إشكالية الحق في الإضراب

د. عيسى بغني

أستاذ جامعي مهتم بالشأن الليبي

حق الإحتجاج أو الإعتراض عن سياسات معينة أو المطالبة بحقوق مشروعة، تكفله القوانين والمواثيق الدولية قبل المحلية، أما أن يكون الإضراب مبرمجا وموجها من الخارج فهي العمالة بعينها، ويتم الإحتجاج ضمن شروط حضارية محددة منها أن يكون سلميا، ولا يضر بممتلكات الخواص أو الدولة، وأن تكون المطالب مشروعة ضمن القوانين المعمول بها.

تاريخياً في المعسكر الشرقي السابق والكثير من الدول العربية الدكتاتورية لم تكن الإضرابات مسموح بها، بل أن المتظاهرين سحقوا في ربيع براغ سنة 1967 وفي ميدان تينامين بالصين وفي جامعة بنغازي وطرابلس سنة 1975م وكذلك في حما بسوريا وأخيرا بالبحرين ونجران بالسعودية وفي مسجد رابعة العدوية بمصر، وهي سمة ملكية الحاكم للأرض ومن عليها ولا صوت إلا صوت القائد الملهم أو الملك: ظل الله على الأرض.

تلك الأنظمة إعتمدت على إقتصاد ريعي وحيد (نفط، سياحة، مساعدات خارجية أو إستعباد في العمل) لتقوم بتوزيع ذلك الريع على المجتمع بحسب مقولة “توزيع الفقر بعدالة” دون عمل أو إنتاج للثروة، أي أن تلك الدول جميعها وعلى رأسها ليبيا تتمثل في أنها مكتب ضمان إجتماعي كبير يقوم بتوزيع عوائد بيع النفط، أي أن مؤسسات الدولة المكتضة بموظفين لا عمل لهم، سوى تقاضي المرتب الشهري بداية من أعضاء مجلس النواب والدولة إلى أصغر غفير يشتغل ليلة في الأسبوع، مرورا بمن يكلف خزينة الدولة ملايين من الدينارات في تكييف المكاتب وتوفير أجهزة الحاسب لتصفح الفيسبوك والسيارات الفارهة لنقل الهوانم وصناعة زحام مفتعل في الشوارع، وملايين فناجيل القهوة لإضاعة الوقت، وبذلك وصلت تكاليف رواتب موظفوا الدولة الليبية إلى أكثر من 25 مليار دينار وهو ما يشكل أكبر من نصف ميزانية الدولة، والنصف الآخر للمحروقات المدعومة، وهذا لا يوجد في أي دولة أخرى سوى ليبيا والعراق.

بالمقابل يقوم النظام الغربي المتحضر على إقتصاد السوق الذي يعتمد على الإنتاج، وبذلك تتخلى الدولة عن كثير من قيودها الإجتماعية، أي أن المؤسسات الحكومية لا يوجد بها بطالة مقنعة وليس من مهامها توفير فرص عمل صورية، وأن القطاع الخاص هو الذي يساهم في إيجاد فرص العمل لأنه قطاع إنتاجي بطبعه، وأن الملاك الوظيفي لا يمكن الخروج عنه وأنه مصمم طبقا لمعدلات الأداء. في هذه الحالة يكون هناك جزء من القوة العاملة عاطل عن العمل (تتكفل الدولة بتوفير الحد الأدنى للمعيشة له) وهو الجزء المستخدم لتحفيز العاملين على أداء عملهم بكفاءة أو تنحيتهم للإنظمام لهذه الكثلة.

الإضرابات في الدول الغربية كثيرا ما تقام لتحسين ظروف العمل أو زيادة المرتب بنسب معقولة، ويتم التفاض بين الحكومة أو الشركة مع مؤسسات ممثلة للمضربين مثل نقابات العمال أو الموظفين أو المدرسين أو الطيران وغيرهم، وقد تنجح المفاوضات وقد تفشل لأسباب إقتصادية، ويتم تسريح ألاف العمال كما حدث لعمال المناجم في بريطانيا والكثير من شركات الطيران والنفط والمصارف من أجل خفض تكاليف التشغيل.

