قراءة في تاريخ الـ أف بي أي

أ.د. فتحي أبوزخار

باحث بمركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

بعد إطلاعي على كتاب “الأعداء تاريخ الـ أف بي أي” للكاتب والصحفي تيم واينر الحائز على جائزة pulitzer الصحافية الرفيعة  وجدت نفسي مشدوداً لقراءة كل صفحة من الكتاب الذي يقع في 627 صفحة، بل إعادة قراءات بعض صفحاته لعدة مرات، قد يتراءى للكاتب بأن اختيار كلمة الأعداء لعنونة الكتاب لها دلالاتها عند السيد واينر وقد يعني بذلك بأن قوة الولايات المتحدة الأمريكية تكمن في معرفة أعدائها أعداء توجهها الحر، وبدون وجهود جهاز قادر وفعال على كشف الأعداء فلن تستطيع أن تقوم لها قائمة. وقد يفسر ذلك ما حصل من اعتداءات وبأشكال مختلفة على مؤسسات سيادية بعد الاقتحامات المسلحة بالعاصمة طرابلس والتي طالت مفوضية الانتخابات، ومؤسسة النفط، وأخيراً في 25 ديسمبر 2018 وزارة الخارجية للغياب التام لمؤسسة استخبارتية  تستطيع أن تتنبأ بأي محاولات تخريبية من الأعداء.

يكشف كتاب الأعداء عن بعض الجوانب من سر قوة الولايات المتحدة الأمريكية. نعم فالكتاب يستعرض تاريخ مؤسسة تأسست على رؤية واضحة المعالم تمثلت في السعي للحافظ على، وحماية الأمن القومي لأمريكا، ولو تناقض ذلك مع الحريات المدنية. فجديلة الحقوق المدنية والأمن القومي استمرت بدون توقف، ولقد حاول جاي إدغار هوفر، مؤسس الـ أف بي أي،  أقناع رؤساء الولايات المتحدة من روزفلت إلى ترومان بضمان تمويل نشاطاته، مع تخوف ترومان من احتمال: “إنشاء هوفر غستابو (أي بوليس سري)”، وارتكز هوفر على ثلاثة أسس رئيسة :

1-    قوانين أقوى ضد أعمال التخريب.

2-    وضع قائمة بالأعداء المحتملين الذين ينبغي اعتقالهم واحتجازهم، بل ويتم الاحتجاز أحياناً خارج القانون وخارج حدود الدستور.

3-    استراق الاسلاك بحرية تامة أو ما يدعى أحياناً الفينونا Venona أي  التفتيش اللاشرعي.

العدو .. ووقف المد الشيوعي:

خلال أزمة نهب الأراضي أضطر الرئيس تيودور روزفلت أن يستدعي النائب العام  الجنرال تشارلز جاي بونابارت وطلب منه تأسيس قسم للتحقيق داخل وزارة العدل لا يخضع لآية وزارة أو مكتب أخر وتقاريره لنائب العام فقط تم خروجه للنور بعد التوقيع رسميا بتأسيسه في 26 يوليو 1908 وحذر بونابارت الرئيس من أن هذه القوى ستتعامل مع أشخاص بأخلاق  متدنية لاستخدامه في عملهم وأبلغ الكونجرس بشأن تأسيس مكتب التحقيقات في ديسمبر 1908. وفي أغسطس 1919 أصبح جاي إدغار هوفر رئيس قسم الراديكالية في وزارة العدل.

منذ بداية تأسيس الـ أف بي أي  كانت حماية الأيديولوجية الرأسمالية الحرة من عدوها الأكبر ومن تسرب فكره الشيوعي الشعبوي إليها على رأس قائمة الأهداف. فالكثير من الآباء المؤسسين لأمريكا جاءوا من أوربا بعد أن عاشت مرحلة الإقطاع، برعاية كنسية ظالمة، مذلة ومحطمة للذات الإنسانية وطموحها في السعي لعمارة الأرض واستصلاحها،  فأستحودت  أسر أقطاعية على امتلاك الأراضي الشاسعة وما عليها من حيوان وبشر وشجر بالطبع بمباركة الكنيسة الكاثوليكية. فجاءت عملية الإنقاذ من الرأسمالية الإقطاعية بترسيخ الاقتصاد الحر بهدف تحقيق العمل الخاص وضمان الملكية الخاصة حماية من جشع ونهم الإقطاعيين!

