الحكاية بإختصار… الأبالسة الصغار يرثون أبليس

حاول النظام الملكي الذي حكم ليبيا منذ الاستقلال وحتى سيتمبر 1969، رغم شح الموارد المالية (عائدات البترول وتصدير منتجات زراعية وحيوانية وإيجار القواعد) بناء دولة حديثة تتوافر فيها مقومات الاستقلال الاقتصادي، والنهوض الإجتماعى، وإقامة دولة القانون والحريات عبر إتاحة الفرصة للحركات والتيارات والأحزاب السياسية والنقابات والصحف المستقلة والمجالس النيابية.

كانت مرحلة امتداد لقيم ومضامين نضالية، لتكريس الاستقلال والسيادة الوطنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية وبالرغم من التجاوزات والنقائص والعثرات والأخطاء التي ظهرت بين فترة وأخرى، إلاّ أن البلاد حققت في فترة قصيرة، لم تتجاوز الثمانية عشر عاما، خطوات واسعة نحو مستقبل أفضل، وواصل التحول الديمقراطي السياسي، والنمو الإقتصادى والثقافي تطوره، ولاحت في الأفق دلالات لواقع جديد، يحمل معه آمال وأماني مجتمع بدأت تتضح معالمه، وتتحدد أبعاده يوما بعد يوم، وبدأت ليبيا تسير مع الزمن إلى الأمام، وتتدرج مع الطبيعة نحو النمو.

غير أن استهداف المصالح الدولية والمطامع الإقليمية، للمملكة الفتية، أثر سلبيا على حركة النظام والمجتمع حيث تم استثمار االتجاوزات والعثرات والأخطاء، التي رافقت مسيرة التحول والبناء في الدولة الليبية، فتعرضت البلاد إلى سلسلة من الدسائس والمؤامرات الخارجية، والضغوطات الداخلية، وبدأ التململ وترويج مقولة أن الملك تقدم به السن وبات غير قادر على السيطرة على الأمور وتولي مقاليد الحكم وأنه يرغب في التنحي، وخرج وتتردد على السنة البعض عبارة (ابليس ولا ادريس)، فسلط عليهم الله، ما كان يرغبون فيه ابليس (الذي رقصوا له فرحا من اول يوم له بدون ان يعرفوا حتى هويته، وهللوا، للانقلاب الذي سمى بالثورة العظيمة بعد ذلك، واستبشروا خيرا، ولكنه قلب لهم ظهر المجن بعد سنوات قليلة، وخون كل من امتدح النظام الملكي السايق الذي نعته بالعهد البائد، وانفرد بالحكم وحده بعد ان اقصى شركائه، وخصومه، لكنه نسى أو تناسى ان الثورة لا تكون عظيمة إلا بقدر ما تحقق من انجازات على ارض الواقع، فالشعارات والمقولات لا تكفي وحدها لتصنع الثورة.

محتوى ذو صلة
دور الغرب في تأزيم المشهد الليبي

وسقط القذافي، واصبح عهده بائدا هو الاخر، استعادت ليبيا أجواء الحريّة لتتنفّس هواء الديمقراطيّة ولم يعد أمام شعبها، إلاّ ان يحص السير ويلحق بركب التطوّر الديمقراطي، عبر تكوين منظمات سياسيّة ومؤسّسات مدنيّة، وتأمين قيام دولة دستوريّة حرّة تضمن لكل مواطن ليبي الحق في التصويت الحرّ والمتكافيء في انتخابات برلمانيّة ورئاسيّة،و ضمان واحترام حريّة التعبير، أي تحقيق الشعارات والمقولات التي رفتعها ثورة 17 فبراير.

لكن الحصيلة النهاية بعد مرور اربع سنوات من ثورة فبراير، كانت مخيبة للامال، وسارت الأمور بعكس ما تمنت وسعت اليه جموع الشعب، واصبحنا الان وحتى اشعار اخر، تحت حكم الابالسة الجدد الذين ورثوا أبليس، واستطاعوا في فترة وجيزة التفوق عليه في الاجرام.