تشهد الساحة اللبنانية حالة من التوتر المتصاعد في ظل اتهامات متبادلة بخرق وقف إطلاق النار، وذلك عقب توقيع اتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة يوم الجمعة الماضي في واشنطن، والذي يهدف في جوهره إلى إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي واستعادة السيادة اللبنانية.
وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الأحد، أن الجيش الإسرائيلي نفذ عملية عسكرية استهدفت شبكة أنفاق وبنية تحتية تابعة لحزب الله في منطقة مجدل زون جنوبي لبنان، مؤكداً أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة والمبعوث الأمريكي مسبقاً بهذه العملية.
وفي مؤتمر صحفي، صرح نتنياهو بأن إسرائيل توصلت إلى تفاهمات مع لبنان تهدف لإنهاء الصراع، مشدداً على أن قوات جيشه ستبقى في ما وصفه بـ “المنطقة الأمنية” داخل الأراضي اللبنانية حتى يتم نزع سلاح حزب الله وضمان أمن البلدات الشمالية الإسرائيلية.
كما أشار نتنياهو إلى أن إسرائيل وجهت ضربات قوية لحزب الله، شملت تدمير جزء كبير من ترسانته الصاروخية واستهداف قياداته، مؤكداً استمرار العمليات لإزالة البنى التحتية حتى تحقيق الاستقرار الأمني.
في المقابل، أعلن حزب الله اللبناني، يوم الإثنين، أن الجيش الإسرائيلي يواصل خروقاته لوقف إطلاق النار، معتبراً ذلك انتهاكاً فاضحاً للالتزامات القائمة، ومؤكداً احتفاظه بحقه الكامل في الدفاع عن لبنان وشعبه.
على الصعيد السياسي اللبناني، شن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري هجوماً حاداً على الاتفاق الإطاري، واصفاً إياه في مقابلة مع صحيفة الأخبار اللبنانية بأنه “إملاءات” وأسوأ من اتفاق 17 أيار، مؤكداً قناعته بأن الاتفاق “لن ينفذ”.
ودعا بري إلى عدم الانجرار نحو الفوضى أو الاقتتال الداخلي، محذراً من محاولات إثارة الانقسامات الداخلية، ومؤكداً أن المسار التفاوضي الأمريكي الإيراني هو الفرصة الواقعية الوحيدة لإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل.
دولياً وإقليمياً، أكدت إيران، عبر وزارة خارجيتها ومستشار قائد الثورة علي أكبر ولايتي، أن إنهاء الحرب في لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية غير المشروط يشكلان شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار.
وأشارت طهران إلى ضرورة تشكيل وحدة مراقبة تضم إيران والولايات المتحدة ولبنان لمتابعة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم المبرمة بين طهران وواشنطن، والتي تتضمن وقفاً فورياً للعمليات العسكرية على جميع الجبهات. وشدد ولايتي على أن حزب الله يمثل “عمود الخيمة” والضامن الحقيقي لاستقلال لبنان.
انسحاب بلا جدول زمني.. تفاصيل «الاتفاق الإطاري» المثير للجدل في لبنان!
كشف مسؤول مطّلع على بنود الاتفاق لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أن اتفاق الإطار الموقع الأسبوع الماضي بين إسرائيل ولبنان، والذي تم التوصل إليه في واشنطن، يتضمن بنودًا أمنية تمنح الجيش الإسرائيلي حرية كاملة للتحرك ضد ما وصفه بـ”التهديدات الفورية” داخل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان.
وبحسب المسؤول، فإن ملحقًا أمنيًا سريًا مرفقًا بالاتفاق ينص على عدم وجود أي انسحابات تلقائية لقوات الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، في وقت تبدي فيه إسرائيل مخاوف من أن تؤدي ضغوط إيرانية عبر المفاوضات مع الولايات المتحدة إلى التأثير على تنفيذ التفاهمات.
وأشار المسؤول، وفقًا لتقرير غير منسوب لقناة 12 الإسرائيلية، إلى أن هذا الملحق الأمني الذي وردت الإشارة إليه في النص العلني للاتفاق، جرى تصنيفه سريًا بطلب من الحكومة اللبنانية.
ويتضمن الملحق، بحسب التفاصيل، بندًا في مادته الرابعة يمنح الجيش الإسرائيلي حرية العمل ضد التهديدات الناشئة والفورية داخل المنطقة الأمنية، وهو بند تعتبره إسرائيل أساسيًا في ظل مخاوف من أي قيود قد تفرضها المفاوضات الدولية على عملياتها العسكرية في الجنوب.
