أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (NATO) مارك روته أن الولايات المتحدة أبدت حالة من الإحباط تجاه مواقف بعض الدول الأوروبية بشأن الحرب في إيران، في ظل استمرار التباين داخل الحلف حول آليات التعامل مع التطورات الإقليمية المتسارعة.
وجاءت تصريحات روته خلال حديثه مع الصحفيين على هامش قمة المجموعة السياسية الأوروبية المنعقدة في أرمينيا، حيث أشار إلى وجود استياء أمريكي من بعض المواقف الأوروبية، موضحًا في الوقت نفسه أن الدول الأوروبية تفاعلت مع الرسائل الأمريكية وتعمل على تكييف سياساتها بما يشمل الاتفاقيات الخاصة باستخدام القواعد العسكرية.
وأكد روته أن الخلافات الحالية داخل الحلف لا تعكس انهيارًا في التفاهمات القائمة، بل تشير إلى اختلاف في التقديرات السياسية بشأن إدارة الأزمة مع إيران، في وقت يشهد تصاعدًا في التوتر بين الولايات المتحدة وطهران، ما ينعكس على مستوى التنسيق داخل الناتو.
وتأتي هذه التصريحات في سياق انتقادات سابقة وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump) إلى عدد من الدول الأعضاء في الحلف، حيث اتهمها بالتقصير في دعم العمليات المرتبطة بالتصعيد مع إيران، الأمر الذي ساهم في زيادة حدة النقاشات داخل التحالف العسكري الغربي.
وفي تطور متصل، أعلن البنتاغون عن خطة لسحب نحو 5000 جندي أمريكي من ألمانيا، في خطوة تعكس إعادة تقييم للانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا، وسط مؤشرات على تزايد التوتر في العلاقات بين واشنطن وبرلين.
كما سبق أن أشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة تدرس تقليص وجودها العسكري في ألمانيا، منتقدًا أداء الحكومة الألمانية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، على خلفية ملفات سياسية داخلية وخارجية من بينها الملف الإيراني.
ودعا ترامب إلى إعادة ترتيب أولويات حلف شمال الأطلسي، بحيث تركز الدول الأعضاء على القضايا الداخلية بدل الانخراط في أزمات خارجية معقدة، في إشارة إلى الحرب في إيران والحرب في أوكرانيا.
في المقابل، انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس الموقف الأمريكي عقب تعثر مفاوضات دولية في إسلام آباد، معتبرًا أن واشنطن تتبنى نهجًا ضعيفًا في التعامل مع الملف الإيراني، ما يعكس اتساع الفجوة السياسية بين الجانبين داخل المنظومة الغربية.
وتشهد العلاقات داخل الناتو حالة من التوتر المتزايد نتيجة تعدد الأزمات الدولية، وعلى رأسها الحرب في إيران والحرب في أوكرانيا، إلى جانب إعادة تقييم الولايات المتحدة لالتزاماتها العسكرية في أوروبا، في ظل نقاش أوسع حول مستقبل الحلف وتوزيع الأعباء بين أعضائه في بيئة أمنية أكثر تعقيدًا.
كالاس: قرار ترامب بسحب قوات من ألمانيا جاء مفاجئًا ويعيد طرح مستقبل الأمن الأوروبي
أفادت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (Kaja Kallas) بأن قرار الولايات المتحدة سحب نحو 5 آلاف جندي أمريكي من الأراضي الألمانية جاء دون أي تنسيق مسبق مع دول الاتحاد الأوروبي، واصفة الخطوة بأنها “مفاجأة تامة” على المستوى السياسي والأمني.
وجاءت تصريحات كالاس خلال مشاركتها في قمة المجتمع السياسي الأوروبي في العاصمة الأرمينية يريفان، حيث حذرت من التداعيات الاستراتيجية لهذا القرار، مؤكدة أنه يعمّق الحاجة إلى تعزيز ما وصفته بالركيزة الأوروبية داخل حلف شمال الأطلسي (NATO).
وأوضحت أن التطورات الأخيرة تعكس مخاوف متزايدة داخل أوروبا بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن القارة، في ظل نقاشات متصاعدة حول توزيع الأعباء الدفاعية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
ويأتي القرار في سياق ضغوط أمريكية مستمرة على الدول الأوروبية لرفع مستويات الإنفاق العسكري، إلى جانب إعادة تقييم شامل للانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل الهندسة الأمنية في القارة خلال المرحلة المقبلة.
وتُعد ألمانيا أكبر دولة تستضيف قوات أمريكية في أوروبا، حيث تحتضن منشآت عسكرية استراتيجية، من بينها مقر القيادة الأمريكية في أوروبا وأفريقيا وقاعدة رامشتاين الجوية، إضافة إلى المركز الطبي العسكري في لاندشتول، ما يجعل أي تغيير في الوجود العسكري الأمريكي ذا تأثير مباشر على بنية الأمن الأوروبي.
ووفق مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأمريكية (United States Department of Defense)، فإن عملية سحب القوات ستعيد مستويات الانتشار الأمريكي في أوروبا إلى ما كانت عليه تقريبًا قبل عام 2022، أي قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا، والتي أدت حينها إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في عهد الإدارة السابقة.
وأشار المسؤول إلى أن القرار يعكس توجه الإدارة الأمريكية نحو دفع أوروبا لتصبح المزود الرئيسي للأمن داخل القارة، في إطار إعادة توزيع الأدوار داخل التحالف الغربي.
كما أعلنت وزارة الحرب الأمريكية إلغاء خطة سابقة كانت قد وضعتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن لنشر بطارية مدفعية مزودة بصواريخ في أوروبا، في خطوة تعكس تحولًا إضافيًا في السياسة الدفاعية الأمريكية.
وأثار القرار ردود فعل متباينة داخل الولايات المتحدة، حيث حذر عدد من المشرعين والخبراء الأمنيين من أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا قد يضعف الأمن الجماعي لحلف الناتو ويمنح روسيا مساحة أكبر للتحرك.
وقال السيناتور الأمريكي جاك ريد، العضو البارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، إن القرار يعكس حالة من عدم الاستقرار في الالتزامات الأمريكية تجاه الحلفاء، معتبرًا أن هذه الالتزامات أصبحت مرتبطة بالقرار السياسي اللحظي.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد النقاش داخل الناتو حول مستقبل التوازنات الدفاعية، في ظل تغيّر الأولويات الأمنية العالمية وتزايد الضغوط على الدول الأوروبية لتحمل أعباء أكبر في المجال الدفاعي.





