المبادرة الأمريكية لإنهاء الأزمة الليبية.. بين واقعية الطرح وحدود التطبيق

المبادرة الأمريكية لإنهاء الأزمة الليبية.. بين واقعية الطرح وحدود التطبيق

إدريس إحميد

صحفي وباحث سياسي

في ظل تعثر المسارات السياسية التي قادتها الأمم المتحدة، يعود الحراك الأمريكي إلى الواجهة كمحاولة جديدة لإعادة ترتيب الملف الليبي، عبر تحركات دبلوماسية شملت تعيين مسعد بولس، وجيريمي برنت، إلى جانب أدوار دولية موازية. غير أن تقييم هذه المبادرة لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الليبي الممتد منذ ثورة 17 فبراير، والذي يفسّر بوضوح لماذا تعثرت المبادرات السابقة، وما الذي قد يعيق هذه المبادرة أيضًا.

منذ 2011، دخلت ليبيا في مسار معقد اتسم بانهيار مؤسسات الدولة نتيجة طبيعة النظام السابق القائم على الفرد، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، وتعدد مراكز القوة، والقفز إلى الاستحقاقات السياسية دون تهيئة البيئة الدستورية والأمنية. هذه العوامل لم تكن مفاجئة، بل كانت معروفة، ومع ذلك لم تُعالج بشكل جذري، وهو ما أدى إلى تكرار الفشل.

ومن هنا، فإن التذكير بهذه الأسباب ليس ترفًا، بل ضرورة. فالسؤال الحقيقي ليس: ما الذي تقترحه المبادرة الأمريكية؟ بل: هل تتعامل هذه المبادرة مع جذور الأزمة، أم تعيد إنتاج مقاربات سابقة اكتفت بإدارة نتائجها؟

بين التذكير والتجاوز.. أي طريق للحل؟

في خضم الدعوات للبحث عن “الجديد”، يبرز اتجاه يحاول القفز على الماضي، بحجة أن كل شيء أصبح معروفًا. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يتجاهل أن تجاهل الأسباب هو أحد أسباب استمرار الأزمة. فالتجارب لا تُستحضر للبكاء عليها، بل للاستفادة منها.
إن الخوف من تكرار الأخطاء لا يُعالج بالصمت، بل بالمراجعة. فكل المبادرات التي لم تنجح – بما فيها تلك التي قادتها الأمم المتحدة – اصطدمت بنفس الإشكال: غياب التشخيص العميق، والاكتفاء بحلول مؤقتة.

تساؤلات ضرورية.. قبل أي مبادرة

وقبل التعويل على أي مبادرة – بما فيها المبادرة الأمريكية – تفرض جملة من الأسئلة نفسها، ليس للتشكيك، بل للمراجعة الصادقة:

هل هدأت البلاد فعليًا إلى الحد الذي يسمح ببناء وعي مجتمعي حقيقي بأهمية الديمقراطية؟ وهل نحن مستعدون لممارستها، بعد عقود من حكم فردي، ترسخت فيه ثقافة إقصاء الأحزاب وتجريم العمل السياسي المنظم؟

وهل فهمنا بعمق طبيعة الدولة الريعية الأبوية التي تشكّلت عبر السنوات، وأثرها في تشكيل الوعي والسلوك العام، حيث ارتبطت الدولة بالعطاء لا بالمواطنة، وبالولاء لا بالمؤسسات؟ أم أننا ما زلنا نعيد إنتاج نفس الأنماط، وإن اختلفت الشعارات؟

ثم ماذا عن البنية الاجتماعية؟

هل تجاوزنا فعلًا التعصب القبلي والجهوي والمناطقي، أم أننا ما زلنا نحتكم إليه في لحظات الحسم؟ التجربة منذ ثورة 17 فبراير وحتى اليوم تشير إلى أن هذه العوامل لم تتراجع بالقدر الكافي، بل بقيت أحد محددات الصراع.

