دعا رجل الأعمال حسني بي إلى إعادة النظر في منظومة الدعم في ليبيا، معتبرًا أن استمرار دعم أسعار السلع والطاقة وفجوة سعر الصرف لا يمثل، في رأيه، معالجة مستدامة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وطرح الانتقال إلى دعم المواطن بصورة مباشرة وشفافة بدلًا من دعم السلعة.
وقال حسني بي، في مقال نشره السبت 29 أغسطس 2026، إن النقاش بشأن تجربة مصر في إصلاح الدعم يطرح سؤالًا حول مدى استفادة ليبيا من تلك التجربة، معتبرًا أن الدرس الأهم لا يتمثل في تقليد الإجراءات المصرية، وإنما في تجنب الظروف التي دفعت القاهرة إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية تحت ضغط الأزمة المالية وشروط التمويل الخارجي.
ورأى بي أن وصول دولة إلى مرحلة تضطر فيها إلى اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة لا يعني أن الإصلاح نفسه خاطئ، بل يعكس، بحسب تقييمه، سنوات من تأجيل معالجة الاختلالات.
وفي مقارنته بين ليبيا ومصر، أشار بي إلى اختلاف طبيعة الاقتصادين، موضحًا أن مصر يتجاوز عدد سكانها المئة مليون نسمة، وتعتمد بدرجة كبيرة على الموارد المحلية والضرائب والاقتراض الداخلي والخارجي، إلى جانب حاجتها المستمرة إلى تدفقات العملات الأجنبية.
في المقابل، وصف بي ليبيا بأنها دولة نفطية قليلة السكان نسبيًا، تحصل الدولة فيها على معظم إيراداتها الخارجية من النفط والغاز، وتمتلك احتياطيات وأصولًا أجنبية كبيرة.
وبناءً على ذلك، قال إن ليبيا ليست مضطرة، وفق رؤيته، إلى إصلاح الدعم للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، مضيفًا: «نحن نستطيع أن نصلح بإرادتنا وبمواردنا. وهذا تحديداً ما يجعل تأجيل الإصلاح أكثر صعوبة في التبرير».
وانتقد بي ربط الدعم السلعي تلقائيًا بمفهوم حماية المواطن، موضحًا أن بيع الدولة سلعة بسعر يقل كثيرًا عن تكلفتها لا يعني أن فارق السعر يصل إلى المواطنين بصورة متساوية.
وأشار إلى أن أصحاب الاستهلاك الأعلى يحصلون على دعم أكبر، مستشهدًا بمن يمتلكون عدة سيارات أو الأنشطة التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، كما لفت إلى أن تهريب الوقود خارج الحدود يعني، بحسب طرحه، انتقال جزء من الدعم الذي تموله الخزانة الليبية إلى خارج البلاد.
وقال بي إن «دعم السعر ليس هو نفسه دعم المواطن»، معتبرًا أن الدعم السلعي المفتوح يمكن أن يتحول مع اتساع الفارق بين السعر المدعوم والقيمة الاقتصادية الحقيقية إلى ريع يشجع على إعادة البيع والتهريب والتحايل على منظومة التوزيع.
وأضاف أن اتساع الفجوة السعرية يرفع قيمة هذا الريع ويزيد الحوافز للاستحواذ عليه، معتبرًا أن ذلك «ليست حماية اجتماعية».
ووسّع بي انتقاده ليشمل سوق العملات، معتبرًا أن الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية يمثل صورة أخرى من صور الريع.
وقال إن الحصول على الدولار بالسعر الرسمي عندما يكون أقل كثيرًا من سعره في السوق يعني، بحسب رؤيته، الحصول على منفعة مالية مصدرها الدولة، مضيفًا أن اتساع الفجوة بين السعرين يجعل الوصول إلى العملة الأجنبية بالسعر الرسمي موردًا للربح بالنسبة إلى بعض المستفيدين.
واعتبر أن هذه الظروف تحول جزءًا من النشاط الاقتصادي من الإنتاج إلى البحث عن الامتيازات، قائلًا إن السؤال بالنسبة إلى البعض يصبح «كيف أصل إلى السلعة أو الدولار بالسعر المدعوم ثم أحقق قيمة الفارق؟»، بدلًا من البحث عن كيفية إنتاج قيمة اقتصادية جديدة.
وفي ما يتعلق بالبديل، شدد بي على أن إصلاح الدعم لا يعني رفع أسعار الوقود والكهرباء والسلع الأساسية بصورة مفاجئة وترك دخول الأسر على حالها.
وقال: «إذا كانت الدولة تنفق مليارات الدنانير سنوياً لدعم استهلاك الليبيين، فليتحول الجزء المستحق للمواطن إلى دخل نقدي مباشر وشفاف. يُدفع التعويض أولاً، ثم تبدأ الأسعار في التحرك تدريجياً نحو تكلفتها الحقيقية».
