مجانين اليوم سيصبحون عباقرة الغد

جيراردو نوتر

الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا

يتحدث أسامة منصور وعياد البعباع من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا عن مختبر التسريع خلال الاطلاق الرسمي للبرنامج في حي الأندلس بطرابلس [برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ليبيا]
لعلنا نستطيع تعريف الجنون كما وصفه ألبرت آينشتاين بالقول: “الجنون هو أن تفعل ذات الشيء مرةً بعد أخرى وتتوقع نتيجة مختلفة” رفض النابغة الألماني الإيمان بأصل الفكرة التي تقول بأنه لا يمكن التنبؤ بما يخفيه العالم. كما طرح على نفسهِ سؤالاً: هل العالم الذري مجنون، أم إنهُ مجرد غامض؟ ما أطلقه آينشتاين من تعريف على “الجنون” يمكن أن ينطبق على بعض المقاربات المتكررة في مجال تعزيز التنمية. نحنُ ندعم الحكومات لكي تسُن تشريعات جديدة، لكن الفجوة بين القوانين والواقع لا تُسَدْ في غالب الأحيان ولا يستفيد الناس من التغيير. نحنُ نعيد تأهيل المدارس، لكن معدلات محو الأمية لا ترتقي بالضرورة إلى المستوى المطلوب. نحنُ نبني المستشفيات، لكن لازال الناس يموتون بسبب الأمراض التي يمكن الوقاية منها وعلاجها.

لقد تعلمنا بأنهُ ثمة العديد من مبادرات التنمية التي كان لها أثر محدود على حياة المواطنين بالرغم من أنها قائمة في الأصل على حسن النية. أليس من الواضح حتى الآن أنهُ ولأجل إحداث التغيير في مجال التنمية فإنهُ يتوجب علينا الذهاب إلى ما أبعد من تكرار نفس الأشياء وتوقع نتائج مختلفة؟

أود أن أقول بأنهُ ربما كُنا ولازلنا عاقلين بما فيه الكفاية وذلك بما يتوافق مع ما قاله الأديب والشاعر الأسباني ميغويل دي سيرفانتس سافيردا، مؤلف كتاب “Don Quijote”، أنّ “المبالغة في الرشد قد تكون أكثر الأمور جنوناً، افتح عينك لرؤية الحياة كما هي وليس كما ينبغي أن تكون”.

إن مسطلح “عدم العقلانية”، “الجنون”، أو “الهبل” هو مفهوم يجمع بين نقيضين حيث يمكن إثبات ذلك من خلال تطور المصطلح لغوياً على مر التاريخ. للجنون دلالة سلبية، كما أنهُ مرتبط بالتأثيرات الخارقة للطبيعة والشيطانية. مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأ الجنون يُفهم على أنهُ سلوك لهُ مكانة بتفسير يخالف الأعراف الاجتماعية. أما في وقتنا الحالي فقد أُعترف بــ “الجنون” على أنهُ صفة لا غنى عنها من صفات العباقرة والحكماء. هنالك أشخاص على نفس درجة العالم الفارسي محمد ابن سينا الخوارزمي، والكاتب والناقد الأدبي الأمريكي إيدغر ألين بيو، وعالم الأحياء البريطاني تشارلز داروين، وعالم الفيزياء والكيمياء الفرنسي ماري كيوري، والرسام و المثقف الإيطالي ليوناردو دا فينشي، الذين أُطلق عليهم مجانين في بداية مسيرتهم، ثُمّ أُعترف بأنهم عباقرة وسابقين لأوانهم في وقت لاحق.

