خبايا وأسرار الليبيات السبع العجاف

د. عيسى بغني

أستاذ جامعي مهتم بالشأن الليبي

عند انطلاق مشروع الكرامة لم يكن أحد من الساسة والمثقفين والمهتمين بالشأن الليبي يعي مدى فداحة الأمر، وهو مسلسل ساهم فيه قانون العزل السياسي إلى حد كبير، إذا ما قمنا بإعادة مشاهدة الصور عكسيا (Play back) تجد أن إقرار قانون العزل السياسي أوجد قيادات جاهزة للتعاون مع استخبارات الخارج المتربص ورموز الداخل الحقود؛ قوى التحالف مثلا نجحت في انتخابات 25 يونيو 2014 ولم يستطيع رئيسها محمود جبريل الوصول إلى تشكيل الحكومة بسبب قانون العزل السياسي فكان منفاه الاختياري أبوظبي حيث تطبخ كل الوجبات المسمومة باستعمال المال الفاسد وحضور الليبيون المتربصون والمعزولون سياسيا، لم يكن صندوق الانتخابات ليفضي إلى نتيجة محمودة لدول الدعم ولذلك قُفل باب النهج الديموقراطي إلى الآن.

تحول الدعم لمجموعة الفيدرالية وتقوية موقفها وضم جضران لها بدعوى التهميش للشرق الليبي ليقوم بالدور القذر بقفل المواني والحقول النفطية، ولكن هذا الأمر أدى إلى إفلاس الدولة وعدم إستفادة الفيدراليين وداعميهم الإقليميين لعدم قدرتهم على تصدير النفط، والذي تصدت له القوات الأمريكية في حادتة التصدير غير الشرعي المشهورة. أصبح الفيدراليون وجضران لا قيمة لهم للدول الداعمة، فأستبدلو بمشروع الكرامة بقيادة خليفة حفتر وهو المشروع الأقوى الذي عقدت عليه الأمال كلها لزرع الإستبداد والتبعية، والذي شاركت فيه العديد من الدول العربية وفرنسا.

إذا كانت مشاريع زرع العمالة بالفيدرالية أوقفت عجلة الدولة سنتان وكلفت خسارة في التصدير تقارب 90 مليار، فإن مشروع الكرامة أوقف عجلة الدولة لخمسة سنوات، وكلف ميزانيتها ديون تتجاوز 35 مليار دينار للمنطقة الشرقية فقط ووفيات تتجاوز 15 ألف وأكثر من 20 ألف معاق. ومع الرعونة التي إتسمت بها الكرامة بمحاولتها غزو طرابلس وتغيير الحكومة بالقوة، قارب مشروع الكرامة على الإنتهاء مع إنتهاء مئة يوم من العمليات العسكرية المتاخمة لجنوب طرابلس وأصبح البحث عن البديل هو الشغل الشاغل للدول الداعمة، حيث تتناقل الأخبار المحلية والدولية بالتخلي عن حفتر كما تم التخلي عن  جبريل والبرعصي وجضران والترويج لحل سلمي يفضي إلى إنتخاب رئيس للدولة يروج له، وهو مدير إذاعة ليبيا روحها الوطن عارف النايض، الذي يجاهد نفسه للم شظايا ما قبل الدولة ألا وهم الصوفية والسلفية الجهادية والعسكريتاريا مغلفين جميعهم بالقبلية، وهي حلول تطيل الفوضى وتربك المشهد وتزيد معانات الليبيين بلا طائل منها، سوى طمص أي بصيص من نور في الأفق ينتج عنه نظام ديموقراطي بعيد عن الإستبداد في ليبيا وبالمثل في السودان و الجزائر و اليمن وبالتأكيد لا في سوريا ولا في العراق.

