عبر حسابه على «إنستغرام» عن الأمانة التي يحتفظ بها، بالتزامن مع التحضيرات لحفل أصالة في دمشق، وطلب المساعدة في الوصول إليها أو إلى فريق إدارتها.

وبعد ذلك التقت أصالة بقبوق في مقر إقامتها بأحد فنادق دمشق، حيث سلمها العود بحضور زوجها الشاعر فائق حسن، وابنها خالد الذهبي، ووالدتها عزيزة الحلبي.

وأعربت أصالة عن امتنانها لشقيقها الذي أهدى إليها عود والدهما، وكتبت له: «أخي العزيز، أشكر لطفك وهديتك الغالية جدًا، ولنا لقاء طويل قادم».

ولم تتوقف تفاصيل عودة أصالة إلى دمشق عند الحفل والعود، إذ ظهرت خلال الأمسية على كرسي صمم خصيصًا لها واستوحى تفاصيله من التراث الدمشقي.

وبحسب «CNN بالعربية»، صمم الفنان السوري زاهر سمير الكرسي استجابة لرغبة أصالة في الحصول على قطعة ترتبط بالمدينة التي عادت إليها.

واختار سمير الورد الجوري عنصرًا أساسيًا في التصميم، إلى جانب خشب الجوز الطبيعي والصدف الطبيعي، فيما نحتت الورود الدمشقية وطعمت داخل أجزاء من الكرسي.

وقال سمير إن تنفيذ القطعة استغرق نحو 12 أسبوعًا، وشمل مراحل العمل بالخشب والنحت وتطعيم الصدف والتنجيد، ونفذت القطعة يدويًا.

وأضاف أن الكرسي بالنسبة إليه «أكثر من مجرد قطعة أثاث»، معتبرًا أنه أصبح جزءًا من قصة عودة أصالة إلى دمشق.

وفي كواليس الحفل، التقت أصالة أيضًا الشاب السوري الكفيف محمد عادل، الذي قدم لها زجاجة عطر خاصة ابتكر تركيبتها بنفسه وأطلق عليها اسمها.

وقال عادل لأصالة: «عملت خلطة عطر حسيتها بتلبق لك وسميتها أصالة»، موضحًا أن شقيقه الأوسط ساعده في حفر اسم «أصالة» بشكل بارز على الزجاجة.

وأعربت أصالة عن سعادتها بالهدية، وجربت العطر على الفور، مبدية إعجابها بمكوناته، وقالت: «حلوة كتير وفريش، وفيها برتقال كأنه»، كما أثنت على موهبة الشاب وتواضعه وأكدت دعمها له، وفق ما أورده موقع «روسيا اليوم».

وفي المقابل، أثار الحفل انتقادات من عدد من خطباء المساجد في محافظات سورية، بحسب ما أورده موقع «روسيا اليوم»، إذ تناولت خطب الجمعة إقامة الحفل وأسعار تذاكره وتكريم أصالة ومباركة وزير الثقافة لعودتها إلى دمشق.

وتركز جانب من الانتقادات على الموقف الشرعي من الحفلات الموسيقية والغنائية والاختلاط، فيما ركز جانب آخر على الأولويات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، خصوصًا أوضاع الفقراء والمهجرين في المخيمات والجرحى وعائلات ضحايا الحرب، إلى جانب ملف العدالة الانتقالية وإعادة الحقوق والمنازل إلى أصحابها.

وقال الشيخ محمد نعيم الحريري إنه لا يقتنع بالحديث عن تخصيص جزء من عوائد الحفل للجمعيات الخيرية، مشيرًا إلى أن الأولوية، وفق رؤيته، هي لـ«تذكيرها ونصحها»، كما انتقد الغناء والاختلاط وإحياء هذه الفعاليات واعتبارها مظهرًا من مظاهر التقدم والحضارة.

وفي خطبة أخرى، انتقد خطيب جمعة وزير الثقافة محمد ياسين صالح بسبب توصيف حفل أصالة باعتباره شكلًا من أشكال «انتصار المظلوم على الظالم»، وقال مخاطبًا الوزير: «عار عليك يا وزير الثقافة أن تقول هذا الكلام».

وأضاف أن الانتصار، وفق رؤيته، يكون «بعودة المهجرين»، واستعادة الحقوق، وإعطاء الضحايا مكانتهم، وتطبيق العدالة الانتقالية وإعادة البيوت إلى أصحابها.

كما انتقد الشيخ أبو أحمد الجزائري أسعار تذاكر الحفل، قائلًا إنها تبدأ من 50 دولارًا وتصل إلى 800 دولار، متسائلًا: «أليس أهل المخيمات أولى بهذه الأموال؟ أليس فقراء سوريا أولى بهذه الأموال؟».

وقال الجزائري إن تكريم أصالة بسبب موقفها المؤيد للثورة السورية لا يمثل مشكلة بالنسبة إليه، مضيفًا: «كرّمها، ما في مشكلة»، لكنه اعترض على ربط التكريم بإقامة حفل غنائي، معتبرًا أن الغناء والاختلاط لا يجوزان شرعًا وفق رؤيته.

وانتقد خطباء آخرون إطلاق وصف «أيقونة الثورة» على أصالة، معتبرين أن «الشهداء هم أيقونة الثورة»، وأن من خدم الثورة هو «من بذل دمه، ومن تدمر منزله، ومن فقد ابنه»، داعين إلى وضع الجرحى وعائلات الضحايا والمتضررين في مقدمة الاهتمام.

وتناول بعض الخطباء كذلك تصريحات مرتبطة ببقاء دمشق، إذ رد أحد خطباء المساجد على عبارة وزير الثقافة بشأن بقاء دمشق «إلى يوم القيامة»، قائلًا: «إذا أردنا أن تبقى معنا دمشق إلى يوم القيامة فلنتقِ رب دمشق»، مضيفًا: «فلنطع أمر رب دمشق ولنبتعد عن المنكرات»، قبل الاستشهاد بآية «لئن شكرتم لأزيدنكم».

وبحسب «روسيا اليوم»، أعاد الجدل حول حفل أصالة النقاش بشأن الأولويات التي ينبغي للحكومة الاهتمام بها، إلى جانب النقاش حول الهوية الثقافية للبلاد بين من يتمسكون بقيم مدنية وعلمانية، وآخرين يعترضون على إقامة الحفل من أساسه لأسباب دينية واجتماعية.

وتأتي هذه الانتقادات بعد عودة أصالة إلى المسارح السورية عقب غياب تجاوز 15 عامًا، في وقت حملت فيه الأمسية أبعادًا فنية وعائلية متعددة، من إطلاق «الألبوم السوري» الذي يضم 14 أغنية تراثية تمثل المحافظات السورية الأربع عشرة، إلى استعادة عود والدها الراحل، والظهور على كرسي مستوحى من التراث الدمشقي، وتكريمها من وزير الثقافة.

وبذلك جمعت ليلة «عودة الأصالة» بين الغناء والتكريم الرسمي والذكريات العائلية، فيما فتح الحفل في الوقت نفسه نقاشًا عامًا حول موقع الفن في سوريا وأولويات المرحلة الجديدة، وهي نقاشات نقلتها مصادر مختلفة وتباينت في دوافعها ومواقفها.

اقترح تصحيحاً