ارتفعت حصيلة قتلى الهجوم المسلح الذي استهدف مشيّعين داخل كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن إلى 8 أشخاص، بعد وفاة إحدى المصابات متأثرةً بجروحها، فيما تواصل الأجهزة الأمنية التحقيقات وعمليات البحث والمداهمة لتعقّب المشتبه في تورطهم بالهجوم، الذي أثار إدانات عربية، بينها مواقف من السعودية ومصر وشيخ الأزهر.
وقال وزير الصحة الأردني إبراهيم البدور إن 27 مصابًا لا يزالون يتلقون العلاج في المستشفيات، من بين نحو 40 جريحًا أُصيبوا عندما فتح مسلحون النار على المشاركين في مراسم جنازة داخل الكنيسة، الجمعة.
وكانت مديرية الأمن العام الأردنية قد أعلنت في وقت سابق مقتل 7 أشخاص وإصابة 34 آخرين، فيما أفادت تقارير أولية سابقة بمقتل 6 أشخاص وإصابة 28، قبل ارتفاع الحصيلة إلى 8 قتلى مع وفاة إحدى المصابات، واستمرار علاج 27 جريحًا في المستشفيات.
وأكد مدير الأمن العام الأردني عبد الله المعايطة، خلال مؤتمر صحفي في الكرك بحضور وزير الداخلية مازن الفراية، استمرار التحقيقات وعمليات البحث عن المنفذين، موضحًا أن تحديد وجود صلات بينهم وبين جماعات معروفة داخل الأردن أو خارجه لا يزال سابقًا لأوانه.
ووصف المسؤولون الأردنيون الهجوم بأنه عمل إرهابي نفذته مجموعة من المتطرفين، من دون الإعلان عن انتماء تنظيمي محدد للمشتبه فيهم، فيما نقلت قناة «المملكة» الأردنية عن مصدر قوله إن منفذي الهجوم من ذوي «الخلفية التكفيرية».
وقال وزير الداخلية الأردني مازن الفراية إن السلطات تتعامل مع «عملية إرهابية نفذتها مجموعة من المتطرفين أقدموا على عمل فظيع»، مضيفًا أن الحادثة غير مسبوقة في تاريخ الأردن، ومشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية تمتلك أسماء أشخاص يُشتبه في تورطهم بإطلاق النار على كنيسة حمود.
وأكد المتحدث باسم الحكومة الأردنية أن الأجهزة الأمنية تلاحق كل من يثبت تورطه في التخطيط للهجوم أو تنفيذه أو تمويله أو تسهيل ارتكابه.
وفي أعقاب الهجوم، قال رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان، في منشور على منصة «إكس»، إن ما حدث يعكس «الفكر التكفيري الإرهابي» و«التطرف الأعمى»، مؤكدًا رفض الحكومة السماح بانتشار هذا النهج في المجتمع.
وأعلنت الحكومة الأردنية الحداد العام في المملكة لمدة 3 أيام اعتبارًا من الجمعة، مع تنكيس الأعلام فوق المباني الحكومية والمؤسسات العامة.
وزار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني محافظة الكرك عقب الهجوم، متوعدًا بمحاسبة المسؤولين عنه، ومؤكدًا أن الدولة ستواجه كل من يستهدف أمن الأردن ووحدة مجتمعه، كما تفقد المصابين الذين يتلقون العلاج في مستشفى الكرك الحكومي، مرتديًا الزي العسكري، وفق ما أوردته وسائل إعلام.
وقال الملك عبد الله الثاني، في منشور على منصة «إكس»: «من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا»، مؤكدًا أن المملكة ستواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات.
وعلى الصعيد العربي، أدانت وزارة الخارجية السعودية الهجوم، واصفةً إياه بـ«الإرهابي الجبان»، ومستنكرةً استهداف الكنيسة في محافظة الكرك، الذي أسفر عن مقتل وإصابة عدد من الأبرياء.