كما ينص الاتفاق على التزام الطرفين، إسرائيل ولبنان، بعدم تنفيذ أي انسحاب تلقائي أو وفق جداول زمنية محددة، حيث ترتبط أي عمليات إعادة انتشار بالتطورات الميدانية على الأرض، مع الإشارة إلى أن الانسحاب سيكون “مرتبطًا بالأداء” وفق صياغة الاتفاق.
وبحسب المعلومات، يحدد الملحق أيضًا أن منطقتين تجريبيتين أعلنت عنهما يوم السبت ستكونان المرحلة الأولى من التنفيذ، دون توسيع قريب لهذا الترتيب، على أن يتسلم الجيش اللبناني لاحقًا المسؤولية بعد عمليات تدريب وفحص أمني.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن تنفيذ هذا المشروع التجريبي سيستغرق عدة أسابيع، في وقت يستعد فيه الجيش اللبناني لتولي مهام ميدانية محدودة في تلك المناطق.
وفي الخلفية، تبدي إسرائيل قلقًا من احتمال أن تؤدي المفاوضات بين واشنطن وطهران إلى محاولة فرض انسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان ضمن تسوية أوسع، عبر ضغوط سياسية على الولايات المتحدة، بحسب ما نقله المسؤول ذاته.
ويرى الاتفاق الإطاري أن الهدف منه هو فتح مسار طويل نحو تفاهم أوسع بين إسرائيل ولبنان، في ظل تاريخ طويل من المواجهات بين الطرفين، وسط دعم أميركي مباشر للتفاهم الجديد.
وفي المقابل، رُصدت مواقف رافضة داخل لبنان، حيث وصف حزب الله الاتفاق بأنه غير قابل للتنفيذ، محذرًا من تداعياته الداخلية، بينما يرى مسؤولون إسرائيليون أن ما جرى يمثل تحولًا استراتيجيًا في قواعد الاشتباك على الحدود الشمالية.
وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال إيال زامير إن الاتفاق “تاريخي ومهم”، مشيرًا إلى أن الإنجازات العسكرية السابقة “هي التي خلقت الظروف اللازمة له”، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستحدد نجاحه على أرض الواقع.
في المقابل، حذر مسؤولون في حزب الله من “صراع داخلي” محتمل في لبنان على خلفية الاتفاق، في وقت تتزامن فيه التطورات مع اتصالات سياسية بين بيروت وواشنطن، شملت اتصال الرئيس اللبناني جوزيف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث أكد عون أن الدولة اللبنانية ستتحمل مسؤولياتها في تنفيذ الاتفاق دون الإشارة المباشرة إلى ملف سلاح حزب الله.
جنبلاط يفتح ملف “هدنة 1949” ويهاجم المفاوضين اللبنانيين بشأن الاتفاق مع إسرائيل
أكد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق في لبنان وليد جنبلاط أن اتفاق الهدنة الموقّع عام 1949 بين لبنان وإسرائيل يمثل الركيزة القانونية والدستورية الأساسية التي تحكم العلاقات بين البلدين، مشددًا على أنه ليس مجرد تفاهم تاريخي عابر بل إطار ملزم جرى تثبيته في السياق الدستوري اللبناني.
وانتقد جنبلاط بشدة ما وصفه بأداء الدوائر السياسية والاستشارية في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة اللبنانية، معتبرًا أن هناك تجاهلًا متعمدًا لهذا الاتفاق أو محاولة لإسقاطه من الحسابات الدبلوماسية الجارية في الوقت الراهن.
وأشار جنبلاط إلى أن اتفاق الهدنة لعام 1949 يُعد جزءًا أساسيًا من “وثيقة الوفاق الوطني” (اتفاق الطائف) التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية، مؤكدًا أنه ورد في خطابات القسم الرئاسية وفي البيانات الوزارية المتعاقبة للحكومات اللبنانية، ما يمنحه بحسب قوله طابعًا دستوريًا وسياسيًا راسخًا.
ووجه جنبلاط انتقادات مباشرة إلى من وصفهم بـ”كبار المفاوضين ونخبة المستشارين في بعبدا وثلة الاختصاصيين في السراي الحكومي”، متهمًا إياهم بإغفال مرجعية الهدنة أو تجاوزها في إطار تسويات مؤقتة، وهو ما اعتبره تفريطًا بالحقوق القانونية الثابتة للبنان وتخليًا عن مظلة الشرعية الدولية.
ويعود اتفاق الهدنة لعام 1949 إلى معاهدة عسكرية وُقعت بين لبنان وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة في 23 مارس 1949 في رأس الناقورة، بهدف إنهاء الأعمال القتالية بعد حرب 1948. واعتمد الاتفاق خطوط الانتداب الدولية كحدود للهدنة، مع فرض قيود متبادلة على النشاط العسكري في المناطق الحدودية، إضافة إلى إنشاء لجنة مشتركة لمراقبة تنفيذ البنود ومنع أي خروقات.





