في وقت تتواصل فيه التقلبات الحادة في سوق الصرف الليبي وتتزايد الضغوط المعيشية على المواطنين بفعل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، تتصاعد التساؤلات بشأن جدوى السياسات النقدية المتبعة وقدرتها على كبح جماح السوق الموازية واستعادة الاستقرار الاقتصادي، وبينما يواصل الدينار الليبي مواجهة تحديات متزايدة أمام العملات الأجنبية، يرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة تتجاوز الجوانب النقدية لتلامس إشكاليات أعمق تتعلق بإدارة الموارد وغياب التنسيق بين أدوات السياسة الاقتصادية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الأسواق ومستويات المعيشة في البلاد.
وحول ذلك، أكد محمد يوسف درميش، مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي سابقًا بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، أن تقييم الوضع الاقتصادي في ليبيا يجب أن ينطلق من ثلاث ركائز أساسية تتمثل في الموارد والإمكانيات الاقتصادية، ونوع النشاط الاقتصادي وطبيعة سوقه، ومدى مساهمة الاقتصاد في الاقتصادين الدولي والإقليمي.
وأوضح درميش، في تصريحات لشبكة “عين ليبيا”، أن ليبيا “دولة اقتصادها ممتاز ومركزها المالي جيد جدًا”، إلا أن نوع السوق فيها هو “احتكار قلة”، ويعاني من سوء إدارة الموارد والأموال المتاحة، كما أن تأثيره في الاقتصادين الدولي والإقليمي يظل محدودًا لصغر حجم هذا المكون الاقتصادي.
وأضاف أن السوق الليبي الحالي يعاني من احتكار القلة وغياب الإدارة الرشيدة التي تحسن إدارة الموارد والأموال، الأمر الذي زاد من تفاقم الأزمات النقدية والتجارية والمالية باعتبارها أزمة اقتصادية متكاملة في البلاد.
وفيما يتعلق باستمرار تراجع قيمة الدينار الليبي، أرجع درميش ذلك إلى سوء إدارة الموارد والأموال وتكرار أخطاء عشرات السنين السابقة، إلى جانب اتخاذ قرارات وصفها بالعشوائية لتخفيض قيمة الدينار عدة مرات دون مراعاة تداعيات وخطورة هذه القرارات.
وأشار إلى أن هذه القرارات تسببت في زيادة حدة التشوهات في الاقتصاد، بينما تستفيد منها مجموعات بشرية معينة، في الوقت الذي تخسر فيه الدولة عشرات المليارات في أصولها المقومة بالدينار، كما تخسر المؤسسات والبنوك في معدل العائد على الاستثمار، وتتضخم أرقام الميزانية العامة.
وانتقد درميش أداء مصرف ليبيا المركزي، معتبرًا أنه “ما زال يكرر نفس الأخطاء والقرارات السابقة الأحادية الجانب”، دون تنسيق مع أدوات السياسة الاقتصادية والتجارية والمالية، داعيًا إلى وضع خطة استراتيجية لمتابعة الأحداث بشكل مستمر ووضع حلول للمشكلات التي تواجه الاقتصاد الليبي.
وقال إن خير دليل على ذلك أن مصرف ليبيا المركزي ضخ أكثر من 6 مليارات دولار في السوق الليبي، “ولم يحدث نقص في سعر السوق الموازي”، مرجعًا ذلك إلى أن السوق الموازي “سوق احتكار قلة” وقادر على السيطرة على الأسعار كما يشاء، في ظل غياب التنسيق التام بين أدوات السياسة الاقتصادية الثلاث.
وحول أسباب ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، أوضح درميش أن العوامل الرئيسية تتمثل في القيود المفروضة وتعقيد الإجراءات وقلة المخصصات للأغراض الشخصية، إضافة إلى عدم تنظيم الاعتمادات بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة ومتابعتها، ما أدى إلى اتساع فجوة عدم الثقة بين المواطنين ومصرف ليبيا المركزي.
وأشار إلى أن سياسات الانكماش وفرض الرسوم والضرائب وتخفيض قيمة الدينار تمثل قرارات أحادية الجانب يتخذها مصرف ليبيا المركزي دون تنسيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة المالية ضمن سياسة اقتصادية موحدة تأخذ في الاعتبار جميع العوامل المؤثرة الأخرى.
وأكد أن لهذه السياسات تداعيات خطيرة تتمثل في زيادة حدة التشوهات في الاقتصاد الليبي، مشددًا على أن غياب الإدارة الرشيدة واتخاذ القرارات العقلانية التي تستهدف تحسين المستوى المعيشي للأفراد وحسن استثمار الموارد والأموال المتاحة يمثلان جوهر الأزمة الحالية.
وحذر الباحث بالمركز القومي للبحوث والدراسات العلمية والخبير الاقتصادي محمد درميش، في تصريحه لشبكة عين ليبيا، من أن السيناريوهات المتوقعة لسعر صرف الدينار مقابل الدولار خلال الأيام والأشهر القادمة تشير إلى زيادة سعر الدولار في السوق الموازية في حال استمرار غياب دور المصرف المركزي، لافتاً إلى أن المحتكر سيزداد تغولاً ويحصد مزيداً من المكاسب.
وأضاف درميش أن الأمر يتطلب إجراءات عاجلة من المصرف المركزي، من بينها وضع سعر كسقف للدولار داخل المصرف المركزي لبدء المسار التنازلي لسعر الصرف، ضارباً مثالاً بتحديد سعر 5 دنانير للدولار.
كما دعا إلى رفع المخصصات السنوية إلى 15 ألف دولار، على أن تكون متاحة بأبسط الإجراءات طوال العام، إلى جانب منح مخصصات للعلاج والدراسة بقيمة 20 ألف دولار سنوياً للراغبين في الاستفادة منها، مع تنظيم الاعتمادات بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة ومتابعتها.
وختم درميش بالقول إن ليبيا تعاني اليوم من قصور مصرف ليبيا المركزي في أداء مهامه، وغيابه كمؤسسة حكومية يفترض أن تضطلع بدور حماية الاقتصاد الليبي من تغول السوق السوداء.




