شهد جنوب لبنان تصعيدًا ميدانيًا جديدًا، مع إعلان حزب الله تنفيذ سلسلة غارات جوية وقصف مدفعي، قال إنها رد على ما وصفه بانتهاكات لوقف إطلاق النار، في أول عمليات من هذا النوع منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 16 أبريل.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي رصد تحركات لعناصر تابعة لحزب الله جنوب ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، معتبرًا أنها شكلت تهديدًا مباشرًا لقواته المنتشرة في المنطقة، ما دفعه إلى تنفيذ ضربات جوية وقصف مدفعي استهدف تلك العناصر في عدة مواقع، بدعم من القوات البرية.
وأكد الجيش الإسرائيلي أن عملياته تأتي وفق توجيهات المستوى السياسي، وتهدف إلى حماية قواته، مشددًا على أن هذه الإجراءات لا تتعارض مع اتفاق وقف إطلاق النار، مع استمرار العمل لمنع أي تهديدات محتملة.
وفي سياق متصل، تتجه إسرائيل إلى تثبيت ما يسمى “الخط الأصفر” في جنوب لبنان، وهو نطاق جغرافي يهدف إلى منع عودة السكان إلى مناطق محددة، وسط تقارير تشير إلى احتمال امتداده ليشمل نحو 55 قرية لبنانية، مع توجه للإبقاء على وجود عسكري طويل الأمد داخل هذه المناطق.
وتشير تصريحات عسكرية إسرائيلية إلى أن الانسحاب من تلك المناطق غير مطروح في المرحلة الحالية، مع استمرار العمليات ضد ما تصفه تل أبيب بالبنى التحتية لحزب الله، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار.
وفي تطور سياسي لافت، أثار منشور منسوب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا داخل الأوساط الإسرائيلية، بعد حديثه عن منع إسرائيل من تنفيذ غارات على لبنان، وهو ما اعتبرته جهات عسكرية متعارضًا مع التوجيهات الميدانية.
ويأتي ذلك في ظل اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت دخل حيز التنفيذ في 16 أبريل، ينص على وقف الأعمال القتالية، مع احتفاظ إسرائيل بحق الدفاع عن النفس، مقابل التزامها بعدم تنفيذ عمليات هجومية واسعة داخل لبنان، إلى جانب تكليف الحكومة اللبنانية بمنع أي هجمات ضد إسرائيل.
وتسلط هذه التطورات الضوء على هشاشة الاتفاق، في ظل تباين واضح في تفسير بنوده، ما يهدد فرص تثبيت التهدئة ويفتح الباب أمام تصعيد جديد في المنطقة.
وفي تطور ميداني منفصل، أعلنت فرنسا مقتل جندي من قواتها العاملة ضمن قوة اليونيفيل، وإصابة ثلاثة آخرين خلال اشتباك مسلح في بلدة الغندورية جنوب لبنان، أثناء تنفيذ دورية ميدانية.
ووفق المعلومات الأولية، اندلع تبادل إطلاق نار بين عناصر من اليونيفيل ومجموعة مسلحة، في حادثة أثارت ردود فعل رسمية.
واتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حزب الله بالمسؤولية عن الهجوم، مؤكدًا أن المعطيات الأولية تشير إلى تورط مباشر، مع دعوة السلطات اللبنانية إلى التحرك السريع لمحاسبة المسؤولين وضمان حماية قوات حفظ السلام.
من جانبه، استنكر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الحادث، واصفًا إياه باعتداء خطير على قوات دولية، معلنًا فتح تحقيق فوري لكشف الملابسات وتحديد المتورطين، محذرًا من تداعيات هذه الحوادث على علاقات لبنان الدولية.
كما أعلن الجيش اللبناني بدء تحقيق في الواقعة، عقب تسجيل إصابات في صفوف قوات اليونيفيل، مع استمرار العمل لتحديد المسؤوليات.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوتر الأمني في الجنوب اللبناني، حيث تنتشر قوات اليونيفيل لمراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم الجيش اللبناني، في منطقة تشهد حساسية أمنية مرتفعة وتكرارًا للاحتكاكات.
وفي موازاة التصعيد العسكري، دعا نائب رئيس المكتب السياسي في حزب الله محمود قماطي سكان جنوب لبنان والضاحية الجنوبية إلى عدم العودة إلى منازلهم في المرحلة الحالية، مطالبًا النازحين بالبقاء في أماكن نزوحهم.
وأوضح قماطي أن الظروف الحالية لا تسمح بعودة الحياة إلى طبيعتها، مع الدعوة إلى الاطمئنان على الممتلكات دون العودة إلى القرى أو الضاحية.
وفي خطاب تصعيدي، انتقد قماطي الأداء الرسمي اللبناني، معتبرًا أنه يتجه نحو “التفريط بالسيادة”، مؤكدًا أن حزب الله لن يعود إلى ما قبل الثاني من مارس، وأن “إصبع المقاومة سيبقى على الزناد”.
وأضاف أن الحزب لن يلتزم بنتائج أي مفاوضات رسمية، وأنه مستمر في رسم المرحلة المقبلة، في موقف يعكس رفضًا واضحًا للمسارات السياسية القائمة.
ويعكس هذا التداخل بين التصعيد العسكري والسياسي والدبلوماسي حالة توتر مركبة في جنوب لبنان، مع غياب أرضية مستقرة للتهدئة، وتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة.
ويشهد جنوب لبنان توترات متكررة منذ عقود نتيجة الصراع بين إسرائيل وحزب الله، والذي تصاعد بشكل كبير خلال حرب 2006، قبل أن يتخذ لاحقًا أشكالًا من الاشتباك غير المباشر والعمليات المحدودة عبر الحدود.
وتنتشر قوات اليونيفيل في المنطقة منذ عام 1978، مع توسع مهامها بعد حرب 2006، إلا أن طبيعة الصراع المعقدة تجعل الجنوب اللبناني ساحة حساسة أمنيًا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والدولية بشكل مستمر.





