الآثار الاقتصادية والمالية للسماح بتصدير النفط خارج الإطار المؤسسي للدولة

الآثار الاقتصادية والمالية للسماح بتصدير النفط خارج الإطار المؤسسي للدولة

د. محمود الزروق الشاوش

خبير مالي وأستاذ جامعي

مقدمة

يُمثل النفط المصدر الرئيسي للإيرادات العامة في ليبيا، إذ يعتمد الاقتصاد الوطني بدرجة كبيرة على العائدات المتأتية من تصدير النفط الخام، وقد اضطلعت المؤسسة الوطنية للنفط تاريخياً وقانونياً بدور الجهة الوحيدة المخولة بإدارة عمليات إنتاج وتصدير النفط الليبي، وهو ما شكل أحد أهم الضمانات المؤسسية لوحدة الإيرادات العامة وانتظام تدفقها عن طريق المصرف الليبي الخارجي.

إلا أن الترخيص لشركة أركنو أو لغيرها من الشركات بتصدير النفط خارج هذا الإطار المؤسسي يثير تساؤلات جوهرية تتعلق بوحدة الإيرادات السيادية للدولة وانعكاسات ذلك على الاستقرار المالي والنقدي.

أولاً: الأهمية المالية لإيرادات النفط في الاقتصاد الليبي

تشمل عائدات النفط العمود الفقري للمالية العامة في ليبيا وتحديداً في جانبها الإيرادي حيث تمثل:

⁃ أكثر من ‎%‎ 90 من إيرادات الدولة
⁃ ‎%‎95 من الصادرات
⁃ المصدر الأساسي للنقد الأجنبي وتؤول هذه العائدات إلى المؤسسة الوطنية للنفط عبر المصرف الليبي الخارجي ومنه إلى حساب وزارة المالية بمصرف ليبيا المركزي لتدخل ضمن الموارد المالية التي تمول:

  • الميزانية العامة
  • ⁃ النفقات الحكومية
  • ⁃ دعم السلع والخدمات

⁃ الاستقرار النقدي وسعر الصرف ومن ثم فإن أي تغيير في آلية تحصيل هذه الإيرادات أو توزيعها يمثل مسألة سيادية ذات تأثير اقتصادي واسع.

ثانياً: الآثار السلبية على المالية العامة

إذا صح أن شركة أركنو تقوم بتصدير ما يقارب ثلث إنتاج النفط دون أن تؤول إيراداته إلى الخزانة العامة، فإن ذلك سيترتب عليه عدة آثار مالية:

1 – انخفاض الإيرادات العامة فقدان جزء من عائدات النفط يعني مباشرة:

⁃ تراجع الموارد المالية للدولة
⁃ اتساع عجز الميزانية العامة وهو ما قد يدفع الحكومة إلى:

  • زيادة الاقتراض الداخلي
  • ⁃ أو اللجوء إلى التمويل التضخمي
  • ⁃ تخفيض الاحتياطي من النقد الأجنبي

2 – إضعاف القدرة التمويلية للدولة تعتمد الدولة الليبية على الإيرادات النفطية في تمويل:

⁃ المرتبات
⁃ النفقات العامة الأخرى وتراجع هذه الإيرادات يحد من قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية

ثالثاً : الآثار على الميزان التجاري

يمثل النفط غالبية الصادرات الليبية، وبالتالي فإن خروج جزء من صادرات النفط من القنوات الرسمية يؤدي إلى:

1 – تشويه بيانات التجارة الخارجية

2 – انخفاض الإيرادات المسجلة في ميزان المدفوعات

3 – تراجع الفائض التجاري الظاهر في الحسابات الرسمية وهو ما يؤثر على التقييم الاقتصادي الخارجي للاقتصاد الليبي.

رابعاً: الآثار النقدية على سعر الصرف

تلعب عائدات النفط دوراً حاسماً في دعم احتياطيات النقد الأجنبي لدى مصرف ليبيا المركزي، وفي حال عدم تدفق جزء من هذه الإيرادات إلى النظام المالي الرسمي، سيؤدي ذلك إلى:

⁃ انخفاض المعروض من النقد الأجنبي
⁃ زيادة الضغوط على سوق الصرف
⁃ تراجع قيمة الدينار الليبي
⁃ زيادة حجم تهريب كافة السلع إلى دول الجوار
⁃ زيادة نشاط السوق الموازية واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية

خامساً: الآثار المؤسسية على إدارة قطاع النفط

منذ بدء اكتشاف النفط في ليبيا اضطلعت المؤسسة الوطنية للنفط بدور مركزي في إدارة قطاع النفط، وهو ما أسهم في الحفاظ على:

⁃ وحدة السياسة النفطية
⁃ شفافية تسويق النفط
⁃ استقرار العلاقات مع شركات استكشاف وإنتاج النفط الدولية وإضعاف هذا الدور المؤسسي يؤدي إلى:

  • تعدد قنوات التسويق
  • فقدان السيطرة المركزية على الإيرادات
  • زيادة مخاطر التنافس غير المنظم داخل قطاع النفط

سادساً: الآثار الاقتصادية الكلية

سيترتب على هذه التطورات مجموعة من الآثار الكلية، من أبرزها:

⁃ اختلال التوازن المالي للدولة
⁃ ضعف القدرة على إدارة السياسة الاقتصادية
⁃ زيادة الضغوط التضخمية
⁃ تراجع الثقة في المؤسسات الاقتصادية للدولة
⁃ ظهور شركات أخرى تتقاسم إيرادات النفط مع المؤسسة الوطنية للنفط إضافة إلى شركة أركنو

سابعاً: الخلاصة

إن وحدة إدارة وتصدير النفط تُشكل أحد الأعمدة الأساسية للاستقرار المالي والنقدي في الاقتصاد الليبي، ومن ثم فإن السماح بتصدير النفط خارج الإطار المؤسسي الرسمي سيؤدي إلى آثار مالية ونقدية واقتصادية واسعة النطاق لذلك فأن معالجة هذه المساءلة تقتضي إعادة التأكيد على مبدأ وحدة إدارة الموارد السيادية للدولة، وضمان تدفق جميع الإيرادات النفطية عبر القنوات الرسمية للدولة بما يكفل تعزيز
الاستقرار المالي والنقدي.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

د. محمود الزروق الشاوش

خبير مالي وأستاذ جامعي