ليبيا بين معسكرات توقيف الأفارقة وتوطينهم

ليبيا بين معسكرات توقيف الأفارقة وتوطينهم

د. عيسى بغني

أكاديمي مهتم بالشأن الليبي

التخويف من التوطين أسلوب استخباراتي تسلكه الحكومات المتعاقبة لإبعاد الأنظار عن الموضوعات المهمة، فالقذافي كان عراب التوطين، حيث قال لا مانع أن تكون ليبيا بعدد 100 مليون أفريقي، وقال قبلها لا مانع أن يكون هناك عشرة مليون فلاح مصري في ليبيا. ردد حفتر تلك المقولات إذ قال إنه سيقوم بتوطين 10 مليون مصري، وجراء هذه التصريحات كان هناك تماهي مع السلطة في توطين الكثير من غير الليبيين، بدعوى أنهم عائدون من المهجر كما حدث لقبيلة الجوازي العائدة من مصر إلى بنغازي، وأصحاب الجنسية العربية من فلسطينيين وسوريين وأصحاب الأرقام الإدارية من الطوارق في الجنوب الليبي والتي لم تسوى أوضاعهم بعد، كما أن منظومة الرقم الوطني التابعة للسجل المدني قد رصد وجود إدخال أرقام وطنية جديدة مزورة لا أساس لها في سجلات تعداد السكان عام 51 أو عام 1964 في كل من الشرق الليبي وأقل منه في الغرب.

ليبيا كانت ولازالت ممر للهجرة الإفريقية إلى أوروبا منذ 250 سنة وكانت الحكومات في العهد القره مانلي تتكسب من هذه التجارة حتى إعلان منع الرق، حيث ألغت بريطانيا تجارة الرق في 1807، بينما جرى منع الاسترقاق رسميا عبر الولايات المتحدة في 1865، وجرمت الأمم المتحدة الاسترقاق عالميا بتبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948، وبذلك توقف نقل العبيد الأفارقة من جنوب الصحراء إلى موانئ طرابلس وتاورغاء وبنغازي.

رغم الأعداد الكبيرة من العبيد الذين كانت ليبيا طريقهم إلى أوروبا لم يبقى منهم إلا عدد قليل على الأراضي الليبية، واليوم تجارة الرقيق راجت لأسباب كثيرة منها تهديد القذافي أوروبا بأن يفتح أبواب الهجرة للأفارقة في سنة 2011 م عقب الثورة الليبية ولقد عاصرنا قيام رجالات الأمن بالحكومة قيامهم بتعبئة الأفارقة قسرا في قوارب مطاطية والدفع بهم في البحر للذهاب إلى أوروبا في صيف 2011م، كما أن المليشيات المتعاقبة على الغرب الليبي كانت ضمن شبكة دولية لاستقطاب ونقل أفارقة من نيجيريا وغانا ومالي والنيجر وتشاد إلى الجنوب الليبي ثم إلى الساحل مع تجهيزهم بقوارب مطاطية لعبور البحر المتوسط إلى أوروبا، وكل ذلك لأجل المال.

أخيرا وصل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاقية يوم 1 يونيو 2026م تتضمن طريقة جديدة للتعامل مع المهاجرين غير الشرعيين بعد أن لاحظ أن 28% فقط ممن أصدرت لهم حكم الأبعاد تم إرجاعهم إلى بلدانهم، ويتضمن البرنامج الجديد الآتي:

  • وضع ضوابط أكثر شدة عن الهجرة غير الشرعية وطلب اللجوء السياسي.
  • إخبار المهاجرين غير القانونيين بالعودة إلى بلادهم.
  • إيقاف المساعدات عن المهاجرين غير الشرعيين وطالبوا اللجوء السياسي، من غير الأطفال.
  • مجهولو الجنسية، أو الذين ترفض دولهم قبولهم، يتم تحويلهم إلى معسكرات توقيف تقام في دول خارج الاتحاد الأوروبي.
  • إيطاليا شرعت في إقامة معسكر توقيف للمهاجرين في ألبانيا.
  • الدول الإسكندنافية وألمانيا تقوم بالتنسيق مع عدة دول مرشحة لإقامة معسكرات توقيف منها رواندا ليبيا موريتانيا أثيوبيا وأزبكستان.

    رغم أن القانون 24 لسنة 2023م الصادر من مجلس النواب يمنع التوطين للأفارقة وغيرهم بأي شكل، إلا أن المزورين الذين قاموا بتزوير آلاف من الأرقام الوطنية لا يمنعهم قانون صادر من مجلس النواب المتشظي والذي لا يملك سلطة موحدة، ومن الواضح أنه ليس هناك فرض للتوطين في ليبيا أو غيرها ولكن هناك عملاء غير وطنيين يقومون بتهريب الأفارقة إلى ليبيا لأجل المال، وهناك سياسيين يتشبثون بالحكم لدرجة أنهم لا يهمهم بناء معسكرات توقيف أو توطين الأفارقة أو حتى توطين الشياطين، ولذا كل الجهد يجب أن ينصب حول توحيد سلطات الدولة وتجديد شرعية البرلمان وليس الاعتداء على الأفارقة البؤساء.

    الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

    د. عيسى بغني

    أكاديمي مهتم بالشأن الليبي