المولد النبوي في بنغازي.. هضا قنديل وقنديل

تعد الأيام الأولى من شهر ربيع الأول وقبل إطلالة ليلة الميلود موسماً تجارياً رائجاً في أسواق بنغازي زمان، (سوق الجريد وسوق بوغولة) ويستعد الجميع للتحضير له قبل قدومه حيث تكثر البضائع الخاصة به في الأسواق. وباعتبار ان عيد المولد النبوي (موسم) كان هناك متخصصين في صنع قناديل الورق المزخرفة وبداخلها شمعة تضئ.. قبل دخول القنديل المعدني القادم من هونج كونج وتايوان والصين..

وبالرغم من اندثار صناعة القناديل الورقية نتيجة لاستبدالها بالقناديل البلاستيكية المستورة من الخارج، إلا أن عائلات كثيرة مازالت متمسكة الي يومنا هذا بهذا التقليد الجميل، وهو من المصنوعات التي كان قديما يصنعها الأهل في البيوت، وهي عبارة عن قطع من الورق الملون، أو الورق العادي يتم تلوينه، ورق مقوى، و قطع من الصاج لشكيل قاعدة لتثبيت الشمعة، بالاضافة الى مجموعة من أسلاك معدنية رقيقة و صمغ ومقص وأدوات قص وتشكيل الصاج.

وكان اشهر من صنع القناديل الورقية في شوارعنا، سي هو محمد الفاندى بشارع البزار،الذي كان يعلق الجريد من بداية الشارع وحتى النهايه، وما كان يجهز انواع واشكال متعددة من القناديل..

كما اشتهر سي رجب البكوش على مستوى بنغازي، بصناعة الفوانيس (قناديل المولد النبوي الشريف)..

وفي ليلة المولد النبوي، وهي مناسبة تبتهج لها النفوس وتسعد لها القلوب، تعيش بنغازي القديمة اجواء خاصة بها، لايعرفها الا من عاش سنوات طفولته فيها، وهي اجواء كانت قائمة حتى السنوات الاخيرة، اذ تزدحم الشوارع والأسواق بالناس وتمتلي شوارع المدينة بوسائل الإضاءة ومختلف مظاهر الزينة وتبقي الدكاكين أبوابها مفتوحة الى فترة متأخرة من الليل. ونحتفل نحن الصبيان والبنات بحمل القناديل وغناء المواويل الشعبية التي نصدح بها مع بقية الأطفال في هذه المناسبة، ونفرح صبيانا وبناتا، ونلبس الجديد ونطلع في الشارع، نحمل القناديل، ونردد: هضا قنديل وقنديل يشعل فى ظلمات الليل هضا قنديل الرسول فاطمه جابت منصور هضا قنديل النبى فاطمه جابت على هضا قنديلك ياحواء يشعل من المغرب لاتوا.

ويبدأ الصبيان بالاحتفال وذلك بإطلاق أنواع مختلفة من الألعاب النارية بعضها تصدر عنه أصوات فرقعة يسمى (الميش). وكان بعض الصّبية الأشقياء يقومون بحرق إطارات السيارات القديمة، وكانت هذه العادة تسمى ((الشوّاى)) يستمر الصغار الى ساعات متأخرة من الليل متحلقين حول الإطارات المشتعله. ونحن على مقربة منهم، نصيح ونقول: الشواي كلاته ريشه!!! وفي الصبح أنوضو، عشان ناكل العصيده المصنوعة من دقيق الفارينا، مضاف إليها رب التمر أو العسل مع الزبدة أو السمن وهذه عادة دارجة عند أهالي بنغازي.

أخبار ذات صلة
في الحاجة تمكن الحرية.. وبمركزية الحاجات تُبنى زريبة الجماهيرية!

وفي الليل نتمتع بزيارة الزاويه الرفاعية،حيث ترفع المصابيح والزينات، وتزين بجريد النخيل وسعفه، وترفع اعلام الزاوية، ونسمع دقات الطبول والبنادير والاذكار، والمدائح والانشاد والذكر في حب الرسول الكريم، التي تستمر لشر كامل، والتي تعرف بـ(البغدادي)، وانا اتذكر جيدا عندما كنت اذهب الى هناك قبل الميلود بيوم او اثنين، واختلس النظر الى سيدي رجب التركي، ومحمد الطرشاني، والشيخ الزياني،والحاج اغريب، وهم يتوسطون وسط الزاوية ينشدون المدائح والاذكار، وانا اردد معهم في صوت خافت.. كان رجب البكُّوش يتمتع بصوت مميَّز وحيوية طبيعية في الأداء، ما جعل منه منشداً بارعاً للأذكار والأناشيد الدينية، وذلك من خلال فعاليات الزوايا الدينية، وبخاصَّة خلال موسم عيد المولد النبوي الشريف.

وأمام الزاوية الرفاعية تنتشر الطاولات التي تبيع حلوة الزاويه (حلوة تروني وحلوة الديك من سي البيجو)، وتقام الاحتفالات كذلك عند الزوايا الصوفية، التي تخرج فى مواكب مهيبة تتعالى فيها اهازيج المدح النبوى بالدفوف والاذكار والتواشيح، او ما يعرف بـ(الحضرة) وتوزع فيها الحلوى الملونة على الصغار والكبار، و يتم رش الحاضرين بماء الزهر والورد وترتفع الاصوات مهللة بالصلاة على الرسول الكريم. وكان من العادة ان يخرج من الزواية الرفاعية موكب تقرع فيه الطبول والدفوف، يمر بميدان البلدية ليصل الى المسجد العتيق وجامع عصمان وهى أقدم المساجد فى بنغازي.

وتقام الاحتفالات كذلك بهذه المناسبة في زاوية بوشحيمة في خريبيش والزاوية العيساوية، وزاوية بن عيسى البحرية، والزاوية القبلية في شارع الشويخات، وزوايا البهلول ورزق والعروسية في الصابري والشيخ محمود بالناصر في اللثامة.. وشيخ برزق فى الصابرى وزاويه سي اخربيش وصوت المرحوم محمود البنانى وصوت البكوش المميزين، وزاوية علي المحيشي في شارع عثمان ابحيح، البغدادي في الزاوية المدنية التي تقع خلف جامع المدنية، والمديح في زاوية بن عيسى، وفي جامع المسطاري…

إنها ذكريات الفرح والبهجة والسرور، التي كانت تمتلئ نفوسنا بالسعادة والسكينة والهدوء، وهي جزء من طفولتنا الجميلة العامرة بالحب للرسول وآل البيت.