قراءة في مفردة الوفاق وتداعياتها على الشأن الليبي

دعوني أولا أن أقول قبل الخوض فيما أود تناوله بأن انتفاضة الناس بليبيا مع نهاية 2011 م، جاءت بعدما ضُيّق عليهم من قِبل منظومة عبثت بهم، وبموارد بلادهم، بل ذهبت هذه المنظومة نحو تجّريدتهم من آدميّتهم، فتعاملت مع البعض ككلاب ضالة -كما اسّمتهم- والآخر غير ضال.

كل ذلك وغيره، شكّل في مجموعه الباعث الذي دفع الناس نحو التحرّك، فكانت بذلك انتفاضة شتاء 2011م، وكانت هذه أيضا وسيلتهم واداتهم نحو السعي لصناعة وإرساء آلية حكم راشدة، يتمكنون بها ومن خلالها ادارة شأنهم العام على نحو سلس. آلية ناجعة تضبط ايقاع تدافع حراكهم العام داخل جغرافية وطنهم، تُبّعده عن الانزلاق الى مهاوي الشطط، وتوجّهه عبر اطر دستورية قانونية، لتُرّوض حدّته، وتلجم نزقه، وتجعّل منه تدافع سلمى منتج، ذو مردود عالي الايجابية. وهذا لا يتأتى الا بالتوجه صوّب مسار ديمقراطي، سينتهي في خاتمته الى التأسيس لدولة المواطنة، دولة المؤسسات والقانون، دولة تكافؤ الفرص، حيث فضاء الحرية يسع الرأي والرأي الاخر.

ومن الطبيعي بأن هذا التوجّه سيجّترح لنفسه لسانه الخاص يُظّهره، في مفردات وكلمات ومفاهيم ومصطلحات، او يسّتدعيها الى دنيا قاموسه الثقافي المتداول في حراكه اليومي داخل فضاء حياته، فتصير مفردات الحوار، الدستور، منظمات المجتمع المدني، حق التظاهر، كلمات متداولة بين الناس في منّشطهم اليومي، ويكثر ترديد كلمات كانت غائبة ضمُرت وجفّت واختفت لقلّت تداولها والتعاطي معها خلال العقود الماضية. ككلمات قانون الانتخابات، الدائرة الانتخابية، البرلمان، المحكمة الدستورية، مسائلة الحكومة، حجب الثقة عن الحكومة، تجريد الحصانة عن العضو بمجلس النواب بغرض المسائلة الخ.

ولكن وبالقطع ستختفى وتسقط مفردات ومصطلحات كثيرة من التداول، فمثلا، مفردة (التوافق) واشتقاقاتها، سوف لن يكون لها حيز تشّغله داخل هذا القاموس، لأنه وبإيجاز القول، قد تمّ احتواء هذه المفردة واشّتقاقاتها في مفهومها الاصطلاحي داخل جسم مؤسساتي يُعّتبر لبنة اساسية في هذه البنية الديمقراطية، وحمل هذا الجسم داخل البناء الديمقراطي مسمّى البرلمان، فآليّة هذا الجسم ستعمل على تفّكيك مفردة التوافق هذه، وتتولى اعادة صياغتها على نحو جديد ومنتج في صّور من النقاش والحوار والجدل والتداول، يفّضى في نهايته الى استخلاص الجيد والحسن وترّجيحه على غيره، وذلك بالاحتكام داخل هذه المؤسسة الديمقراطية الى الاغلبية.

وبصيغة اخرى أقول، ان مفردة الوفاق واشتقاقاتها في مفهومها الاصطلاحي، اتنا ولحظة تداولها داخل البناء الديمقراطي تسّتَدعى وعلى الفور الى الذهن، الامر المختلف عليه، وليس الامر المُراد التوافق عليه.  وبقول اخر تسّتَدعى الى الذهن الامر المُخّتلف عليه. ومن خلال النقاش الموضوعي والحوار الهادف، والجدل والتداول المسؤول، يُصار الى اثراء الافكار وتلاقحها حول المختلف عليه، وفرز الغث منها والسمين. وبكل هذا ومن خلاله، يتمْ تفكيك المختلف عليه عبر آلية تعتمد العقل وموازناته داخل مؤسسة هذه البنية الديمقراطية، التي تضم كل الناس في ممثليهم. وهذا الاسلوب في التداول والتمّحيص، هو آليّة -ان شئتم- واداة حديثة افّرزها تأويل العقل الإنساني لكلمة الشورى، في محاولة منه لإنزالها من برّجها العاجي الى دنيا التداول. لجّعلها اداة من ادوات الفعل الإنساني المنتج في دنيا هذا العالم المأزُم.

