قراءة في موجة الاستعداد الدولية، وهشاشة المواطن الليبي، ومدى جاهزية الدولة
لم يعد الاستعداد للأزمات شأنًا عسكريًا محضًا، ولا ملفًا مؤجلًا إلى حين وقوع الكارثة. فخلال السنوات الأخيرة انتقلت دول كثيرة من منطق الاعتماد الكامل على انتظام الأسواق والخدمات إلى بناء قدر من الاكتفاء المؤقت، سواء على مستوى الدولة من خلال مخزونات الحبوب والأدوية والوقود، أو على مستوى الأسرة من خلال الاحتفاظ بالماء والغذاء والدواء ووسائل الاتصال لعدة أيام.
وفي مسح أولي أُعدّ لهذه القراءة، أمكن توثيق إجراءات أو إرشادات معلنة في 27 دولة على الأقل، شملت الولايات المتحدة وكندا والصين وروسيا واليابان ونيوزيلندا، وأربع عشرة دولة أوروبية، إضافة إلى تركيا وإندونيسيا وماليزيا والإمارات وقطر والكويت ومصر. وهذه ليست إحصائية دولية نهائية؛ إذ لا توجد قاعدة أممية موحدة تحصي جميع خطط الاستعداد الأسري والمخزونات الاستراتيجية، كما أن الإجراءات تختلف من دولة إلى أخرى من حيث تاريخها وطبيعتها ومدتها.
في الولايات المتحدة وكندا والصين وروسيا وفرنسا وهولندا وفنلندا والدنمارك وتركيا وإندونيسيا وماليزيا، تدور التوصية الأساسية حول امتلاك مؤونة تكفي ثلاثة أيام أو 72 ساعة. وترفع النرويج والسويد وإستونيا المدة إلى أسبوع تقريبًا، بينما توصي ألمانيا بالاستعداد لعشرة أيام. وتجمع اليابان بين حد أدنى لثلاثة أيام وهدف أفضل يمتد إلى أسبوع، في حين يتضمن الدليل الإماراتي نموذجًا لمخزون غذائي منزلي لمدة أسبوعين، ويعرض الدليل القطري استعدادات موسعة للماء والدواء والطوارئ المنزلية.
ولا تقتصر هذه التوصيات على الحبوب والماء؛ بل تشمل الأدوية الضرورية، والراديو العامل بالبطاريات، والمصباح، والنقود، والوثائق، ومصدرًا احتياطيًا للطاقة وخطة للتواصل والإخلاء. والغاية أن تتمكن الأسرة من إدارة أيام الأزمة الأولى عندما تنشغل أجهزة الدولة بالمستشفيات والمرافق الحيوية والفئات الأشد حاجة. فالولايات المتحدة، مثلًا، تواصل منذ عام 2004 حملة سنوية للاستعداد، وأعادت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية إطلاقها في سبتمبر 2026 تحت شعار يدعو الأسر إلى إعداد خطة وحقيبة طوارئ تدريجيًا.
أما أوروبا، فقد نقلت المسألة إلى مستوى استراتيجي أكثر وضوحًا. ففي مارس 2025 تبنى الاتحاد الأوروبي استراتيجية للاستعداد تتضمن العمل على بلوغ حد أدنى من الاكتفاء السكاني لمدة 72 ساعة، إلى جانب حماية المستشفيات والمدارس والنقل والاتصالات، وتعزيز المخزونات والتعاون المدني والعسكري. وقد ربطت الوثائق الأوروبية ذلك بالحروب والتوترات الجيوسياسية والهجمات السيبرانية وتخريب البنية الأساسية والأوبئة والكوارث المناخية.
ومع ذلك، لا تعني هذه الإجراءات أن العالم يواجه حاليًا نفادًا عامًا في الحبوب. فقد قدرت منظمة الأغذية والزراعة إنتاج الحبوب العالمي لعام 2026 بنحو 2.979 مليار طن، وهو ثاني أكبر محصول مسجل، وتوقعت وصول المخزونات العالمية إلى نحو 950 مليون طن. لكن المنظمة توقعت في الوقت نفسه تراجع التجارة العالمية في الحبوب بنحو 3.5%، وأشارت إلى اضطراب مسارات البحر الأسود وارتفاع تكاليف الشحن وعدم اليقين المناخي. وهذا يوضح حقيقة مهمة: الخطر ليس دائمًا في غياب الغذاء عالميًا، وإنما في تعذر وصوله إلى الدولة المستوردة في الوقت والسعر المناسبين.