الشيوعية كانت لها محاولة في انقاد البشر من الاقطاع وليف نيكولا تولستوي الذي ينحدر من أسرة اقطاعية رفض ممارسة الإقطاع المذلة للذات الانسانية فأخذ منحى يختلف عن الرأسمالية لتحرير الإنسان من ظلم الإقطاع وجبروت الكنيسة وانحاز لحياة الفلاحين. فتطرف في الحل بإلغاء الملكية الخاصة و رفض سيطرة الكنيسة “الدين”. وبذلك كان الاختلاف مع الرأسمالية التي ثارت على ظلم الكنيسة بانتهاج مذهب الثائر  مارتن لوثر مؤسس البروتستانتية ومحاربة الإقطاع بضمان حق العمل والملكية الخاصة لكل إنسان يريد أن يكون ضمن المجتمع الأمريكي.

رؤية هوفر في صون الديمقراطية:

مع عقد الشيوعيين هدنه مع النازيين وهجوم هتلر على غرب أوروبا أعلن روزفلت الحياد واستمرار دعم بريطانيا ومع نهاية عام 1939  يقول النائب العام مورفي “لا أعتقد أنه يجدر بالديمقراطية أن تتحول بالضرورة إلى شيء مغاير لحماية مصالحها الوطنية  ..بوسعنا منع انتهاكات الحريات التي تتم عبر التخريب والإخلال بالأمن والعنف من دون تدمير للحريات” إلا أن السيد هوفر الذي وبدون علم الكونجرس وبلا تشريع أو قانون أسس  في يوليو 1940 جهاز الاستخبارات الخاصة (SIS) وبتمويل سري من الرئيس فرانكلين روزفلت، كانت له رؤية مخالفة- فصون الديمقراطية وعلى طريقته يأتي باستخدام كل الوسائل، ولو كانت غير قانونية أو غير دستورية، لوقف المد الشيوعي عدو الديمقراطية الأكبر. بل كان يسبق الاحداث ويقوم بتحفظات مسبقة كحل فـ “المباحث الفدرالية تجمع أسماء أفراد وهوياتهم ونشاطاتهم باتت القائمة تحتوي اليوم (في سنة 1948 )قرابة 12 ألف أسم، 97% منهم تقريباً مواطنون أمريكيون”. بل كان قادراً على أقناع الرئيس ترومان في توسيع سلطة (أف بي أي) للتحقيق في التجسس، والتخريب، والنشاطات المخلة بالأمن.

قد يعطي السيد هوفر الانطباع بأنه لا يتوانى في فعل أي شيء للوصول إلى مراده ولو لم يكن أخلاقياً .. فيقول ترومان على مكتب التحقيقات بأنهم : ” ينغمسون في فضائح الحياة الجنسية والابتزاز الصريح .. ينبغي لهذا  أن يتوقف”. صون الديمقراطية لا يقبل فيه السيد هوفر التهاون ولو كان بالابتزاز الصريح. فالخوف على الديمقراطية لم يقتصر على محاربة الشيوعية بل أيضاً المثلية. وهنا أتفق مع الرئيس ريتشارد نيسكون ، وبما لا يقبل الشك، بأن المثلين عرضة بشكل خاص لتقديم خدمات استخباراتية أجنبية. على ضوء قصة بيرون ميتشل و وليام مارتن ضمن سجلات وكالة الأمن القومي فقد تم تفعيل قانون المنحرفين الجنسين التابع لمكتب التحقبقات الفيدرالي منذ عام 1951، وأمر الرئيس أيزنهاور عام 1953 بمنع المثلين من العمل في الحكومة كما هو الحال بالنسبة للانحراف الجنسي، والتجسس، والتخريب، والاختلال العقلي، وإدمان المخدرات، والعضوية في الحزب الشيوعي.  وهنا ينتاب الكاتب سؤال: يا ترى إلى أي مدى يصل الحس الأمني في ليبيا تجاه المسئولين المعروف عليهم بأنهم مثلين، ومدمني مخدرات، ومنحرفين جنسياً ومخربين ؟؟؟ !!!

مراجعات الـ أف بي أي ونهاية مشوار هوفر

مع بداية عام 1969 تسربت معلومات سرية أثارت غضب الجميع مثل قصف نيكسون لكمبوديا بحجة وجود مستودعات للذخائر  تابعة للفيتناميين الشماليين، والذي هو انتهاكا للقانون الدولي،  ووقف بعض أقرب مساعدي نيكسون على قانونية أجهزة التصنت على الهواتف، والذي يستند إلى قانون مرره الكونجرس عام 1968 بمقدور الرئيس السماح باستراق الأسلاك لحماية الولايات المتحدة الأمريكية من الجواسيس والمخربين الأجانب. والغريب أنها استخدمت ضد مسئولين حكوميين وبدون إدانة أحد بل كانت الطريق المعبدة نحو فضيحة وتر قيت (watergate scandal )  بعد وصول أجهزة التصنت إلى مقر الحزب الديمقراطي بوتر قيت المنافس لنيكسون الجمهوري.