ولكن وفى هذا السياق، عندما يتم اسّتدراج مفردة الوفاق واشتقاقاتها خارج هذا البناء الديمقراطي في مؤسسة البرلمان ليتمْ تداولها بعيدا عن جميع الناس في ممثليهم، نجدّها ستحمل وعلى الفور وجه اخر بمضامين أخرى، قد تكون هذه المضامين مُسّتبطنة غير ظاهر تتخفّى وراء الوجه الاخر للكلمة، المرادف لما عُرف بالصلح خير.

فالوفاق كما أسلفنا القول، وفى سياقنا هذا، كلمة تسّتَدعى الى الذهن عند نطّقها وتداولها داخل البناء الديمقراطي، امر ما مخّتلف عليه، ولكن اذا ثمّ اسّتدراج هذا المخّتلف عليه، والذى يهم كل الناس للتداول خارج البناء الديمقراطي يصير الى وجه اخر، الى امر يُراد التوافق علية. وهذا في الواقع، ليس سوى الباسه صبّغة خاصة للإيحاء بانه امر لا يهم كل الناس.  وبهذا الفعل، يتم نقل الاختلاف الى خِلاف، بمعنى نقل الاختلاف من امكانية التفكيك والحلّحلة الى حالة التجسيم والتعيّن في هيئة خِلاف له اطرافه وكوادره.

وبصيغة أخرى، استطيع القول بان هذا المبدع العتيد الذى عمل على اسّتدراج المختلف عليه في الشأن الليبي للتداول خارج البنية الديمقراطية، لم ينّقله فقط من حالة الاختلاف الى حالة خِلاف، بل تمكن من تشيئ وتجسيد هذا الخِلاف في اجسام لها حيثياتها، تتحرك بها ومن خلالها على دنيا الواقع الليبي، وتعبث به وتؤزّمه، مُفعّل بحراكها هذا، مسار اخر موازى للمسار الديمقراطي التي جاءت انتفاضة شتاء 2011م بإمكانية إرسائه وتجديره داخل هذا الواقع الليبي المتخلّف، ومُعوّلة عليه في تفّكيك كل العقد المسّتحّكمة فيه التي تشدّه الى قاع هذا الواقع المأزُم مند عقود طويلة.

ومن هنا يأتي تساؤل ليقول، هل عرّاب مؤتمر الصخيرات وحادي قافلته نحو شواطئ الأطلسي، كان يسعى من وراء كل هذا الى استدراج مفردة الوفاق واشتقاقاتها للتداول خارج البناء الديمقراطي، لكي تكون له ركيزة ومتكئ واداة لخلّق مسار اخر موازى للمسار الديمقراطي الذى جاءت امكانية تَخلّقه على الجغرافية الليبية مع انتفاضة شتاء 2011م، وهل بفعّله هذا سعى حينها الى تطّويع الهيئة الاممية الراعية، لتعمل ضد مبادئها، مستغلا وموظفا غطائها الأممي في تحّشيد المجتمع الدولي ليكون حاضنة لمفردة الوفاق واشتقاقاتها؟

وبعد كل هذا، يكون من الجيد امام شعوب العالم ودوله ان تظهر الهيئة الاممية في توافق تام مع ذاتها في تعاطيها مع ما جاءت من اجل تحقيقه على ارض هذا العالم البائس. وهذا ليس بالعسير إذا التزم كادرها بسلوك مسؤول تجاه مبادئها الانسانية العتيدة. فمثلا، لا يجب ان تسّمح بتمرير ما قد يتعارض مع مبادئها من تحت مظلّتها الاممية. وإن حدث ذلك في السابق، لا تتردد في السعي الى معالجته بإعادة تصحيحه وعدم تكراره، ولا تقبل ان تسّند او تُبارك خطوات او لقاءات او تجمعات منتديات ومؤتمرات تراها لا تصب في تيار توجهاتها التي تسعى بها ومن خلالها نحو زيادة مساحة الديمقراطيات والسلم، على حساب نقيضها فوق رقعة جغرافية هذا العالم البائس.

اترك تعليق

  اشتراك  
نبّهني عن