في الوضع الليبي كان هناك مئات الإضرابات والإحتجاجات العنيفة والخارجة عن كل المعايير، وجلها مبرمج من الخارج من أجل كسب الصراع السياسي لصالح وكلائهم بالداخل، منها إستلاء جضران والقبائل المساندة له على حقول النفط وقفلها وإلزام الدولة على خسارة أكثر من مئة مليار دينار، وإحتجاج بعض ابناء القبائل في المنطقة الغربية وقفل حقلي الشرارة والفيل لما يقارب السنتين، وإضراب شباب الواحات وإغلاق الحقول بها، وقفل مجمع راس الأنوف عدة مرات، وإضراب المعلمين البالغ عددهم قرابة نصف مليون وتأخير الدراسة، وإضراب عمال المناولة الأرضية بالمواني وأخرها إضراب غضب الجنوب وقفل حقل الشرارة والفيل ممن أسند له حراسة الحقلين، وحقيقة الأمر (وأنا ممن زار حقل الشرارة) أن تواجد الكتيبة 30 لا يتعدى الثلال المحيطة بالحقل، ولا يزيد عددهم عن عشرات من المسلحين بسيارات دفع رباعية، في حين أن المسجلين يتجاوزون اللألف يتقاضون مرتبات من الدولة، ولم يكن لهم دور حتى لتأمين الطريق بين غات واباري أو غات وسبها، ويتم تزويد الحقل بالمؤن ومواد التشغيل جواً، ولو قاموا بتأمين الطرق بين مدنهم وقراهم وحاربوا التهريب لفرجت مسألة شح السيولة وتوفير الوقود والغاز، ولستطاعت الدولة تقديم خدماتها إليهم.

هذه الإضرابات الناتجة عن ضعف الدولة وإنقسامها تنم عن الكثير من الخبايا التي قد يميط اللثام عنها الزمن، منها أن معظمها مبرمجة من جهات إستخبراتية إقليمية لها أدرع بالداخل، وأن معظم فوضى الحقول النفطية قام بها من يقوم بحراستها عن طريق شراء الدمم والولاءات، وأن الإضرابات الحقة تستوجب تنفيذ معدلات الأداء والملاك الوظيفي للمؤسسة، وأن التشغيل العشوائي لعقود طويلة ومحاربة القطاع الخاص أوجب على الدولة أمور ليس في مقدورها، وحال دون أداء دورها في تنشيط التنمية والإهتمام بالبنية التحتية، بل فاقم كل مؤسساتها من تدني التعليم والصحة والمواصلات والإتصالات.

وما زاد من تفاقم الوضع، حالات ترقيع قانون المرتبات، بداية من تعديل مرتبات أساتدة الجامعات سنة 2005م ثم تعديل مرتبات قطاع النفط سنة 2007م، وزاد الأمر سؤا تشريع المؤتمر الوطني لمرتبات خيالية له في سنة 2012 ونسج على منواله مجلس النواب بمرتبات تزيد عن ستة عشرة ألف دينار شهريا، وبالمثل هيئة الدستور والبلديات، مما جعل الموظف العادي يحس بالغُبن، ليتم جره إلى أي إضراب مقترح.  

والحل الأمثل إصدار قانون عادل جديد للمرتبات، والذي سيشجع على الخروج من هذه المنظومة الرديئة، وإمتلاك زمام الأمور لبعث مشاريع خاصة، فالأرض ميسرة ومسخرة للجميع ولا تحتاج إلا للهمم العالية، حيث يقول العلي الحكيم (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).

خلاصة القول أن الإضراب والإحتجاج في الوضع الحالي إستغلال لضعف الدولة من أجل إدخالها في أتون الفوضي دون طائل، فالخسارة للجميع.