ورأى أن هذا النموذج يمنح الأسرة التي ترشد استهلاكها فرصة للاستفادة من الإصلاح، بينما يتحمل المستهلك الذي يستخدم كميات أكبر تكلفة استهلاكه الإضافي.
وأضاف: «والأهم أن الدولة تتوقف عن دعم السلعة التي يمكن أن تُهرّب، وتبدأ في دعم الإنسان الذي لا يمكن تهريبه».
وفي حديثه عن العدالة الاجتماعية، رفض بي اعتبار حصول جميع المواطنين على السلعة بسعر منخفض صورة مكتملة للعدالة، مشيرًا إلى اختلاف مستويات الدخل والاستهلاك بين الأسر والأفراد والشركات والجهات الحكومية.
وقال إن «العدالة الحقيقية هي أن تصل موارد الدولة إلى المواطن بطريقة واضحة وعادلة، وأن يحصل محدود الدخل على حماية أكبر، وأن يتحمل القادر تكلفة أكبر من استهلاكه».
واعتبر أن التحويلات النقدية المباشرة توفر، في رأيه، إمكانية أكبر للقياس والمراجعة والمساءلة، إذ يمكن تحديد قيمة الإنفاق الحكومي والمستفيدين منه ونصيب كل مواطن.
وفي المقابل، حذر بي من اختزال الإصلاح الاقتصادي في ملف الدعم وحده، معتبرًا أن أي معالجة تحتاج إلى التعامل بالتوازي مع سعر الصرف والإنفاق العام وخلق النقود وكفاءة القطاع العام وبيئة القطاع الخاص وإنتاج النفط والغاز والكهرباء، إلى جانب مكافحة الاحتكار والتهريب والفساد.
وقال: «فلا معنى لرفع أسعار الطاقة ثم تمويل عجز الخزانة بطباعة المزيد من الدنانير. ولا معنى لتعويض المواطن نقدياً ثم ترك التضخم يلتهم التعويض. ولا معنى لإصلاح سعر الوقود مع الإبقاء على فجوة سعر صرف تخلق ريعاً أكبر في مكان آخر. الإصلاح منظومة مترابطة، وليس قراراً منفرداً».
وعاد بي إلى التجربة المصرية، معتبرًا أن ما ينبغي لليبيا استخلاصه منها هو مخاطر تأجيل معالجة الاختلالات إلى أن تصل الدولة إلى مرحلة تحتاج فيها إلى التمويل الخارجي.
وقال إن ليبيا، بحسب تقييمه، لا تزال تمتلك مساحة أوسع للاختيار، مستندًا في ذلك إلى امتلاكها النفط والغاز والاحتياطيات والأصول الأجنبية، إضافة إلى عدد سكان يسمح، في رأيه، بارتفاع نصيب الفرد من الثروة الوطنية إذا أُديرت الموارد بكفاءة.
ودعا إلى استغلال هذه الموارد لإجراء الإصلاح قبل تحول الوفرة إلى أزمة، بدلًا من انتظار ظروف تفرض مسار الإصلاح وسرعته.
وفي ختام طرحه، دعا بي إلى تغيير فلسفة الدولة الاقتصادية من دعم الأسعار إلى توزيع مباشر وشفاف لحصة المواطن من الثروة العامة، مع ترك الأسعار للتحرك نحو تكلفتها الحقيقية وفتح المجال أمام الإنتاج والمنافسة والاستثمار.
وقال: «المطلوب في النهاية تغيير فلسفة الدولة الاقتصادية».
وأضاف: «بدلاً من دولة تقول للمواطن: سأعطيك دولاراً رخيصاً، ووقوداً رخيصاً، وكهرباء شبه مجانية، وسلعاً مدعومة؛ نحتاج إلى دولة تقول: هذه حصتك العادلة من الثروة العامة، وسأدفعها لك بصورة مباشرة وشفاف، ثم أترك الأسعار تعكس التكلفة الحقيقية وأفتح المجال للإنتاج والمنافسة والاستثمار».
واختتم بي رؤيته بالتأكيد على أن حماية المواطن، في رأيه، تظل ضرورة، لكنه رفض اعتبار استمرار منظومة الدعم الحالية شكلًا من أشكال العدالة الاجتماعية.
وقال: «الخوف على المواطن مبرر، بل واجب. ولكن حماية المواطن لا تكون بحماية منظومة تنتج الهدر والتهريب والامتيازات، ثم نسمي ذلك عدالة اجتماعية. تأجيل الإصلاح ليس سياسة اجتماعية».
وأضاف: «والأهم: لا يجوز أن نسمي استمرار هذا الوضع عدالة اجتماعية؛ لأن العدالة الحقيقية هي أن يصل الدعم إلى المواطن، لا إلى السلعة، وأن تصل الثروة إلى أصحابها، لا إلى من يملك القدرة الأكبر على اقتناص فارق السعر».