ماذا فعلت الدول العربية والإسلامية؟
في العالم العربي، يبدو أن التركيز الأكبر ما زال على المخزون الحكومي أكثر من الاستعداد الأسري. ففي أكتوبر 2026 ناقشت دول مجلس التعاون الخليجي المخرج النهائي لدراسة إنشاء مناطق مشتركة للخزن الاستراتيجي تضم الغذاء والأدوية والاحتياجات الأساسية، مع ربطها بالموانئ والطرق والسكك الحديدية ومراكز التوزيع. وتستهدف الدراسة ضمان سرعة انتقال الإمدادات بين دول المجلس عند اضطراب التجارة أو الملاحة الدولية. إلا أن الثابت حتى الآن هو تقدم الدراسة والتنسيق، وليس اكتمال إنشاء المنظومة.
وفي مصر أعلنت وزارة التموين في أكتوبر 2026 أن متوسط الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية يبلغ نحو ستة أشهر، مع رفع الطاقة التخزينية للصوامع من 1.2 مليون طن عام 2014 إلى 4.4 ملايين طن عام 2026، واستهداف ستة ملايين طن بحلول 2030. كما أنشأت ثلاثة مستودعات استراتيجية جديدة في الفيوم والسويس والأقصر.
وفي تركيا توصي هيئة إدارة الكوارث والطوارئ بحقيبة تتضمن الغذاء والماء والدواء والاتصال لثلاثة أيام على الأقل، وهو الاتجاه نفسه الذي تتبعه إندونيسيا وماليزيا. أما الإمارات وقطر والكويت فلديها أدلة رسمية تتناول حقيبة الطوارئ، والملاجئ المنزلية، وانقطاع الكهرباء، وطوارئ الحروب والكوارث، وإن تفاوتت في التفاصيل ومدد التخزين.
إذن نحن أمام توجه عالمي يمكن ملاحظته، لكنه ليس خطة موحدة لمواجهة حرب عالمية محددة، ولا دليلًا على امتلاك الحكومات موعدًا سريًا لحدث قادم. إنه انتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى افتراض أن الكهرباء والماء والاتصالات والموانئ والدفع الإلكتروني قد تتعطل معًا؛ بسبب حرب أو تخريب أو هجوم سيبراني أو كارثة طبيعية أو وباء أو اضطراب في التجارة.
أين تقف ليبيا؟
يصبح السؤال أكثر خطورة في ليبيا؛ لأنها دولة شديدة الاعتماد على الخارج في غذائها، وتعتمد قدرتها على الاستيراد بدرجة كبيرة على استمرار إنتاج النفط وتوافر النقد الأجنبي وعمل الموانئ والمصارف.
تتوقع منظمة الأغذية والزراعة أن يبلغ إنتاج ليبيا من الحبوب في 2026 نحو 150 ألف طن فقط، أي أقل بنحو 20% من متوسط السنوات الخمس السابقة، بينما يُتوقع أن تحتاج البلاد خلال الموسم 2026/2027 إلى استيراد نحو 3.3 ملايين طن من الحبوب، منها 1.5 مليون طن من القمح. كما سجل تضخم الغذاء ارتفاعًا بنحو 18% على أساس سنوي في مايو 2026، وربطت المنظمة ذلك بتراجع قيمة الدينار وارتفاع تكلفة الأغذية المستوردة.
وتزداد الهشاشة مع تخفيض قيمة الدينار بنسبة 13.3% في أبريل 2025، ثم بنسبة 14.7% أخرى في يناير 2026. وفي 29 أكتوبر 2026 بلغ متوسط السعر الرسمي للدولار نحو 6.43 دنانير. ويعني ذلك أن كل اضطراب خارجي في القمح أو الشحن أو النقد الأجنبي ينتقل بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى مائدة المواطن.
