بصفقات وهمية.. خيوط مؤامرة مالية عابرة للحدود تتكشف في المغرب

في واحدة من أكبر العمليات الرقابية تعقيدًا وإثارة، نجح التنسيق المشترك وعالي المستوى بين المصالح الجمركية والمديرية العامة للضرائب في المملكة المغربية في فك لغز شبكة عنكبوتية عابرة للحدود، يُعتقد بتورطها في عمليات غش جمركي وضريبي واسعة النطاق، وجاء هذا التحرك الصادم عقب رصد فروقات شاسعة تثير الكثير من الشكوك بين القيم الحقيقية المصرح بها للسلع والبضائع لحظة دخولها عبر الموانئ والمنافذ الجمركية، وتلك المصرح بها محاسبيًا لدى المصالح الجمركية والجبائية.

وكشفت التحقيقات التفصيلية والمثيرة عن حيلة ذكية ومحبوكة تعتمدها الشركات المشتبه بها، حيث عمد بعض المستوردين إلى ممارسة لعبة “التلاعب المزدوج بالفواتير”، من خلال التصريح بقيم مالية منخفضة جدًا للبضائع والسلع المستوردة أمام الإدارة الجمركية بهدف تقليص الرسوم والضرائب المستحقة للدولة إلى أدنى حد ممكن، ليعودوا بعد ذلك ويرفعوا القيم ذاتها بطرق ملتوية في التصريحات الضريبية والمحاسبية لتضخيم التكاليف وتخفيض الأرباح السنوية المعلنة رسميًا، وتراوحت هذه الفوارق المسجلة بين ثلاثين وخمسين بالمئة.

وتشير التقديرات المالية الأولية الصادمة إلى أن قيمة المعاملات التجارية والصفقات المشبوهة التي تدور حولها التحقيقات تتجاوز حاجز المليار ومئة وسبعين مليون درهم مغربي، مما يهدد بخسائر مالية فادحة وكبيرة في مداخيل خزينة الدولة من الرسوم الجمركية والضرائب، وأظهرت المعطيات أن الشبكة المشتبه بها تمارس نشاطها بكثافة في قطاعات الاستيراد والتصدير والخدمات، وتضم سبع شركات كبرى يُشتبه في تورطها المباشر في تزوير الفواتير والتلاعب بالتصريحات الجمركية والجبائية، فضلًا عن تتبع تحويلات مالية ضخمة ومشفرة نحو الخارج مرتبطة بشركاء تجاريين، يُعتقد أنها استُخدمت كغطاء وغسيل لإخفاء عمليات مالية غير قانونية عبر معاملات وهمية بالغة التعقيد والتداخل.

وفي ملاحقة بوليسية تكنولوجية، استعانت مصالح تحليل المخاطر بأحدث تقنيات تحليل البيانات الفورية والذكاء الاصطناعي للتحقق من مصداقية وصحة فواتير الاستيراد، مما مكن الأجهزة الرقمية الرقابية من رصد معاملات يُشتبه في التلاعب بقيمها الإجمالية تتجاوز أربعمئة وخمسين مليون درهم مغربي، وتواصل الجهات المختصة تتبع مسارات وحركة السلع المستوردة بالتنسيق مع إدارات رقابية وأمنية أخرى، للتحقق من وجهاتها الفعلية والنهائية بعد دخولها إلى التراب الوطني، في ظل وجود شكوك قوية حول غياب أي أثر واضح أو مستندي لبعض تلك البضائع بعد تفريغها.

وعلى جبهة الأرقام والمداخيل، أسفر تشديد الخناق الجمركي وإجراءات الرقابة الصارمة عن قفزة نوعية في المداخيل الإضافية الناتجة عن عمليات المراقبة الجمركية خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفعت لتصل إلى ثمانية مليارات وتسعين مليون درهم مغربي، مقارنة بستة مليارات ومئتين وأربعين مليون درهم مغربي في السنة السابقة، وهو ما يعكس الطفرة الكبيرة والنجاعة العالية في التدخلات الميدانية والرقمية، بحسب ما نقله موقع هسبريس المغربي عن مصادر رسمية.

ولم تتوقف الإثارة عند هذا الحد، بل جرى تسجيل مراجعة شاملة لمعاملات تجارية ضخمة بقيمة إجمالية بلغت ثلاثة وعشرين مليارًا وخمسمئة مليون درهم مغربي، محققة زيادة سنوية لافتة قدرها ثلاثة وثلاثون بالمئة، مما أدى مباشرة إلى تحصيل نحو ستة مليارات وتسعمئة وسبعين مليون درهم مغربي كرسوم إضافية مستحقة للخزينة بفضل تعزيز الأنظمة المعلوماتية المتطورة، وتستكمل السلطات تحقيقاتها الموسعة بالاستعانة بالبيانات والسرية البنكية التي تخص الحسابات المصرفية للمستوردين المعنيين، بهدف تتبع مسار التحويلات المالية الخارجية والضمانات البنكية الممنوحة، للكشف عن الخيوط الخفية للاحتيال المالي الذي كاد أن يستنزف الملايين من اقتصاد البلاد.

اقترح تصحيحاً