التعليم الديني ومحاولات إيقافه المتكررة.. إصلاح أم انتكاسة؟

الفيتوري شعيب

كاتب وباحث شرعي

إن المتتبع لمراحل تَكَوُّنِ وتَطوّرِ التعليم الديني في العالم الإسلامي يدرك تمام الإدراك بأنه تراث تناقلته الأجيال وحافظة عليه بصور وأشكال مختلفة عبر مئات السنين، سواء أكان تعليماً شعبياً عبر الكتاتيب والزوايا القرآنية التي هي منشأ تكوينه الأول، أو كان بصفة رسمية متمثلة في المعاهد والجامعات الأهلية أو حتى الحكومية، حتى صار إلى التعليم النظامي في مراحل مختلفة ابتداء من المرحلة الأساسية ومروراً بالمرحلة الجامعية حتى الدراسات العليا، وذلك في أغلب الأوطان الإسلامية والعربية، بل وحتى الأوربية ليكون عماداً من عمادات التعليم ككل في جميع مراحله.

غير أن ما يُعكر صفو هذا التعليم هو محاولة إيقافه المتكررة، بحجة إصلاحه تارةً، وتنظيمه وتطويره تارةً أخرى، ليس آخرها ما حدث لمركز تكوين العلماء في موريتانيا عندما أغلق مؤخراً بحجج لا تستقيم، وكذلك محاولة إيقاف التعليم الديني الأساسي في ليبيا من قبل وزارة التعليم في الدولة بحجة التنظيم والإصلاح، ليجعلنا نقف وقفات استقرائية تحليلية للتعليم الديني وتأثير دعوى الإصلاح والتنظيم عليه عبر العصور والأزمان، حيث أن دعوى التنظيم لا تنفك على كل من أراد إيقاف شيء معين، حيث يمهد له بكلمة الإصلاح أو التنظيم، وخاصة إذا كان الإيقاف ليس مقبولاً من أوساط شعبية كثيرة، والتاريخ خير شاهد على ذلك، حيث لجأت كثير من الدول إلى تأميم معاهد التعليم الديني في فترة من الفترات بدعوى التطوير والتنظيم، فما استقر لها شأن بعد ذلك إلا بإقفالها أو إلغائها.

واليوم يراد لهذا التعليم أن يندثر أو حتى يُقلّص في كثير من الأوطان العربية، والتي تسابقت في ذلك، حيث قُلِّص في بعض البلدان منذ القرن الماضي بنسبة لا تقل عن 60 في المائة للمرحلة الثانوية و50 في المائة للمرحلة الإعدادية، ناهيك عن تهميش التعليم الجامعي الديني في كثير من الأحيان، والذي يدور غالباً في دائرة الإقفال بين الفينة والأخرى.

دواعي الإلغاء قديماً وحديثاً بين الاتهام والحقيقة

تشابهت دواعي الإلغاء في كثير من وجوهها عربياً بل وحتى عالمياً قديماً وحديثاً، حيث ألصق بالتعليم الديني في كثير من الأحيان تُهم هي عار على الحقيقة وعلى كل منصف، ليس أقلها “الإرهاب”، غير أن الواقع يُكذّب هذه التهم، حيث أنه كلما اندثر أو ضعف التعليم الديني في منطقة كلما زاد التطرف والغلو فيها، وهذه التهم لا تعدو كونها قديمة متجددة كلما دعت الحاجة إليها، حيث أن التعليم الديني كان له فضل كبير على سائر البلدان العربية والإسلامية، وذلك عندما لعبت الزوايا والكتاتيب دورًا كبيرًا بل ومحورياً في طرد الاستعمار الإسباني والإيطالي والفرنسي من دول المغرب العربي، وكذلك حافظة على التعليم الديني بل واللغة العربية التي أراد الاستعمار وأدها بكل الأساليب والطرق، حيث أصدر الاستعمار الفرنسي مثلاً قانوناً يحظر تدريس اللغة العربية، وكل من يُدرِسُها يتم سجنه، وذلك في كل مناطق نفوذه في تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، ولم يكن لهذا الإجراء من رادع  غير التعليم الديني المتبع في القرى والمناطق في تلك الدول، فحافظة عليها وعلى العلوم الشرعية المختلفة، تعليماً وحفظاً حتى تناقلتها الأجيال كابراً عن كابر، ليتنكر لها الكثير بعد ذلك بصور وأشكال مختلفة ليس أقلها بالوصف أنها لا تسير مع الحداثة!.

