وباء كورونا بين الطب والشريعة

الفيتوري شعيب

كاتب وباحث شرعي

الحمد لله الذي جعل الله لكل شيء قدرا، وجعل الموت والحياة بيده -جل في علاه-، وأنزل الداء وأنزل معه الدواء، وجعله رحمةً وعذاباً لمن يشاء، خلق فسوى، وقدر فهدى، وكل شيء عنده بمقدار، يرفع الأقدار، ويُنزل الوباء لحكمته، ويرفعه بحكمته، عذاب ورحمة، وعقوبة وبلاء، ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ ([1]).

مخلوق من مخلوقات الله -عز وجل- يكاد يكون من أصغر ما خلق الله في هذه الخليقة، يكاد يعطل عجلة الحياة في كثير من البلدان، الكبيرة منها والصغيرة، القوية والضعيفة، لا يعرف هذا “المخلوق” التفريق بينها؛ ليعلم الجميع بأن الأمر بيده، يدبر الأمر كيف شاء، فلا القوي تنفع قوته، ولا الضعيف تصغر إرادته، فالكل سواء، ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾([2]).

هذا المخلوق هو فيروس صغير، لا يرى بالعين المجردة، وهو ما يسمى “بفيروس كورنا”، فيروس في أيام معدودة يتحول إلى وباء، يعطل كثيرا من الأمور الحياتية في كثير من البلدان؛ ولأجل ذلك نقف في هذه الورقة البحثية لنقاش بعض الأحكام الطبية الوقائية المتعلقة بها أمور شرعية كثيرة.

أولاً: تعريف وباء كورونا

أُطلق على المرض الناجم عن الفيروس التاجي الجديد الذي ظهر لأول مرة في مدينة “ووهان” بالصين اسم مرض الفيروس التاجي 2019 COVID-19، وهو فيروس جديد يرتبط بعائلة الفيروسات نفسها التي ينتمي إليها الفيروس الذي يتسبب بمرض ‹المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة› (سارز) وبعض أنواع الزكام العادي([3]).

وهذا “الوباء” له نظير في التاريخ، وهو “الوخم”، الذي عرفه أهل اللغة: بأنه تعفن الهواء المورث لأمراض الوبائية”([4]) وذكرته هنا لكونه أقرب قياسا لوباء كورونا، ويقاربه في ذلك مرض الطاعون في بعض الأحكام الطبية المتعلقة بها بعض الأمور الشرعية.

ثانياً: العدوى بين الطب والشريعة

العدوى من الناحية الطبية  

يعتبر فيروس كورونا من الأمراض المعدية، حيث ينتقل هذا الفيروس عبر الاتصال المباشر بالرذاذ التنفسي الصادر عن شخص مصاب -والذي ينشأ عن السعال أو العطس- وملامسة الأسطح الملوثة بالفيروس. كما يمكنه العيش على الأسطح لعدة ساعات، ولكن –بالمقابل أيضاً- يمكن القضاء عليه بمسح الأسطح بالمطهرات البسيطة([5]). هذا من الناحية الطبية، والتي يمكن من خلالها بناء الحكم الشرعي.

العدوى من الناحية الشرعية

العدوى بهذه الأوبئة ثابتة في الشريعة الإسلامية، حيث وردت في ذلك أحاديث ثابثة في السنة النبوية تدل على ضرورة الإحتراز من انتقال هذه الأمراض عن طريق العدوى، فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لايوردن ممرض على مصح)([6]). حتى لا تنتقل العدوى من المريض إلى الصحيح.

وبالتالي فإن مخالطة المريض للصحيح قد تكون سبباً لانتقال المرض، ولكن ليس بلازم أن يكون ذلك، فقد يوجد السبب ويتخلف المسبب بإذن الله عز وجل، فاعتقاد أن العدوى حاصلة بالطبع وأنها شيء لازم، باطل وليس بصحيح، وأما اعتقاد أن مخالطة المريض للصحيح قد يجعله الله سبباً في انتقال العدوى فهذا صحيح، وقد يوجد الاتصال ولا توجد العدوى، ويبقى المريض مرضه فيه، ويسلم الصحيح من مرض المريض، فالأمر يرجع إلى مشيئة الله وإرادته، فإن شاء أن يعدي المريض أعدى، وإن شاء ألا يعدي لم يعد، لكن الأخذ بالأسباب مطلوب([7]).

وبما أن “الأخذ بالأسباب” ضرورة ملحة يوصي بها الأطباء، وتحث عليها الشريعة السمحاء، وثبوت أن هذا الوباء “كورونا” ينتقل عن طريق العدوى، فإن الالتزام بالأسباب المادية التي يوصي بها الأطباء واجب شرعي يجب الأخذ بها والعمل بمقتضاها.