أنضم الشاب بيل دايسون إلى الـ أف بي أي ودخل إلى العالم الخالي من قواعد القانون، وأُوكلت له مهمة التصنت على  منظمة: “طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي”، التي ولد من رحمها مجموعة متطرفة الـ “وذرمن” والتي تحالفت مع حزب الفهود السود فأثارت الفوضى ثم دخلت في بيات شتوي في خريف 1969 ، وبدأت حركتهم مع سبتمبر 1969، مع انقلاب سبتمبر الأسود في بلادنا!، وقاموا بـ 38 عملية تفجير  منها الكابيتول الأمريكي والبنتاغون فعمت الفوضى وتصاعدت المواجهات مع المتظاهرين ضد حرب فيتنام.

تعهد بيل سوليفان لعمل أي شيء لردع جماعة وذرمن، ومع يناير 1970 بلغ هوفر 75 سنة حيث بدأت قدراته الإدراكية تتراجع فخاطر سوليفان بتولي وظيفة هوفر بعد أن عمل نصف قرن، وخانته قدراته في تجديد آليات عمله التي باتت غير مواكبه لعصره.   وقد حرص الرئيس نيكسون على أن كل من يتولى قيادة الـ أف بي أي من داخل المنظومة أو بالأحرى لا تنصاع للقانون!!! حيث ذكر ذات مرة: “لا أعتقد بأن شرطياً جدير بقيادة مكتب التحقيقات فعناصر الشرطة ضيقوا الأفق جداً” وهذا يفسر بأن ضباط الشرطة يدرسون القانون ويتمسكون به!!! أو ربما يمكن استغلالهم كما حصل مع روبرت هانس الذي كان جده ووالده شرطيان.

الـ أف بي أي بعد وتر قيت :

بعد تنصيب جيمي كارتر رئيساً في يناير 1977 دخلت الـ أف بي أي في جمود استمرت لسنة قبل تنصيب كلارنس كيلي مديراُ لها. في فبراير 1978 تم تعيين ويليام ويبستر الذي يريد قانوناً يحدد : ” ما يتوقع الناس منا فعله،_ ليس ما لا يسعنا عمله بل ما يتوقعون منا فعله” وبات هناك توافق على صياغة سياسية ترى في أن الإرهاب الخارجي يتطلب مواجهة بالجنود والدبلوماسيين أما الإرهاب بالداخل فهو عمل الـ أف بي أي. وهو الذي يواجه تحديات تشريعية إضافة إلى الخُروقات التي تتم من الداخل كما حصل مع روبرت هانس الذي كان شرطياً وأنضم إلى أف بي أي في عام 1976 ، والذي أُكتشف تعامله مع الاستخبارات السوفيتية. وبقدوم  الرئيس رونالد ريغن في 1981 تضاعف الأنفاق على الـ أف بي أي ودعم حربها ضد الروس فبعد أسبوع من تنصيبه قال: ” ليحذر الإرهابيون  إن هاجموا أمريكا فسوف تنزل بهم العقاب السريع والفاعل”. وكان الاختبار لريغن بعد الفشل في تحرير الرهائن في أكتوبر 1985 وأسر بيتر كيلبرن أمين مكتبة بالجامعة الأمريكية بلبنان ولمدة 10 أشهر وبعد ترتيب الـ أف بي أي لفديته بمليوني دولار أمر العقيد معمر القذافي بقتله!  بعدها توغلت قوات بحرية أمريكية في مارس 1986 لمسافة 12 عقدة بحرية في المياه الإقليمية الليبية وبسبب غطرسة معمر القذافي، وهو المسئول عن قتل بيتر، وهمجيته فلم يعالج الأمر مستنداً للقانون الدولي أو المناورات الدبلوماسية فبعث في 5 أبريل 1986  من زبانيته الإرهابيين من زرع قنبلة بملهي (لابيل) ليلي ببرلين فأسفرت على مقتل أثنين من الجنود الأمريكيين وامرأة تركية وجرح 22 أخريين. وكما توعد ريغن فكان رده قاسياً فبعث 66 طائرة في 15 أبريل 1986 لتقصف مواقع في طرابلس وبنغازي.