ولا يقل ملف الماء خطورة عن الغذاء. فليبيا من أشد دول العالم ندرةً في المياه، وتعتمد في أكثر من 90% من إمداداتها على مياه جوفية غير متجددة. وقد اعتمدت الدولة في أبريل 2026 الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي حتى عام 2050، وهي خطوة مهمة، لكن نجاحها يتوقف على التنفيذ والاستثمار وصيانة الشبكات وتقليل الفاقد. كما أن النهر الصناعي وحده يوفر قرابة 60% من احتياجات البلاد من المياه العذبة، وهو ما يجعل تعطل خطوطه أو الكهرباء المرتبطة بها خطرًا وطنيًا يتجاوز حدود أزمة الخدمات العادية.
هل اتخذت الدولة الليبية إجراءات؟
توجد تحركات لا ينبغي تجاهلها. فقد أطلقت ليبيا في 2026 مشروعًا لتطوير نموذج وطني للاستجابة السريعة في قطاع الأمن الغذائي، وأُعلنت خارطة طريق وطنية للإنذار المبكر، وأنشئت لجنة للطوارئ الدوائية، وصدر دليل لإدارة مخزون الأدوية وتتبعها. كما قُدم مشروع قانون للأمن الغذائي والدوائي يتضمن تنظيم الاحتياطيات الاستراتيجية، وتحديد الحد الأدنى للمخزون ومدد التغطية وآليات التدوير.
ويجري كذلك تنفيذ مشروع صوامع الحبوب في ميناء جليانة بسعة مستهدفة تبلغ 200 ألف طن، إضافة إلى مشروعات لرفع سعات تخزين المحروقات. غير أن صوامع جليانة لم تدخل مرحلة التشغيل الكامل بعد، ومشروع قانون الأمن الغذائي والدوائي ما زال مشروعًا مقدمًا بحسب الخبر المنشور، بينما سبق لشركة البريقة أن أقرت بفقدان جزء من سعاتها التخزينية وبوجود فجوة بين احتياجات السوق وبعض شحنات الوقود المستلمة.
هذه الإجراءات تمثل بداية اتجاه صحيح، لكنها موزعة بين مشروعات ودراسات ولجان وأدلة تنظيمية. ولا توجد حتى الآن، وفق ما هو منشور، لوحة وطنية معلنة توضح للمواطن وصانع القرار: كم يومًا يكفي مخزون القمح؟ وكم يكفي مخزون الأدوية والوقود؟ وأين تتركز المخازن؟ وما البدائل إذا تعطّل ميناء أو طريق أو شبكة كهرباء؟ وكيف ستصل السلع إلى الجنوب والمناطق النائية؟
هل يستطيع المواطن الليبي الصمود؟
كان المواطن الليبي في مراحل سابقة يستند إلى شبكة حماية واسعة: جمعيات استهلاكية توفر الغذاء المدعوم، ووقود منخفض السعر، ودينار أقوى، وعلاج في الخارج بتكلفة يمكن احتمالها، إلى جانب خدمات ومزايا تمولها الدولة من عائدات النفط. وقد تآكل جانب كبير من هذه الحماية أو ضعفت كفاءته، في وقت ارتفعت فيه الأسعار وتراجعت قيمة الدينار وتزايد اعتماد الأسرة على المرتب وحده.
لا تتوافر مسوح أسرية ليبية حديثة ومنشورة تسمح بالجزم بنسبة الأسر التي لا تملك مدخرات، وهذه فجوة معلوماتية في ذاتها. لكن ارتفاع أسعار الغذاء، والاعتماد الواسع على المرتبات العامة، وتكاليف العلاج والسكن والزواج، تشير إلى أن قطاعًا واسعًا من الأسر لن يستطيع تكوين مخزون يكفي أسبوعًا أو أسبوعين دون أن يؤثر ذلك في حاجاته اليومية.
يمكن لبعض الأسر إعداد مؤونة لثلاثة أيام تدريجيًا، لكن نقل المسؤولية كاملة إلى المواطن سيكون ظلمًا؛ لأن الاستعداد الفردي يفترض وجود دخل يسمح بشراء فائض عن الحاجة اليومية، ومكان لتخزينه، وقدرة على تجديده قبل انتهاء الصلاحية. أما الأسرة التي تنفق دخلها كله قبل نهاية الشهر، فلا يمكن مطالبتها بالتصرف كأنها مخزن استراتيجي صغير.