وأما في ليبيا التي أصدرت وزارة التعليم فيها مؤخراً تعميماً بإيقاف التعليم الديني الأساسي الذي أُعيد فتحه بعد ثورة فبراير بدعوى إصلاحه نسيت تلك الوزارة ومن سار على نهجها أن هذا التعليم كان له دور كبير في محاربة الاستعمار الإيطالي والتصدي له، حيث كان جُلُّ قادة المدافعين عن الأرض الليبية في ذلك الوقت من أهل الزوايا والكتاتيب القرآنية، بل استطاع هذا التعليم الشعبي آنذاك أن يحافظ على الشخصية العربية الإسلامية بالرغم من المحاولات المتكررة التي تريد سلخها منه واستبدالها بهوية المستعمر، إلا أن التعليم الديني كان له بالمرصاد. واليوم بدل أن يُكرم بإنشاء المعاهد الدينية المتطورة والجامعات الراقية، وكذلك تشجيع الطلاب على الدراسة فيه نراهم يسعون لإيقافه بحجج في كثير من الأحيان لا تستقيم، لنقف عند ذلك في وقفات:

الوقفة الأولى: قيل إن التعليم الديني الأساسي في ليبيا لا توجد له لائحة تنظيمه تنظم عمله. وهذا في ظاهره مقبول بل مطلوب، غير أن ذلك يوجب الإصلاح والتنظيم لا الإيقاف، ثم إن اللائحة لا تعدوا كونها قانوناً ينظم العمل لا أكثر، والأصل هو القرار المنشئ الصادر من السلطة التشريعية في البلاد سابقاً، فكيف يُغلب الفرع على الأصل، حيث أن القاعدة تقول: “الأصل بقاء ما كان على ما كان” حتى يصار إلى اللائحة إيجاداً أو تنظيماً.

الوقفة الثانية: “قيل: إن من أسباب الإيقاف قلة الطلاب في هذا التعليم”، غير أنهم لم ينتبهوا بأن هذا موطن الداء والدواء، حيث أننا لو سلمنا جدلاً بأن العدد قليل فهل هذا يوجب إيقافه؟! أم أن الأصح والأصلح تنظيمه وتأطيره، لآن القلة في العدد لا تعني الإلغاء أبداً، بل إن القلة هي التي ستُعلم وتخدم الكثرة في شتى أنواع العلوم والحياة. وإلا لكان الإلغاء لكثير من الأقسام بل والكليات تحت هذه الدعوى!.

الوقفة الثالثة: وهي عبارة عن “نصيحة” لمن يعتلون مناصب الدولة اليوم، بأن لا يجعلوا إيقاف شموع المنارات الدينية على أيديهم بغض النظر من المنطلق الذي ينطلقون من خلاله تنظيماً أو إصلاحاً، حتى لا يحملون وزر أجيال متلاحقة تحرم من هذا التعليم أولاً، وحتى لا يكون ذريعة يتخذها من يأتي بعدهم شماعة للإلغاء ثانياً. هذا والله من وراء القصد والموفق لهداه.

2
اترك تعليق

2 مجموع التعليقات
0 عدد الردود
0 المتابِعون
 
أكثر التعليقات تفاعلا
أكثر التعليقات شعبية
2 المعلقون
  اشتراك  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
سائل

ربما كنت سأيد ما تقول منذ عقد او عقدين من الزمان، لكن كثرة التنظيمات الاسلامية، وتباين مناهجها، يجعل من الصعب ترك هذا الامر دون ضوابط. كل جماعة اسلامية ترى نفسها على حق وكل ما يصدر عن الاخرين باطل، وهذا يساهم في فتق نسيج المجتمعات حتى تعجز كل انظمة الاصلاح على رتقها.
نحن لا ندي الان من يقوم بتلقين ابنائنا في ساحات المساجد التي اصبحت حكر على جماعة دون غيرها. وخطب الجمع اصبحت تنفر السامعين للاسف.

غيور على الاسلام

ياسيدي :التعليم الديني اساسي للمحافظة على هوية الامة. لكن : 1) يجب ان يكون التعليم الديني على المستوى الجامعي حيث يكون المتعلم قد بلغ سن الرشد وهو يعي ما يدرس ويقول. 2) يجب منع التعليم الديني المتوسط ( بعد الاعدادية. لأن ذلك يشكل جريمة في حق الطفل بادخاله في مسار قد لايرغبه وهو كبير). 3) ان يشمل برنامج التعليم الديني الجامعي على 50% علوم دينية + 50% علوم ثقافية في شؤون المجتمع : علم نفس، علم اجتماع، تاريخ، سياسة، اقتصاد / حتى يعرف الطالب مشكلات المجتمع ودوافع السلوك البشري وتوظيف الدين في حل المشكلات الفردية والاجتماعية. 4) التركيز في المنهج… قراءة المزيد ..