المفاجأة للاستخبارات الأمريكية أنهم لم يستطيعوا فك بعض الاتصالات التي كانت تتم بين المخابرات الليبية باللغة الأمازيغية، وكتب فرانك قريف في هاريلد الوشنطون   (Herald Washington Bureau Frank Greve) مقالة بتاريخ 8 يونيو 1986 بعنوان: “قلة مترجمين للأمازيغية ساعد في قتل أثنين من الجيش الأمريكي” فأتضح أهمية تعلمها، بل تم تمويل مشروع يقضي بتصنيع جهاز له القدرة مسح أي كتابة أو صوت وترجمته فورياً لمساعدة الجنود الأمريكان.

التوازن بين الحرية والأمن:

بالرغم من محاولة النائب العام إدوارد ليفي في حكم مكتب التحقيقات عقب فضيحة ووترغايت والذي سار على درب القاضي هارلان فيسك ستون حذر في الماضي من خطر البوليس السري على المجتمع الحر!!! فيظل من أكير المعضلات التي قد تواجه أي مؤسسة استخباراتية هي الموازنة بين الحرية الشخصية وأمن الدولة! بعد رونالد ريغن استمر الجمهوريين في الحكم فجاء جورج بوش الأب  ومن بعد الديمقراطي بيل كلينتون في 20 يناير 1993 والذي لم يصمد فخلفه مع نهاية ولايته في 20 يناير 2001 جورج دابليو بوش ليعود الجمهوريين من جديد .. في يناير 2009 جاء الديمقراطي باراك أوباما  ومع مرور مئة يوم من العمل وتحديداً في 28 أبريل من نفس السنة حضر السيد أوباما إلى مبنى هوفر لحضور احتفالية مرور مئة عام (قرن) عن تأسيس الـ أف بي أي. فاستهل خطابه   قائلاً: “في العام 1908 كان هناك 34 عميلاً خاصاً فقط  يقدمون تقاريرهم إلى النائب العام في عهد ثيودور روزفلت. اليوم ثمة أكثر من 30 ألف رجل وامرأة يعملون داخل الـ (أف بي آي). وقد تغير الكثير في الـ 100 سنة الأخيرة.. حمداً لله على التغيير .. أعلم أيضاً أن بعض الأمور بقيت ثابتة. حكم القانون-وهو الأساس الذي بنيت عليه أمريكا. وهو الهدف الذي طالما أرشد سلطتنا. ولهذا السبب يجب أن ننبذ دوماً الاختيار بين أمننا ومُثُلِنا”.

الخلاصة:

سنختم مقالتنا بنص من كلمات السيد ألكساندر هاملتون (Alexander Hamilton

1787 والتي استهل بها الكاتب تيم واينر مؤلفه: “إن التدمير العنيف للحياة والممتلكات الناجم عن الحرب، والجهود والتحذيرات المتواصلة الملازمة لحالة الخطر المتواصل ستجبر الأمم الأكثر التزاماً بالحرية، إلى اللجوء-من أجل الحصول على الأمن والسلام- إلى المؤسسات التي تميل إلى تدمير الحقوق المدنية والسياسية، للحصول على مزيد من الأمن، تصبح هذه الأمم في النهاية مستعدة للتعرض لخطر التمتع بقدر أقل من الحرية.” وهذا يفيد بأنه ستظل جدلية الأمن والحرية قائمة.

لا جدل في أن العمل على تحقيق مصلحة الأمة مطلوب من جميع أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية ضمن منظومة أمنية محكمة.  ولكن تظل الجدلية قائمة بين ضرورة إصدار الدولة لتشريعات بحيث تتبع ما يخل بأمنها وتجاوز وتجاهل تلك التشريعات بحجة ضمان الأمن القومي للأمة. نجاح تحقيق الأمن لا يمكن أن يتأتى في وجود عدو حقيقي. وسيظل السؤال قائماً هل الأمة تصنع أعداء أم الأعداء هم من يتربصون بالأمم؟ وهل هذا مقبول ونحن نعيش تحت رقابة هيئة الأمم المتحدة وقوانينها وبرعاية مجلس الأمن الدولي؟!

لو أدركت أمريكيا عوضاً عن تغيير العالم بميكافيلية استخباراتية  وفق مفهومها للعالم الحر الديمقراطي وحاولت تغيير نفسها بما يتوافق مع خصوصيات الفضاءات الآخرى من العالم بحيث تساعدها على التغيير  والتحرر وبناء الديمقراطية.. وفي هذا المقام نستدعي قول الفيلسوف تولستوي حين يقول: “الجميع يفكر في تغيير العالم ولكن لا يفكر في تغيير نفسه” وهذا ينطبق علينا أفراد ودول.