كما أن الوعي المجتمعي ما زال محدودًا ومتفرقًا. فلم تظهر، في المصادر التي تمت مراجعتها، حملة ليبية وطنية موحدة تشرح لكل أسرة ما ينبغي الاحتفاظ به، وكيف تتصرف عند انقطاع الماء والكهرباء والاتصالات، وأين تتجه عند الإخلاء، وكيف تميز المعلومة الرسمية من الشائعة. وفي الأزمات، يتحول غياب المعلومة إلى هلع وازدحام وتخزين عشوائي وارتفاع مصطنع للأسعار.
ما الذي تحتاجه ليبيا؟
تحتاج ليبيا إلى خطة وطنية معلنة للأمن الغذائي والمائي والدوائي، لا تكتفي بتكوين المخزون، بل تحدد بصورة واضحة:
* الحد الأدنى الإلزامي لمخزون القمح والأرز والزيوت والأدوية والوقود، محسوبًا بعدد أيام أو أشهر التغطية.
* توزيع المخازن على الشرق والغرب والجنوب؛ حتى لا يؤدي تعطل ميناء أو طريق واحد إلى شلل الإمدادات.
* نشر بيانات دورية مدققة عن حجم المخزون وجودته وتواريخ صلاحيته، من دون كشف تفاصيل تمس الأمن الوطني.
* إنشاء آلية قانونية سريعة للإفراج عن المخزون وتوزيعه، وتحديد الجهة التي تقرر ذلك وتراقبه.
* ربط الاحتياطي الاستراتيجي بشبكة حماية اجتماعية تصل مباشرة إلى الأسر محدودة الدخل، وإعادة تفعيل الجمعيات التعاونية الاستهلاكية بصيغة حديثة وشفافة.
* إعداد مخزون خاص بأدوية الأمراض المزمنة والمستلزمات الطبية التي يصعب تعويضها سريعًا.
* وضع خطة لاستمرار الماء والكهرباء والاتصالات والدفع النقدي والإلكتروني إذا تعطلت إحدى الشبكات.
* إطلاق حملة عامة تطلب من القادرين إعداد مؤونة أساسية لثلاثة أيام، مع هدف تدريجي يصل إلى أسبوع، وتقديم حقيبة مدعومة أو مجانية للأسر غير القادرة.
* إجراء تدريبات دورية في البلديات والمدارس والمستشفيات والجامعات، واختبار صافرات الإنذار ورسائل الهاتف وخطط الإخلاء.
وتؤكد خبرة الدول أن المخزون الاستراتيجي لا ينجح إذا تحول إلى تكديس غير مراقب أو أداة للتربح والاحتكار. ويوصي تقرير مشترك للبنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة بأن يكون مخزون الحبوب محدودًا وواضح الأهداف، سهل الإدارة، مرتبطًا بشبكات الحماية الاجتماعية، وخاضعًا للشفافية والتدوير المستمر حتى لا يتلف أو يشوه السوق.
العالم لا يخزّن الحبوب والماء لأنه يعرف يقينًا شكل الأزمة القادمة أو موعدها، بل لأنه أدرك أن انتظام الحياة اليومية لم يعد مضمونًا. أما ليبيا، فليست أقل تعرضًا للمخاطر من تلك الدول؛ بل هي أشد هشاشة بسبب الاعتماد على الاستيراد وانقسام المؤسسات وضعف البنية الأساسية وتراجع القدرة الشرائية.
لذلك لم يعد السؤال: هل تمتلك ليبيا لجنة أو مشروعًا أو صومعة قيد الإنشاء؟ بل: كم يومًا تستطيع الدولة أن تضمن فيه الماء والغذاء والدواء لكل مواطن إذا توقفت الإمدادات فجأة؟
الجاهزية لا تُقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بعدد الأيام التي تستطيع فيها الدولة حماية حياة الناس وكرامتهم من دون ارتباك أو هلع.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