تأسس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1965 لمساعدة الدول في القضاء على الفقر وتحقيق التنمية البشرية المستدامة. الفكرة مجنونة، أليست كذلك؟

منذُ نشأته، وضع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تصوراً للحياة كما ينبغي أن تكون: فرص كثيرة ومتاحة للجميع بما يشمل النساء والرجال والأطفال والأجيال المقبلة. قُمنا بإعادة تنسيق الدعم وتكييفه بحيث يصل إلى 170 دولة حول العالم بغية الوفاء بالأولويات المستجدة وبهدف واضح: مساعدة الدول في تطوير السياسات العامة، والمهارات القيادية، وإقامة الشراكات، وبناء القدرات المؤسسية، وتعزيز الصمود، من اجل تحقيق النمو الاقتصادي الشامل والمساواة في تقاسم المنافع بطريقة مستدامة.

نعيش الآن مرحلةً من مراحل التاريخ حيث حياتنا تعتمد وتستمد نمطها بشكل عميق من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. لقد تغير المجتمع البشري دراماتيكياً بطرق يصعب تصورها منذ بضع سنوات. هنالك مبادرات جديدة “مجنونة” لا حصر لها في طول العالم وعرضه. في هذا السياق، أشار السيد أشيم ستينير، مدير البرنامج الإنمائي، قائلاً.. “أدركنا بأنهُ يتعين على برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الاستناد إلى الدروس المستفادة في مجالات الابتكار وتنظيم المشاريع وذلك لتبني نهج أكثر حيويةً بهدف التسريع في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة”.

إنّ مختبرات التسريع التي أنشأها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبالغ عددها 60 مختبراً والتي أعلن عن انطلاقها في أرجاء العالم بهدف اختبار ووضع حلول جديدة – هي طريقتنا للمضي بــ “جنون” نحو إضفاء زخم جديد على عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والتنمية المستدامة في جميع أنحاء العالم.

محتوى ذو صلة
حقيقة الأوراق المطبوعة في روسيا وآثارها الاقتصادية

هناك نوع أخر من الجنون في ليبيا ظلّ يعاقب الناس لفترة طويلة. بدلاً من تحقيق وعود التغيير التي أُطلقت في عام 2011، وقع الليبيون في مصيدة الانقسامات والعنف حيث الصراع الذي طال أمده والذي منعهم من المضي قدماً في مسار التنمية المستدامة وتحقيق الاستفادة من الإمكانيات الرائعة للشعب ومن الموارد الوطنية. فُقدت العديد من الأرواح ضحيةً للحروب. أجبر العديد من المواطنين على النزوح من مواطنهم. عانى العديد من المهاجرين من أشكال الاستغلال وسوء المعاملة، أو ماتوا في عرض البحر. تتحمل النساء عبأ ثقيلًا من عواقب الحرب ، ويعانين من العنف القائم على نوع الجنس وانتهاكات حقوقهن الإنسانية. منع الأطفال من الحصول على التعليم الجيد. تأثرت الخدمات الأساسية بشكل سلبي جرّاء النزاع وإهمال المرافق العامة. انعدمت الفرص التي تشجع الشباب بعد أن شاهدوا مشاريعهم المستقبلية وهي متوقفة. أضِف إليه التنمية المستدامة التي تبدو حلماً بعيد المنال.

بالنسبة لعملنا مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا، فإننا نعتقد بأنه هنالك مسار آخر ممكن وثمة حاجة ماسة إليه. توجد أطراف فاعلة مُلتزمة ومدفوعة بالحيوية وعلى استعداد وتواقة إلى بناء ليبيا مختلفة عما هي عليه. هذا المسار هو طريق السلام والتنمية الشاملة كبديل عن العنف الغير مبرر. لقد اخترنا “الجنون العبقري” لتمكين الجهات الفاعلة التي تعتمد الأساليب المبتكرة وأننا لازلنا نبحث عن أوجه التآزر لحل مشاكل التنمية. صُمم مختبر التسريع في ليبيا ليكون مُحفز للتنمية من خلال الاستكشاف وتخطيط الحلول والقيام بالأنشطة التجريبية.

