تسويق الزيف.. جدلية الشرعية (2)

تسويق الزيف.. جدلية الشرعية (2)

الدرس المستفاد هنا، إن شرعية نظام ما عند حدوث أزمات أو انعطافات في تاريخ الدول لا يتحدد بالبعد المحلي فقط، بل يقرره وربما يفرضه النظام الدولي، إما بالقوة كما حدث في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية وخسارتهما الحرب، فكلتا الدولتين رضختا لإملاءات أمريكا، بل تجاوز الأمر أن قامت أمريكا بالإشراف على صياغة دستور الدولتين، أو عن طريق رسم توافقات تؤسس لنظام يقوم بتسيير أمور الدول الخارجة من آزماتها، كما حدث في أفغانستان والعراق وجمهوريات يوغسلافيا السابقة.

وككل اتفاق إنساني، فإن الاتفاقيات لا تحل كل الإشكاليات، كما إنها لا تلبي كل مطالب الخصوم.

لذلك حينما عرض على البرلمان لىعتماده وتضمينه الدستور المؤقت، لجئ بعض أعضاء البرلمان في اشتراط الموافقة عليه وتمريره، أن يتم الموافقة على قبوله إذا تم قبول تحفظ باقي الأعضاء على أحد مواده، وهي المادة الثامنة.

وربما كان البند المستهدف هو الفقرة الأولى من البند الثاني، الذي يمنح رئيس المجلس الرئاسي مهام القائد الأعلى للجيش، وبالتالي ينازع البرلمان هذا الاستحقاق، والذي ربما يعمل على تقويض سيطرة الجيش على الجسم التشريعي.

ثم الموافقة على الاتفاق في يناير 2016، لكنه لم يضمن في الدستور المؤقت الذي قد يتحجج به في شرعيته، كما رفض البرلمان منح الثقة للحكومتين اللاتين تقدم بهما رئيس المجلس.

وبهذه الجلسة انتهت تقريبا علاقة الأجسام المنبثقة عن الاتفاق ببعضها البعض، واُدخِلت الدولة في حكم سياسة الـمر الواقع وشرعية الأمر الواقع، فأصبحت تدار المنطقة الشرقية بحكومة مؤقته وبرلمان هزيل يزدد تشردم يوما بعد يوم، وتحت سلطة عسكرية قاهرة يمارسها القائد العام للجيش الذي عين في منتصف العام 2015 من قِبل البرلمان، ومنحت الشرعية لقواته التي كونها في غياب الدولة وضعف مؤسساتها.

بالمقابل، تم تمكين المجلس الرئاسي تحت غطاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن من السيطرة على العاصمة والمدن الموالية له، وعلى المؤسسات السيادية التي تتحكم في مفاصل الاقتصاد ومداخيل البلد، فأصبحت ليبيا رهينة النفوذ المالي الذي تديره حكومة الوفاق والمليشيات التي تبتز الحكومة مقابل حمايتها، والنفوذ العسكري الذي يمارسه الجيش بقيادة حفتر على البرلمان والحكومة المؤقتة وقبائل الشرق الليبي.

تدخلت بعض الدول لتزيد لهيب الخصام السياسي وساعدت على إشعاله لتحقيق مصالح معينه، وكان في مقدمة الدول التي تدخلت في الملف الليبي وبحكم الجوار هي دولة مصر التي جمعت بين السراج باعتباره رئيسا للمجلس الرئاسي (بمثابة رئيس الدولة ورئيس الجهاز التنفيذي) وبين حفتر باعتباره القائد العام للجيش الليبي، ولعل خطورة الأمر في هذا الاجتماع وفي المحاولات اللاحقة من الإمارت وفرنسا وأخيرا إيطاليا أنها حصرت الأزمة الليبية في شخصين فقط، والأمر الثاني أنها استبعدت دور البرلمان ومجلس الدولة اللذين دار حولهما وبسببهما الاتفاق وادخل عنصر آخر لا مكان له فيه، وبالتالي أصبح الجيش تحت قيادة حفتر عنصر في الخلاف لا يتضمنه الاتفاق، وله وجهة نظر أحادية في حل المشكل الليبي لا يتفق فيها معه جل الليبيين في تقديري (رغم تحفظي على استخدام عبارة جل الليبيين)، وكذلك تقدير الكثير من المهتمين بالشأن الليبي.