ثالثاً: الحجر الصحي بين الطب والشريعة

قَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ – (إِذَا سَمِعْتُمْ بِالْوَبَاءِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تخْرجُوا فِرَارًا منه)[8]، قَالَ الْبَاجِيُّ (684هـ) في شرحه لهذا الحديث: “لا يقدم على الوباء لأنه تغرير بالنفس ولا يخرج منه لأنه استسلام لقدر الله”([9])، وقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ (478هـ): “منع من القدوم على الوباء لأن هواء ذلك البلد قد عفن وصار مفسودا مسموما والقدوم على مهلكات النفوس منهي عنه والخروج منه منهي عنه لأن الهواء المسموم وغيره في كل بلد تعلق بأهلها علوقا شديدا بواسطة التنفس والإحاطة بهم فلا يشعر بها للخروج إلا وقد حصل منه في جسم الخارج ما يقتضيه مزاجه الخاص به وذلك الهواء كما أجرى الله تعالى عادته فلا ينفعه الخروج فهو عبث والعبث منهي عنه وربما أضره السفر بمشقته فكان ذلك عونا للهواء على الموت والمرض”([10]).

وأثبت العلماء اليوم أن “الحجر الصحي” أفضل وسيلة للوقاية من الأوبئة المعدية، بل قد يكون هو الحل الوحيد عند عدم وجود علاج لهذا أو ذاك الوباء، ولعلى وباء كورونا أفضل مثال في ذلك، والذي يئن العالم منه كله من أقصاه إلى أقصاه.

رابعاً: الأحكام الشرعية المتعلقة بالحجر الصحي وترك صلاة الجماعة

لا شك أن حفظ النفس من أهم المقاصد الضرورية في الشريعة السمحاء([11])، كما أن حفظ الدين –أيضاً- من أهم مقاصد الشريعة، وبالتالي وجب التوفيق بينهما، كما أن الإسلام حث الجميع على إنقاذ الأنفس من الهلكة، وأن ذلك من أعظم القربات، وأجل الطاعات([12])، ومن أسباب الهلاك اليوم “وباء كورونا”؛ وبذلك فإن بذل الأسباب المنقدة والواقية منه مُلزمة شرعاً على الأفراد والجماعات والدول. وبما أن الاجتماع سبب من أسباب تفشي وانتشار هذا الوباء، وأن الحد منه يجب عدم الاختلاط، وهذا لا يمكن إلا بترك التجمعات جميعها، كالمناسبات وغيرها، كما أن التجمع للصلاة في المسجد جزء من ذلك، غير أنه قبل ترك صلاة الجماعة في المسجد لابد من ضبط المسألة طبياً وشرعياً، حتى نصير إلى الحكم في ذلك، ومن هذه الضوابط:

  • عدم تعطيل فرائض الإسلام بالكلية، بحيث تقام الفرائض بمن حضر في المساجد، وإن أدى ذلك إلى اقتصار الصلاة في المسجد على الإمام والمؤذن، وبمن حضر معهم([13]).
  • لابد أن تكون المصلحة متحققة في حماية الناس عند ترك الجماعات، لا مجرد توهمات، أو مسايرةً لمن تفشى فيهم الوباء.
  • أن يكون آخر ما يغلق المساجد، بحيث تمنع التجمعات الأخرى بكل أطيافها، فلا يعقل أن تستمر التجمعات الاجتماعية وتغلق دور العبادة.
  • أن تراعي كل بلد وكل قرية أو حتى قبيلة ظروفها في انتشار الوباء من عدمه، فلا يمكن أن تمنع الصلاة في المسجد مثلا في قرية يخلو منها الوباء، وأهلها حاضرون ولا مستجد عليهم، إذ أنه لا يوجد في الترك لأولئك مصلحة مقدرة أو معتبرة.

وإذا كانت تلك أهم الضوابط التي يجب الأخذ بها قبل ترك الجماعة، فإني أقف قليلا في الحكم الشرعي مفصلاً في تركها، ولمعرفة ذلك لابد من معرفة حكم الصلاة في الجماعة أولاً، حيث ذهب الجمهور إلى أنها سنة أو فرض على الكفاية([14] قال ابن رشد الجد (520هـ): “فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ، سُنَّةٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، مُسْتَحَبَّةٌ لِلرَّجُلِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ”[15]، وقال ابن العربي (543هـ): “الصلاة في الجماعة معنى الدين، وشعار الإسلام، لو تركها أهل مصر قوتلوا، وأهل حارة جبروا عليها وأكرهوا”[16]، ومن ذلك كله يتبين بأن أقل القول في صلاة الجماعة بأنها تندرج تحت “الفرض الكفائي”.