وقالت الوزارة، في بيان، إن المملكة تدين وتستنكر بأشد العبارات العمل الإرهابي، مؤكدةً تضامنها مع الأردن حكومةً وشعبًا، ورفضها جميع الأعمال الإرهابية التي تستهدف أمن المملكة واستقرارها.
كما قدمت السعودية خالص التعازي والمواساة إلى ذوي الضحايا والحكومة والشعب الأردني، معربةً عن تمنياتها للمملكة وشعبها بالأمن والسلامة.
من جانبه، أدان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الهجوم، معربًا عن تعازيه للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والشعب الأردني، ومؤكدًا تضامن مصر مع المملكة في مواجهة الإرهاب.
وقال السيسي، في تدوينة نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي عقب الهجوم، الجمعة: «أتوجه بخالص التعازي وصادق المواساة لجلالة الملك عبد الله الثاني وشعب المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة في ضحايا الهجوم الإرهابي الغادر على إحدى الكنائس بمحافظة الكرك».
وأضاف الرئيس المصري: «وإذ أعرب عن إدانة مصر الكاملة لهذه الأعمال الدنيئة التي تتنافى مع كافة القيم الإنسانية، فإنني أؤكد وقوف مصر بجانب الأردن الشقيق في مواجهة هذا الحادث الآثم، وكافة صور العنف والإرهاب».
بدوره، أدان شيخ الأزهر أحمد الطيب الهجوم، معربًا عن تضامنه مع الأردن وتعازيه لأسر الضحايا، وداعيًا إلى الشفاء العاجل للمصابين.
وقال الطيب، في رسالة نشرها عبر حسابه على منصة «فيسبوك» مساء الجمعة، إن «قلوبنا مع أهلنا في المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة؛ إزاء ما تعرضت له إحدى الكنائس في محافظة الكرك من اعتداء إرهابي آثم استهدف الأبرياء الآمنين».
وأكد شيخ الأزهر أن الجريمة تتنافى مع تعاليم الأديان السماوية، وتكشف، وفق تعبيره، عن تجرد مرتكبيها من معاني الرحمة والإنسانية والأخلاق، داعيًا الله أن يحفظ الأردن وشعبه، وأن يديم على الأردن ومصر نعمة الأمن والسلام والاستقرار.
وبحسب معلومات نشرتها «الجزيرة نت»، نقلًا عن مصادر خاصة وشاهد عيان، شارك في تنفيذ الهجوم 3 مسلحين، كان أحدهم ملثمًا ويحمل بندقية من طراز كلاشينكوف، بينما حمل الآخران مسدسين، وكان أحدهما يحمل حقيبة على ظهره.
وذكرت المعلومات أن المسلحين وصلوا إلى محيط الكنيسة على متن مركبة من نوع «بيك آب» زرقاء، وأطلقوا النار باتجاه المشيّعين قرب المدخل الرئيسي، حيث سقط الضحايا، وفق الرواية المنشورة.
وأفاد شاهد عيان بأن إطلاق النار وقع قرابة الساعة الثانية بعد الظهر، بعد نحو 10 دقائق من وصول جثمان السيدة مثال الهلسا، المعروفة باسم «أم ليث»، إلى ساحة الكنيسة.
وأضافت الرواية أن المسلحين واصلوا إطلاق النار خلال الهجوم، وأن بعض المصابين الذين سقطوا أرضًا تعرضوا لإطلاق النار مجددًا، فيما لم تعلن السلطات تفاصيل رسمية تؤكد جميع الجزئيات المتعلقة بطريقة تنفيذ العملية.
وفي موازاة التحقيقات، أفادت معلومات ميدانية بأن الأجهزة الأمنية تنفذ مداهمات وعمليات تفتيش في عدد من قرى محافظة الكرك، خصوصًا في منطقة مؤتة، ضمن جهود تعقّب المشتبه في صلتهم بالهجوم.
وتداولت أوساط محلية معلومات عن انحدار المشتبه فيهم من قرية واحدة وانتمائهم إلى عشيرة واحدة، لكن السلطات لم تؤكد هذه المعلومات ولم تعلن أسماءهم.
