عسكر سوسة.. بين الأمس واليوم

الكثير ممن سمع هذه العبارة يتبادر الى ذهنه للوهلة الاولى علاقة هذه العبارة مع بلدة سوسة الساحلية الليبية ولكن الحقيقة ان لا هناك علاقة البتة بين انتشار هذه العبارة والبلدة الليبية الجميلة على ساحل البحر المتوسط.

وقد درج الجيل الاول من الليبيين على استخدام عبارة عسكر سوسة كوصف لكل من يتصف بصفة شريرة ومنفرة، وصار المصطلح يتداول في الثقافة الشعبية، ليطلق على كل من يقوم بفعل أو قول أو سلوك به خبث وقلة حياء، بمعنى آخر كل من لا يتورع عن فعل القبيح والمستنكر، ولا يراعي ضوابط السلوك السائدة في المجتمع.

في عصرنا هذا، اتسع نطاق تعريف هذا المصطلح فأصبح يطلق، مزاجا حتى على الأطفال ذوي المكر والمغرمين بالمقالب والمشاكسة، ووصل الأمر بالآباء ان ينصحوا اولادهم بعدم مرافقة امثال هؤلاء مخافة أن يتبعوا طريقهم..

وحتى إن قل استخدام هذا المصطلح كثيرا عند الجيل الحالي الا انه مازال البعض من الجيل القديم يستخدم هذه اللفظة..

دعونا نتعرف على سبب التسمية وتاريخها..

تعود هذه التسمية الى احداث وقعت في القرن الثامن عشر في مدينة طرابلس الغرب..

كانت طرابلس في القرن الثامن عشر تعاني من صراعات بين أسرة القره مانلي للاستيلاء على الحكم، و في يوم 26 يوليو 1794م و في خضم تلك الصراعات  فوجئ الأهالي بظهور أسطول صغير يحمل العلم العثماني يرسو امام شواطئها بقيادة قرصان يدعى (علي برغل) وهو انكشاري عثماني كان يعمل تحت إمرة دايات الجزائر و يمارس القرصنة  في المتوسط  لحسابهم، و نزل علي برغل  الى طرابلس حاملا فرمانا عثمانيا مزورا بتوليته حكم طرابلس، ففرت عائلة القره مانلي الى تونس و نزلوا تحت حماية حمودة باشا حاكم تونس فأكرم نزولهم عليه و أجرى عليهم جرايات سخية مما أثار حفيظة علي برغل  على حمودة باشا فأعلن العداء له و جاهر بنيته لاحتلال تونس، وذات يوم جنحت سفينة حربية تونسية الى شواطئ طرابلس بسبب عاصفة عاتية فأمر علي برغل  بأسر السفينة مع طاقمها المكون من 200 بحارا، وفي يوم 24 سبتمبر 1794م قام بإرسال اسطول صغير استولى على جزيرة جربة التونسية.

محتوى ذو صلة
انحطاط تاريخي!

وبعد شهرين من الهجوم على جزيرة جربة و تحديدا في يوم 22 نوفمبر 1794 م  أرسل حمودة باشا اسطولا الى جزيرة جربة لتحريرها تزامنا مع هجوم بري على طرابلس ابتدأ مسيره من مدينة سوسة التونسية بجيش قوامه عشرين ألف عسكري بقيادة مصطفى خوجة والأسرة القره مانلية و أطلق على هذا الجيش اسم عسكر سوسة و في طريقه الى طرابلس انضم العديد من أبناء القبائل الى هذا الجيش منهم من انضم طمعا في الغنائم و منهم من انضم بسبب بغضه لعلي برغل حتى بلغ تعداد  هذا الجيش ثلاثين ألف مقاتل عند وصوله الى طرابلس، وفي ليلة 18 يناير فر علي برغل من طرابلس بسفينتين مليئتين بما استطاع سلبه من المدينة بعد ان قتل جميع الرهائن الذين كانوا تحته و دخل جيش حمودة باشا طرابلس ليجدها قد جردت من جميع اموالها و كنوزها بعدما نهبها علي برغل و لم يجد آل القره مانلي ما يكافئوا به الجيش و من انضم اليه من ابناء القبائل  فقام الجيش بنهب المدينة و استباحة منازلها الآمنة ثلاثة ايام و قتلوا كثيرا من أهلها و استباحوا الحرمات، ومن هنا أتت لفظة ” عسكر سوسة ” وصفا لكل عديم الأخلاق.

لكل مجتمع ثقافة، يتفق فيها على قيم وأنماط سلوك لا ينصح بتركها، لكن في زماننا هذا الذي نعيشه، انقلبت المعايير والمفاهيم وتغيرت الأفكار والمضامين وتبدلت فيه الحقائق والعناوين..

وأصبح الفاسدين “قليلين الدين” “العسكر سوسة” هم الشطار الذين يعيشون بيننا ويسرحون ويمرحون.. ينهبون دون حساب  وفي وضح النهار من المال العام واصبحوا بين ليلة وضحاها  أصحاب مؤسسات ورجال أعمال، في غفلة من الزمان…

وأصبح السير على منهج “العسكر سوسية” هو طريقة حياة ومنهاج سلوك في سبيل نيل المآرب، بأي وسيلة وباي طريقة، والغاية تبرر الوسيلة، في حين اصبح السير في منهاج العمل بالنزاهة والشرف، عملة نادرة بين الناس..

الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
فتحية

دوى الحكمة والنزاهة يبتعدون ويهربون من الوسط الدي يسوده الاشرار والفاسدين (العسكر سوسه ) ويفضلون الانطواء والانزواء بعيدا عن مجتمع الشر لانهم يطيقون العيش في وسط قدر ملئ بالضغينة والاحقاد ومختل المفاهيم والمعايير فبالنسبة لهم راحة البال وعدم تعكير نقاء وصفاء الروح والنفس اهم من كل المكتسبات الاخرى .