الغطاء الذي منحته الدول التي راعت لقاء حفتر- السراج، مكنت حفتر من أن ينال شرعية أعماله القتالية (وغض الطرف عنها، بل وتشجيعها أحيانا) دون الرجوع إلى مؤسسات الدولة “الشرعية”، فلا نعلم أن البرلمان الليبي قد اجتمع لمناقشة هذه القضايا، أو أنه تمكن من مساءلة قيادة الجيش على أعمالها، باستثناء حالة واحدة تم فيها استدعاء المشير حفتر إلى المساءلة في البرلمان فامتنع عن الحضور، متناسيا أن شرعيته جاءت من البرلمان الذي عينه، وعجز البرلمان على أحضاره ومسائلته.

إلا أن مركزه الآن، وبعد تنامي الحجم الدولي له، جعله سيد للبرلمان وليس معينا من قبله.

لقد ساهم حفتر والانقسام في البرلمان إلى إنهاء الدور الفعلي للبرلمان، ولم يعد البرلمان يمثل الليبيين، بل هو أداة يستخدم فيها حفتر من بقى فيه من أعضاء لتحقيق مأربه السياسية، وقد نجح في تطويع بعض أعضائه تماما وأنهى دوره كبرلمان يمثل الليبيين كليا، فانقسم البرلمان إلى غرفتين أحداهما في طرابلس مناهضة للحرب والأخرى في طبرق تدافع عن ضرورة الحرب، وطبعا هناك العديد من البرلمانيين يقفون في المنطقة الرمادية.

لهذا يعتبر العديد من المتابعين للشأن الليبي بأن الحرب على طرابلس هي انقلاب عسكري مكتمل الشروط يرجى منه الوصول إلى السلطة ولا علاقة له بمحاربة الإرهاب كما يسوق له، ابتدأ بالهيمنة على البرلمان، ثم بحشد بعض الدول الداعمة لمشروع الانقلاب، وأخيرا الانقضاض على العاصمة.

لا زلت أؤمن بأن الليبيين غير قادرين على الجلوس معا دون ضغط دولي، وقد كتبت في هذا الشأن مقال عن التوافق الليبي في منتصف العام 2016، واعتبرت التوافق الليبي هو بمثابة المستحيل الرابع الذي يضاف إلى مستحيلات صفي الدين الحلي الثلاثة، ولا زلت أؤمن بذلك.

والحرب لن تُنهي أزمة ليبيا، بل ربما تحولها إلى سوريا أخرى. وحتى إن كسب أحد الطرفين الحرب فإنها لا تحسم كل الصراع، ناهيك عن العمليات الانتقامية التي سيقودها الجسم المنتصر.

لذلك فإن أنجع الحلول للأزمة الليبية هي إيقاف القتال، ورسم منطقة عازلة بين القوى المتقاتلة، وجمع البرلمان في إحدى المدن التي لا تخضع لسلطة الخصوم لبحث الملفات الليبية الشائكة كالحرب والاتفاقات الدولية والدستور والانتخابات.

وطبعا، ليس من السذاجة أن نعتقد بأن الخصوم سيقبلون بما ينتج عن اجتماع البرلمان دون ضغط دولي يفرض سيطرته على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وتنتهي بذلك جدلية الشرعية التي يدعيها الجميع ولا يملكها أي منهم.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

التعليقات: 15

  • عبدالحق عبدالجبار

    اخي الدكتور احمد معيوف الأمثلة لم تكن موفق فيها فتلك الدول كانت في حرب مع امريكا ودول اخري … اما ما حصل في بلادنا فيمكن ان تقارنه بتونس و مصر او حتي الجزائر … فلماذا الشرعية تستمد من الخارج ولماذا الدستور يكتب من الخارج …..؟ هل نحن في حرب مع الخارج ؟ او ان الحرب من الخارج بايدي ليبية ؟ الرجاء الشرح