ولكن كيف إستطاع خليفة حفتر تكوين منظومة في الشرق الليبي تدعمها دول عربية وصلت قواتها إلى مشارف طرابلس وأنفقت عشرات المليارات لتثبيث أركانها بل أن لها قوى إعلامية أكبر بكثير من حكومة الوفاق والأهم من ذلك كيف تكونت حاضنة شعبية له في الشرق الليبي وأوجدت قطيعة مع باقي الوطن وآمنت بالكرامة إلى درجة التضحية بألاف من أبنائها.

لعل أخطر لقاء تلفزيوني ما عرضته قناة ليبيا الأحرار في برنامجها الشاهد وبإستضافة أهم شخصية إعلامية ساندت خليفة حفتر منذ البداية وهو الرائد محمد حجازي، ذلك الرجل ببساتطه وطيبة نفسه إنبهر بشخصية حفتر وتعاون معه وبرر له مواقفه وأخرجه من مآزقه الكثيرة رغم تحدير العديد من كبار الضباط من مثالب التعاون مع حفتر. خلال ثلاثة ساعات سرد محمد حجازي كيف تم إصطياده من حفتر عندما خرج ورفاقه للمطالبة بدفع رواتب الضباط المتأخرة، وكيف إستدعاه حفتر إلى بيته وقدم له هدية؛ مسدسه  الخاص، والأهم من ذلك ما يتعلق بتكوين قيادة عسكرية في الرجمة لها أتباع وتُبع.

أخبار ذات صلة
ملك ليبيا محمد بن إدريس السنوسي.. حبه لشعبه وحب الشعب له (2)

أورد حجازي أن خليفة حفتر كان يعلم بأهمية شيوخ وأعيان القبائل في تكوين الحاضنة الشعبية (رغم إحتقاره لهم) فكلف بلعيد الشيخي لتجنيد الموالين منهم وتغيير المعارضين بوجوه داعمة للكرامة، وبذلك توالت اللقاءات والبيانات الداعمة للكرامة في كل مدن الشرق الليبي، وإنتهى المعارضون بالتهجير أو بتكميم الأفواه. من الأشهر الأولى للكرامة لأحظ حجازي وأبداء إستغرابا شديدا عندما وجد اللواء عمر نظمي الضابط في الإستخبارات المصرية حاضرا عند مكتب أبوخمادة، وهذا الضابط نفسه ممثل القنصلية المصرية في بنغازي.

رغم عدم معرفة من الذي قام بالإغتيالات في بنغازي خلال السنوات 2013 و 2014، إلا أن حجازي على يقين أن ثلاثة من رموز بنغازي  وهم المسماري ومفتاح ابوزيد وسلوى بوقعيقيص قد تم إغتيالهم بناء على أعمال مخابراتية، ولم يبوح حفتر بكلمة عن الموضوع ويكتفي بأن الإخوان والمقاتلة هم الإرهابيون حقا ويجب سحقهم. ويستطرد حجازي بأن بعض قادة شورى ثوار بنغازي كانوا على علاقة مع حفتر منذ أيام التحرير ومنهم أسامة بن حميد، وغفلة هولاء جعلهم يستبعدون أي تحرك مناوي لهم في الفترة الأولى لتفشي الإغتيالات، ثم دخلوا في مواجهة مباشرة مع قوات الكرامة، وعندما حدتث وساطة قبلية لتقريب وجهات النظر بين حفتر وشورى ثوار بنغازي رفض حفتر اللقاء بهم أوالدخول معهم في أي حوار، وأمر بإخلاء المناطق السكنية وصب الحمم على من بقي فيها، وأوما للجميع أن لا حل إلا الحل العسكري.

عند قيام حفتر بالإنقلاب في طرابلس يوم 14 فبراير 2014 من خلال الإعلان عن تجميد الإعلان الدستوري والذي أذاعه على قناة العربية السعودية، كان يُعول على قوات الصواعق والقعقاع لتكون داعمة له، ولكن هذه الكتائب لم يكن لها إتفاق مسبق على قلب النظام بل لبناء الجيش فتخلت عنه، وصدر امر بالقبض على خليفة حفتر من النائب العام بناء على مخاطبة رئيس الوزراء عبدالله الثني، مما جعله يتخفى في أحد ضواحي طرابلس وقام حجازي بترتيب تهريبه عبر بن وليد ألى بنغازي حيث أستقبل إستقبال الأبطال من مؤيديه، بالمقابل لم يكن هناك أي أجهزة أمنية تابعة للدولة لتقوم يتنفيذ أمر القبض، ولم يكن  الثوار على فهم للواقع يؤهلهم لعمل يجهز على هذا الفعل الإنقلابي.

