المخابرات المصرية تسابق الزمن لرأب الصدع بين حماس والسلطة

فادي عيد

كاتب صحفي ومحلل سياسي بشوؤن الشرق الأوسط

انتهت المحادثات بين المخابرات المصرية ووفد حركة حماس الذي زار القاهرة مؤخراً، بعد أن تم التوصل إلى تفاهمات في ملفات الموظفين، وسلاح الفصائل، وتمكين الحكومة، بجانب توصل المخابرات المصرية مع حركة حماس إلى اتفاق جديد لإنهاء الانقسام الوطني، بعد إن قدمت المخابرات المصرية جملة من الحلول وافق عليها وفد الحركة، والتى كان ابرزها اعتماد 20 ألفاً من موظفي حكومتها السابقة، وسيتقاضون رواتبهم مع موظفي السلطة، فيما يتبقى 22 ألفاً آخرون سيتم دمجهم في حال توافر تمويل لرواتبهم من دول أوروبية وعربية، كما أن مصر ستشرف على إعادة بناء المؤسسة الأمنية وتأهيلها في القطاع.

كما اتفقتا المخابرات المصرية وحماس على إنهاء مصطلح التمكين من خلال تشكيل حكومة وحدة بدلاً من حكومة رامي الحمد الله، على أن تشرف حكومة الوحدة على الانتخابات الرئاسية والتشريعية وفق جدول زمني، إضافة إلى موافقة الحركة على الفصل بين ذراعها العسكرية وموظفي المؤسسة الأمنية والعسكرية والشرطية، بحيث لا يحق لمن يعمل في الذراع العسكرية العمل في السلطة، وإبقاء السلاح في يد كتائب القسام شرط تنظيمه والتنسيق بين مؤسسات السلطة والكتائب والأذرع العسكرية الأخرى في وقت السلم والتصعيد.

وتنص الرؤية المصرية للمصالحة الفلسطينية التى وافقت عليها حماس، وتنتظر موافقة أبو مازن عليها، على تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال مدة أقصاها 5 أسابيع، ورفع العقوبات الحكومية المفروضة على قطاع غزة، وعلى رأسها إعادة رواتب موظفي السلطة الفلسطينية (الذين تم تعيينهم بغزة قبل أحداث الانقسام عام 2007)، بشكل كامل ودفع الموازنات التشغيلية للوزارات، وتولّي وزراء الحكومة الحالية مهامهم على ذات الهيكلية الإدارية القائمة في الوزارات العاملة بغزة، وتشغيل محطة الكهرباء من خلال توفير الوقود لها بدون فرض ضرائب عليه.

كما صرح وفد الحركة بأنه سيتم بدء العمل الفوري بعد تشكيل حكومة الوحدة في ميناء غزة وخان يونس، ليكونا صالحين لاستقبال البضائع التي ستُنقل منهما إلى ميناء العريش المصري، وبالعكس في حال الاستيراد والتصدير، في مقابل إغلاق الأنفاق الحدودية تماماً، وإقامة منطقة تبادل تجاري بين مصر وفلسطين بإشراف حكومة الوحدة واستمرار فتح معبر رفح بصورة دائمة لمرور الأفراد وكل انواع البضائع والمحروقات إلى القطاع.
كما يتضمن الاتفاق إعادة بناء وتأهيل مطار عرفات الدولي جنوب غزة بعد تشكيل حكومة الوحدة، علاوة على وقف كل أنواع الإجراءات على القطاع وإعادة الرواتب كاملة لموظفي السلطة.

وستقوم المخابرات المصرية بعرض هذا الاتفاق على وفد حركة فتح الذي سيصل القاهرة برئاسة نائب رئيس الحركة محمود العالول، وتعهدت المخابرات المصرية بإقناع رئيس السلطة محمود عباس بتسريح حكومة الحمد الله وتشكيل حكومة الوحدة، فيما ستلعب روسيا دوراً مهماً في اقناع عباس بتشكيلها وضم حماس والجهاد إلى المجلس الوطني الفلسطيني.