وأما صلاة الجمعة فلا خلاف على كونها فرض على الأعيان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ([17]).

هذا كله في الأمور الطبيعية، وأما إذا وجدت المشقة فإن الحكم يتغير، حيث أن الشريعة الإسلامية من قواعدها “أن المشقة تجلب التيسير”([18])، بل أن الفقهاء أجمعوا على أن “الضرر يزال”([19]). واليوم مع هذا الوباء المسمى “بكورونا” فإن ضرره انتشر عبر العالم، وحير الدول والمنظمات الصحية، وبذلك فإن ضرره ظاهر للعيان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفقهاء أجازو ترك الجمعة والجماعات للخوف، سواء على النفس أو المال، وترك الجمعة اليوم هو من باب الخوف على النفس، إذ أن العدوى ثابتة بهذا المرض، مع ضرورة الأخذ بالضوابط المذكورة آنفاً، وإلا كان ذلك ضربا من ضروب العبث، كما أن المساجد -مهما كان الأمر- لا يجب أن تعطل بالكلية، فالإمام ملزم بأن يقيم الصلاة فيها وبمن حضر معه من المؤذن وغيره، كما ذهب لذلك بعض العلماء المعاصرين في هذه النازلة([20])، وأن الرخصة بالتخلف عن الجماعات جائزة لمن خاف عن نفسه، دون الغلق العام للمساجد بالكلية، حتى تبقى شعائر الإسلام وفرائضه مقامة داخل البلاد([21]).

هذا ونسأل الله العلي العظيم أن يحفظ بلادنا وجميع بلدان المسلمين من هذا الوباء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبه: الفيتوري شعيب https://www.facebook.com/alfaitoury.shoaib

الهوامش:

([1]) سورة المدثر، من الآية (31).

([2] ) سورة هود، من الآية (43)

([3] ) ينظر: موقع منظمة الصحة العالمية على شبكة المعلومات الأنترنت.

([4] ) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد، دار عالم الكتاب، الطبعة الأولى 1429هـ، ص 3/416.

([5])  ينظر: موقع منظمة الصحة العالمية على شبكة المعلومات الأنترنت.

([6] ) أخرجه البخاري، كتاب الطب 57770، ومسلم، كتاب السلام 2221.

([7] ) ينظر: شرح سنن أبي داوود، عبد المحسن العباد، 5/255.

([8] ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب 5730، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام 2219.

([9] ) ينظر: الذخيرة، للقرافي 12و13/ 326

([10]) ينظر: الذخيرة، للقرافي 12و13/ 326

([11] ) ينظر: الموافقات، للشاطبي   4/347.

([12] ) ينظر: فقه النوازل، بكر أبو زيد، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1416هـ، 2/30.

([13]) ينظر: فتوى دار الإفتاء بعنوان “توضيح حول بيان دار الإفتاء بخصوص فيروس كورونا” ذات الرقم الإشاري 227 بتاريخ 21 رجب 1441هـ، صفحة الشيخ محمد الددو على شبكة التواصل الإجتماعي.

([14])  ينظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد الحفيد 1/150

([15] ) المقدمات الممهدات، لابن رشد الج، 1/165، والتاج والإكليل لمختصر خليل، محمد بن يوسف المواق، 2/395.

([16] ) التاج والإكليل لمختصر خليل، للمواق، 2/396.

([17] ) سورة الجمعة، الآية 9

([18] ) ينظر: شرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقا، ص 157.

([19] ) ينظر: الأشباه والنظائر، للسبكي، ص 1/41، وشرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقا، 179.

([20] ) حيث ذهب لذلك الشيخ الددو، فقال: “لا ينبغي أن تتعطل المساجد كلياً، ولكن يمكن أن تنتقص جماعتها خوفاً من الضرر، فيصلي فيها الإمام الراتب ومعه المؤذن ومن حضر، وكذلك الجمعة” ينظر: صفحة الشيخ محمد الددو على شبكة التواصل الاجتماعي.

( [21]) ينظر: فتوى دار الإفتاء بعنوان “توضيح حول بيان دار الإفتاء بخصوص فيروس كورونا” ذات الرقم الإشاري 227 بتاريخ 21 رجب 1441ه.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

اترك تعليقاً


عين ليبيا على بريدك الخاص

احصل على النشرة الأسبوعية مباشرة على بريدك الإلكتروني الخاص

أرسل إلى صديق