أخيرا تحدث حجازي عن ملكات حفتر الشخصية، بأنه يتعالى على غيره، ويحط من قدر معارضيه، وأنه في حراسة تامة من أبنائه وأبناء عمومته، وأن الزائر إلى الرجمة قد يترك راجلا لمسافة كيلومتر ويتم تفتيشه ثلاث مرات قبل وصوله لمكتب المشير إن لم يكن من المقربين، وإن كان غير ذلك فله حافلة بلا محصل تمخر به عباب معسكر الرجمة إلى مكتب المشير. وأنه رغم بقاءه ثلاث وعشرون سنة في أمريكا لا يكاد يفك حرفا للغة الإنجليزية.

أما ما لم يستطيع حجازي قوله رغبة أو رهبة أو خبايا وأسرار لم يطلع عليها، فهي علاقة حفتر بدول الدعم العربية وفرنسا، ومن المسئول عن أحداث الإغتيالات للضباط ورجالات بنغازي، ومن المسئول عن عمليات التنكيل والإختطاف والإخفاء القصري، ومن الوسطاء في عمليات التسليح وتوفير المال وإدارة المشهد الإقتصادي في الشرق الليبي والذي لا محالة سيظهر وإن طال الزمن، أما عن المغفلين والمغرر بهم فلا يزال هناك باب للأنشقاق والإنخراط إلى حضن الوطن بالقابل فئة التٌبع لا سبيل لهم سوى الغرق مع المركب المترنح في الأنواء العاتية بعد مئة يوم من القتل والتشريد والتهجير لأناس ابرياء شاءت الأقدار أن يكونوا في هذا الزمان والمكان.

الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
عبدالحق عبدالجبار

اخي العزيز الدكتور عيسي يغني المحترم … مقال شيق ولكن كان النظر فيه بعين واحدة و قصير و ناقص التاريخ … فاخذت المقال ونقلته الي فبراير 17 وليس 15 بل كان بدايته في 2006-2007 …خارج ليبيا وداخلها كان بدايته مع السفير الامريكي الذي كان يقوم بالرياضة الصباحية بنادي الفروسية … لنبدأ من هناك و ثم نتجه لما انت قلت و لكن بعد العزل السياسي الم يكن البركان المغلي هو رفض المؤتمر تسليم الكراسي للبرلمان المنتخب ؟ وقبل كل هذا وذاك اليس هو السماح لاعضاء الأحزاب بالترشيح تحت مستقلين ؟ وقبل كل هذا اليس تكوين احزاب وخاصة التي تنتمي لرئاسة خارجية… قراءة المزيد ..

عبدالحق عبدالجبار

اخي العزيز الدكتور عيسي بغني المحترم …. من الممكن ان نختلف عن كل شئ ولكن لا اختلاف ولا خلاف علي الطامة الكبري … الا وهي إقصاء الاخوان للآخرين و تمسكهم السلاطة و ايدولجيتهم التي لا تنتمي الي ليبيا لا من بعيد ولا قريب هذه الطامة الكبري التي اصابت البلاد والعباد بخداعهم و كذبهم و ارهابهم و إيمانهم في ان في الغاية تبرر الوسيلة
الرجاء التفكير بان ليبيا بيتك و شعبها امك و ابوك هل ترضي ان يكون هؤلاء حتي جيرانك ….. مع فائق الاحترام

عبدالحق عبدالجبار

هل هذا يكفي
https://youtu.be/o_4i4n_87pk