  • احمد معيوف

    عزيزي عبد الجبار، الحالات تتشابه ولا تتطابق، المشترك ان سقوط دولة ما لاي سبب من الاسباب يفتح الباب بمصرعيه للتداخل الدولي، واخطر انواع التدخلات هي الفردية، حيث تسعى دولة ما (او مجموعة) لدعم طرف ما، قد يكون حزب او قبيلة او شخص لتحقيق مارابها ومصالحها، وهذا الامر اعتقد واضح في الحالة الليبيية. الطف (إن جاز التعبير) انواع التدخلات هو التدخل الاممي الي رأيناه في العديد من الملفات، والتدخل الاممي هو عملية توفيق بين …. ليس الفرقاء السياسين …. ولكن الدول الداعمة لاطراف الصراع كما سيتضح في مؤتمر برلين. انت تعلم ان الجيش الليبي كان مهمش تماما، وانتهى دوره تقريبيا بعد الانقلاب الذي قاده المرحموم مفتاح قروم (انقلاب ورفلة كما يحلو للبعض تسميته)، بعد هذا الانقلاب تشكلت الكتائب التي قادها ابناء معمر. حني عزيزي مشكلتنا ليس في الاختلاف السياسي (الذي لا يكاد يكون حقيقي) وانما في عدم وجود جيش، او قل جيش موحد. وقد تم العديد من الاجتماعات في القاهرة لتوحيد الجيش الليبي تحت رعاية الاستخبارات المصرية (اشرف عليها محمود حجازي صهر السيسي الذي كان مدير المخابرات الحربية في الفترة 2012- 2014، فترة الانقلاب على حكومة الاخوان)، الا انها فشلت لاسباب ساهل الواحد يتوقها مادام تمت تحت اشراف مخابرات دولة اجنبية. ودمتم بخير

    • عبدالحق عبدالجبار

      طبعا عزيزي معيوف بعد الشكر علي الرد الغير كافي ولا وافي يعني انت تقول لم يوجد جيش يعني الذين قام النيتو بقتلهم والذين زعماء انهم يقتلون في الليبيين هم مدانين ؟ وهل الذين زعمة العبيدي باغتصابها هم مدنين و قنونو مدني و الطيرين متع الكلية العسكرية مصراتة مدنين … وكذلك العسكرين الذين قاموا المنحرفين في الشرق والغرب بقتلهم هم مدنين وعبدالفتاح يونس ومن معه كانوا مدنين ؟ يا اخي وما دخل الانقلاب علي الخوان في مصر كما انت تزعم والذي نحن نختلف عليه منحن نقول ان الشعب المصري اكتشف ان الخوان لا وطن لهم ولقد كانت ثورة الشعب المصري علي الخوان في مصر من مصلحة ليبيا والليبين التي كانت ستصبح البلد الحلوب بالنسبة للدولة الاخوانية ؟ اما التدخل الاممي عن اي امّم انت تتحدث هل تتحدث عن الامم المتشرتعة او تتحدث عن دول اذا التقت مصالحها اتفقت وإذا اختلفت اما ان تتقاسم واما ان تتحارب بايدي الجهلاء؟ عن اي تدخل اممي انت تتحدث ؟ بالله عليك اقرأ ردّك جيداً انه يذكرني ذكرني بفيلم المرشد عندما عتق ( حل بيعته له) محمد مرسي؟
      https://youtu.be/SQGr3QH7hXA
      او كما استقال المشري المبيوع عن الخوان ؟
      لكن قولي يا خوي انت من الاخوان او لا ؟ 🤔
      https://youtu.be/k44uVQk-LBs

  • المنتصر بالله

    السيد الدكتور أحمد معيوف المحترم ، الخنزير دائمآ وسخ وهو يوسخ كل من يقرب منه أبتعد من هذا الخنزير الوسخ ولا تجعل له أي أهمية نصيحة لك وإلى كل المحترميين من الكتاب ولك مني فائق الأحترام والتقدير.

    • عبدالحق عبدالجبار

      الجهل وانعدام الأخلاق ايدير ما اكثر … والآن حفتر القائد العام متعك يا مفشك يا شمعدان في كل مكان

      • المنتصر بالله

        كما قال الشاطر ( بغل + أسر حرب + فاشل ) وزادها الرئيس أردغان (بالجبان ) أهرب أهرب ياحفتر ماتوقعش .

      • المنتصر بالله

        قائد البغولة اللي مثلك .

        • عبدالحق عبدالجبار

          انه القائد العام الشرعي للجيش الليبي اردت او لم تريد والإثبات ان الغير شرعيين يريدون توقيعه… اما نصيحة لك فان الأخلاق اساس الحياة … ومن لا اخلاق له لا حياة له

التعليقات مغلقة.

التعليقات لا تعبر عن رأي موقع عين ليبيا، إنما تعبر عن رأي أصحابها.

اترك تعليقاً