وتأتى الجهود الجديدة للمخابرات المصرية تجاه الملف الفلسطيني، بعد عودة اللواء احمد عبد الخالق بجهاز المخابرات المصرية من جديد لادارة ملف المصالحة الفلسطينية، بعد أن أصدر مدير جهاز المخابرات المصرية عباس كامل (الذى عين مؤخرا كمدير لجهاز المخابرات العامة المصرية) قراراً بتعيين اللواء أحمد عبد الخالق مسؤولاً للملف الفلسطيني خلفاً للواء سامح نبيل.

ويحظى اللواء احمد عبد الخالق بعلاقات جيدة بالاطراف الفلسطينية خاصة بالقطاع، الذى زاره عدة مرات سابقا، وكان له دور فعال فى تنظيم مؤتمرات العين السخنة لجمع القيادات الشابة بحركتي فتح وحماس، لتقريب وجهات النظر بين قيادات المستقبل، وكان له دور فى تنفيذ صفقة شاليط التى تمت برعاية المخابرات المصرية، وهو ليس الاول الذى يوكله جهاز المخابرات المصرية لمتابعة ملف المصالحة الفلسطينية، ولكنه الاكثر قدرة فى التواصل مع قيادات الطرفين.

خلاصة القول مصر تحاول بكل ما تملك من ادوات وافكار وجهود الوصول الى حل بحكم ما قدمته للقضية الفلسطينية على مدار تاريخها، وبحكم ما تمثله القضية الفلسطينية بصفة عامة وقطاع غزة بصفة خاصة من أهمية لدائرة امنها القومي المباشر، أن توجد حل لقطاع غزة، وان تدبر حلا لازماته الداخلية، وتنهي مشاكله الخارجية وفى المقدمة علاقة حماس بالسلطة الفلسطينية، وهي لم تتأخر فى ذلك خطوة واحدة، ورأينا كم الجهود التى قدمت من أجل أتمام المصالحة الفلسطينية، ولكن لا يغفل على أحد لا يمر أكثر من اسبوع على اي خطوة مصرية، فتقوم اسرائيل بشن غارة او عدوان على الفلسطنيين، كي تتأزم الامور داخل القطاع، ويتحول مسار اجتماعات قادة حركة حماس ومختلف الفصائل من بحث اتمام المصالحة مع السلطة الى بحث كيفية الرد على العدوان الاسرائيلي، أو أن تتدخل أحد الاطراف العربية بنوع من الغشم المتعمد كي تعود الامور للمربع صفر، أو تأتى القوى الاقليمية من حين لأخر لتخلق لنفسها فى قطاع غزة موطئ قدم، ومن ثم يكون لها مكان فى القضية المركزية بالشرق الاوسط، وكل هذا على حساب احراز أي تقدم بالقضية الفلسطينية نفسها.

فحتى حركة حماس وفصائل القطاع نفسها لا تريد حروب، وتريد التفرغ لحل ازمات القطاع الادارية التى تتفاقم كل يوم، وبحث حلول لمشاكل الكهرباء والمياة والبطالة وما ألى اخره، وموقف حركتا الجهاد الاسلامي وحماس السبت الماضي خير دليل على ذلك، بعد توصل حماس والفصائل إلى وقف لإطلاق النار مع إسرائيل في قطاع غزة، إثر تصعيد كبير وغارات إسرائيلية مكثفة على القطاع أسفرت عن مقتل فلسطينيين اثنين، وهو ما صرح به الناطق بأسم حركة الجهاد الإسلامي داوود شهاب، عندما قال: “تم التوافق على وقف إطلاق النار بعد الاتصالات المكثفة التي جرت اليوم وفق تفاهمات القاهرة للعام 2014، ونحن في فصائل المقاومة بما فيها حركة حماس تعاطينا مع الجهد المصري والإقليمي والدولي ووافقنا على وقف التصعيد العسكري.

وهو الامر الذى لم يكن يتم لولا تدخل رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية اللواء عباس كامل، ومسئول الملف الفلسطيني اللواء أحمد عبد الخالق، ومنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، بعد أن توصلوا إلى اتفاق لتجديد وقف النار في قطاع غزة، الذي شهد السبت الماضي أعنف تبادل للقصف مع إسرائيل منذ حرب عام 2014.