بدأ مختبر التسريع في ليبيا العمل من خلال البحث عن أشخاص متقاربين من حيث التفكير ويتميزون بالابتكار لمساعدتهم في طرح الأفكار وتجريبهم دون خوف من الفشل. كما أن دورة النشاطات التجريبية القصيرة ورفع مستوى الأفكار الناجحة ستؤدي إلى جعل المبتكرين يستفيدون ويستقون الدروس من النجاحات والإخفاقات.

قُمنا بالفعل بتشكيل فريق يعمل داخل المكتب القطري لكي يمضي قدُماً في هذا المسار. وبعد برنامج مكثف خاضه أعضاء الفريق حيث تم إطلاعهم على أكثر التقنيات والأساليب فعالية، عاد هذا الفريق إلى ليبيا لتطبيق أفكارهم على أرض الواقع. أولويتنا بالنسبة للأيام الــ 100 القادمة ستكون إدارة النفايات الصلبة – وهي مشكلة حقيقية يواجها البلد بشكل يومي.

سيعمل مختبر التسريع في ليبيا على جمع: 1) الحلول الجذرية المطروحة من المنظمات والأفراد لكي يتم تجريبها والرفع من مستواها، 2) الشركات الخاصة التواقة إلى العمل مع المجموعات المحلية من المناطق الواقعة في نطاقها المكاني، 3) المؤسسات الحكومية التي تحتاج إلى تنفيذ سياسات وحلول بشأن المشاكل بما يشمل مشكلة إدارة النفايات الصلبة. سيعمل هؤلاء بشكل جماعي لتحديد معالم المسائل الملحة والحلول، ومن ثم اختبار وتجريب أفكارهم بمساعدة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشركائه.

بسبب النزاعات التي شهدتها ليبيا منذ عام 2011، لم تهدف معظم المشاريع التنموية التي نُفذت في البلد سوى إلى الصمود أمام ما تحدثه الحروب من إتلاف وضرر. أما الآن فنحن نُجرب شيء مختلف. قد يطلقوا علينا تسمية مجانين، لكن لا يمكننا إحداث الفرق إلّا بالجنون. وكما قال الشاعر والفنان التشكيلي البريطاني ويليام بليك.. “عندما يكون المجنون في جنونه مثابرا، فإنه سيصبحُ حكيماً ناظرا”. نحن بالتأكيد نلتحق بالعالم الذي يسير بجنون، كما يقول البعض، للمساهمة في تحقيق السلام والاستقرار وبناء مستقبل أفضل في ليبيا. نأمل أن يتناول الناس قريباً جهودنا “المجنونة” ولو بــ لفتة من “العبقرية” عند الحديث عن مختبر التسريع في ليبيا.

1
اترك تعليق

1 مجموع التعليقات
0 عدد الردود
0 المتابِعون
 
أكثر التعليقات تفاعلا
أكثر التعليقات شعبية
1 المعلقون
  اشتراك  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
حل لازمة ليبيا سياسياً

حل لازمة ليبيا سياسياً تقوم الدول الكبرى ومعها الامم المتحدة بأجراء حوار بين الكتل العسكرية العسكرية الثلاثة تقسم التي تمثل اكبر كتلة بشرية الى جانب جميع القبائل الليبية المساندة لها على الارض الليبية على النحو التالي : 1- أنشاء مجلس الاعلى للقبائل المنطقة الشرقية : مقره بنغازي : برئاسة قبيلة العبيدات ليضم الرقعة الجغرافية التي تبدا من المنفذ مساعد حتى مدينة الكفرة الجنوق الشرقي الى حدود الجفرة يكون تحت رئاسة المجلس الاجتماعي لقبائل الشرق. 2- أنشاء مجلس الاعلى للقبائل المنطقة الوسطى برئاسة مصراتة وحلفاؤها والمساندين لها في الحرب . 3- انشاء مجلس الاعلى للقبائل ترهونة : مقره ترهونة : برئاسة… قراءة المزيد ..