أما على مستوى النخب، فيبقى السؤال الأكثر حساسية:

هل نجحت القوى التي تصدّرت المشهد – سياسيًا وإعلاميًا – في تقديم مشروع وطني لما بعد 2011؟ أم أن جزءًا منها أخفق في الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع بناء الدولة، وساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تعثر المسار؟

لكن الأهم من ذلك كله:

هل يمكن اختزال الأزمة في “فشل أشخاص” فقط، أم أنها أعمق من ذلك، وترتبط بغياب بيئة كاملة – سياسية ومؤسساتية وثقافية – تُمكّن أي نخبة من النجاح؟

إن هذه التساؤلات لا تهدف إلى الإدانة، بقدر ما تسعى إلى وضع النقاش في إطاره الحقيقي:

الأزمة الليبية ليست أزمة نوايا فقط، بل أزمة وعي، وبنية، وتجربة لم تكتمل شروطها.

الديمقراطية بين الشعار والممارسة

في المقابل، برزت أطراف رفعت شعارات الديمقراطية، لكنها في الواقع استخدمتها كأداة للهيمنة على المشهد، ومارست الإقصاء، ونصّبت نفسها وصية على الليبيين. وهنا يطرح السؤال: هل المشكلة في الديمقراطية، أم في غياب شروطها؟

لقد تحولت الانتخابات، من المؤتمر الوطني العام 2012 إلى مجلس النواب 2014، ثم تعثر انتخابات 24 ديسمبر 2021، إلى محطات خلاف بدل أن تكون مسارًا تراكميًا لبناء الدولة. والسبب ليس في فكرة الانتخابات، بل في غياب بيئة دستورية وأمنية تضمن نزاهتها وقبول نتائجها.

الأمن أولًا.. أم السياسة؟

في هذا السياق، يبرز جدل ترتيب الأولويات. فهناك من يرى أن بسط الأمن هو المدخل الأساسي لأي حل، خاصة في ظل وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة، بينما يرى آخرون أن المسار السياسي هو الطريق لتوحيد المؤسسات.

ولا يمكن تجاهل أن بعض الأطراف الفاعلة على الأرض، مثل القيادة العامة للجيش الليبي، استطاعت فرض الأمن و الاستقرار وإنجاز التنمية في مناطق واسعة، وهو ما يعزز طرح “الأمن أولًا”، على الأقل كمرحلة تمهيدية لأي مسار سياسي جاد.

الأمم المتحدة.. إدارة الأزمة لا حلها

رغم الجهود المتواصلة التي بذلتها الأمم المتحدة، فإن المسار الأممي اتسم في كثير من الأحيان بإدارة الأزمة بدل حلها. فقد تم الدفع نحو حوارات جمعت أطرافًا متناقضة، دون وجود آليات حقيقية لإلزامها، في ظل غياب أحزاب سياسية فاعلة، وضعف التمثيل الحقيقي للمجتمع.
كما أن الانقسام داخل مجلس الأمن الدولي، وتضارب المصالح الدولية، حال دون فرض قرارات ملزمة، خاصة فيما يتعلق بجمع السلاح وتوحيد المؤسسات.

المبادرة الأمريكية.. اختبار الجدية

في هذا السياق المعقد، تأتي المبادرة الأمريكية كمحاولة لإعادة تموضع في الملف الليبي، في ظل تنافس دولي يشمل روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وتغيرات في أولويات السياسة الأمريكية.

غير أن نجاح هذه المبادرة لن يُقاس بقدرتها على طرح أفكار جديدة فقط، بل بمدى استعدادها لاستخدام أدوات ضغط حقيقية، والتمييز بين الأطراف القادرة على الحل، وتلك التي لا تملك سوى القدرة على التعطيل.

فالتجربة الليبية أثبتت أن الاستماع إلى نفس الأطراف التي أدارت المشهد طوال 15 عامًا، دون مراجعة لمدى تمثيلها الحقيقي، هو أحد أسباب الفشل.

الخلاصة

إن الأزمة الليبية ليست أزمة مبادرات، بل أزمة أسباب لم تُعالج. ولذلك، فإن التذكير بها ليس عائقًا أمام الحل، بل شرط أساسي له.
فالتجاوز الحقيقي لا يكون بنسيان الماضي، بل بفهمه. والتشخيص الصادق هو الخطوة الأولى نحو إنهاء أزمة طال أمدها.

وبين مبادرة أمريكية تبحث عن موطئ قدم، وواقع ليبي معقد، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل نحن أمام تحول حقيقي في مسار الحل… أم حلقة جديدة في سلسلة من المحاولات التي لم تغيّر سوى عناوينها؟

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

إدريس إحميد

صحفي وباحث سياسي