كما تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي منشورًا منسوبًا إلى شقيقي أحد المشتبه فيهم، أعلنا فيه استنكارهما للهجوم وتبرؤهما من الفعل الذي استهدف أبناء قرية حمود، بمن فيهم جيرانهم المسيحيون.
ولم تقدم السلطات تفسيرًا رسميًا بشأن وجود تأخير في تنفيذ بعض المداهمات أو أسبابه، بينما أثارت تقارير تناولت العملية احتمال ارتباط التريث في بعض التحركات بمخاطر المواجهة مع مسلحين داخل مناطق سكنية، وهي فرضية لم تؤكدها الجهات الأمنية بوصفها سببًا مباشرًا لتوقيت العمليات الحالية.
وتستحضر هذه المخاوف مواجهات أمنية سابقة في الأردن، أبرزها أحداث قرية قريفلا بمحافظة الكرك عام 2016، ومداهمة مدينة السلط عام 2018، والعملية الأمنية في محافظة معان عام 2022، التي شهدت سقوط قتلى وجرحى من أفراد الأجهزة الأمنية.
ففي ديسمبر 2016، نفذت الأجهزة الأمنية عملية في قرية قريفلا عقب هجمات قلعة الكرك، بعدما اشتبهت في ارتباط أحد المطلوبين بالخلية التي نفذت الهجمات، وتطورت العملية إلى اشتباكات أسفرت عن مقتل 4 من أفراد الأجهزة الأمنية، بينهم 3 من قوات الدرك، وفق المعلومات الواردة عن الحادثة.
وفي أغسطس 2018، استهدفت عملية أمنية في مدينة السلط خلية مرتبطة بتفجير عبوة ناسفة قرب دورية أمنية، وخلال مداهمة مبنى تحصّن فيه مطلوبون، وقع انفجار بعدما تبيّن أن المبنى مفخخ، ما أدى إلى مقتل 4 من أفراد الأجهزة الأمنية وإصابة 21 شخصًا، بينهم عناصر أمنية.
أما في ديسمبر 2022، فشهدت محافظة معان عملية أمنية عقب مقتل نائب مدير شرطة معان، العقيد عبد الرزاق الدلابيح، إثر إصابته بعيار ناري في الرأس خلال التعامل مع أعمال شغب وإغلاق طرق في منطقة الحسينية، وأعلنت مديرية الأمن العام لاحقًا مقتل المشتبه فيه خلال مداهمة أسفرت أيضًا عن مقتل 3 من أفراد الأجهزة الأمنية وإصابة 5 آخرين.
وعلى الصعيد الدولي، أعلنت السفارة الأمريكية في عمّان أنها تتابع تداعيات الهجوم عن كثب، مشيرةً إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول مراكز التسوق والسفارات الأجنبية ومواقع أخرى في العاصمة.
ودعت السفارة المواطنين الأمريكيين إلى توقع انتشار أمني مكثف في مناطق مختلفة من الأردن، والتحلي بالحذر ومتابعة الإعلانات الرسمية الصادرة عن السلطات الأردنية، ولا سيما مديرية الأمن العام، عبر حسابها على منصة «إكس»، مؤكدةً أنها ستواصل تقييم الوضع وستصدر معلومات إضافية عند الحاجة.
ويشكل المسيحيون أقلية في الأردن، الذي يضم مواقع دينية تستقطب الحجاج من أنحاء العالم، وتتميز محافظة الكرك بتنوع ديني واجتماعي، إذ تعيش فيها غالبية مسلمة إلى جانب مكوّن مسيحي تربطه ببقية السكان علاقات تاريخية من التعايش.
وأعاد الهجوم تسليط الضوء على تحديات ملاحقة الجماعات المسلحة وأهمية الحفاظ على الأمن والسلم المجتمعي في المملكة، وسط تأكيدات رسمية أردنية وعربية على رفض الإرهاب واستهداف المدنيين.





