تتجه الأنظار في ليبيا إلى مآلات التفاهمات السياسية الجديدة التي جرى التوصل إليها في تونس، وسط آمال بإعادة تحريك المسار الانتخابي وإنهاء حالة الانسداد السياسي، في وقت تظل فيه قضايا توحيد السلطة والمؤسسات وضمان قبول الأطراف بنتائج الانتخابات من أبرز التحديات التي تواجه أي تسوية مقبلة.
وقال خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، إن هذا الاتفاق يستحق قراءة تتجاوز عنوان الانتخابات، لأن جوهره الحقيقي ليس فقط كيفية الوصول إلى صناديق الاقتراع، وإنما «من يضع قواعد اللعبة؟ ومن يدير المرحلة الانتقالية؟ ومن يضمن قبول الجميع بنتائجها؟».
وأشار الباروني إلى أن المعطيات المتاحة حتى 28 أغسطس 2026 تشير إلى أن لجنة الاجتماع المصغر «4+4» وقّعت بالأحرف الأولى في تونس، في 20 أغسطس، مسودة اتفاق تتعلق بالخطوتين الأوليين من خارطة الطريق الأممية، وهما إعادة تشكيل مجلس المفوضية وتعديل الإطار القانوني للانتخابات، مع ربط المسار الانتخابي بتوحيد السلطة والمؤسسات.
واعتبر الباروني أن ليبيا أمام «اختراق سياسي مهم، لكن ليس بعدُ تسوية سياسية مكتملة»، موضحًا أن الفارق جوهري، إذ كانت التفاهمات السابقة غالبًا تعالج جزءًا من الأزمة، سواء تعلق الأمر بقاعدة دستورية أو قانون انتخابات أو تشكيل حكومة أو توزيع مناصب أو ترتيبات أمنية، ثم سرعان ما كانت تصطدم بالسؤال الأكبر المتعلق بمن يملك الشرعية ومن يملك القوة.
وأوضح أن اتفاق تونس يحاول للمرة الأولى، على الأقل من حيث البناء، أن يربط بين عدة عناصر في حزمة واحدة، تشمل الإطار الانتخابي، ومفوضية الانتخابات، والسلطة التنفيذية الموحدة، والمؤسسات الوطنية الموحدة، وسقفًا زمنيًا للانتخابات.
ورأى أن هذا تطور مهم، لكنه شدد على ضرورة عدم الخلط بين تغيير صيغة التفاوض وتغيير قواعد الصراع، لافتًا إلى أن الاتفاق لم يحسم بعد مسألة من يدير المرحلة الانتقالية، ولم يحسم بصورة نهائية كيفية تحويل التفاهم إلى إطار قانوني ملزم، كما أن مجلسي النواب والدولة ما زالا قادرين على التأثير الحاسم في مسار اعتماده.
وقال إن اتفاق تونس يمثل انتقالًا من مرحلة «التفاوض حول الانتخابات» إلى مرحلة «التفاوض حول شروط تنفيذ الانتخابات»، معتبرًا أن هذه خطوة إلى الأمام، لكنها قد تكون أيضًا بداية معركة سياسية جديدة.
وأوضح الباروني أن نجاح الأطراف هذه المرة في التفاهم حول الانتخابات لا يعني بالضرورة أنها أصبحت فجأة أكثر إيمانًا بالديمقراطية أو أكثر استعدادًا للتنازل، وإنما الذي تغير هو حسابات المصلحة السياسية.
وأشار إلى أن الانتخابات خلال السنوات الماضية كانت بالنسبة لبعض القوى تعني احتمال فقدان السلطة والنفوذ، ولذلك كان من السهل تعطيلها تحت عناوين مثل غياب القاعدة الدستورية، وعدم التوافق على القوانين، والطعون، وشروط الترشح، ودور الجيش، وازدواج الجنسية، وصلاحيات الرئيس، وترتيب الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وأضاف أن استمرار الوضع الانتقالي أصبح له أيضًا كلفة سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، ومن هنا تغيرت المعادلة، فأصبح الطرف الذي كان يرى الانتخابات تهديدًا يرى أن التفاوض على شروط الانتخابات قد يكون أقل خطرًا من ترك العملية السياسية تنفلت من يده بالكامل.
ولفت إلى أن الاجتماع المصغر نفسه بُني على تمثيل طرفي القوة الرئيسيين في الشرق والغرب، وهو ما سمح بفتح قناة تفاوض مباشرة خارج التعقيدات المؤسسية التقليدية، مشيرًا إلى أن العملية بدأت فعليًا منذ اجتماع روما في أبريل، ثم تواصلت الاجتماعات في تونس وصولًا إلى مسودة الاتفاق.
وقال الباروني إن «التوافق لم يولد من اختفاء الخلاف، وإنما من إعادة حساب تكلفة الخلاف»، معتبرًا أن هذه نقطة شديدة الأهمية.
وفي ما يتعلق بإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، قال الباروني إن الخطوة «لا تحل الأزمة، لكنها قد تزيل إحدى العقبات أمامها»، موضحًا أن إعادة تشكيل مجلس المفوضية مهمة جدًا لأن المفوضية هي الجهة التي يفترض أن تحول الاتفاق السياسي إلى عملية انتخابية فعلية.
وأشار إلى أن التفاهمات الأخيرة تناولت بالفعل إعادة تشكيل مجلس المفوضية، وهي إحدى أولى محطات خارطة الطريق التي عملت عليها البعثة.
لكنه شدد على أن المشكلة الليبية ليست مشكلة تقنية انتخابية فقط، بل إن المشكلة أعمق، لأن الانتخابات في ليبيا ليست مجرد عملية لاختيار الحكام، وإنما هي عملية لإعادة توزيع الشرعية والسلطة والثروة والنفوذ.
وأضاف أن المفوضية تصبح جزءًا من المشكلة، لكنها ليست أصل المشكلة، إذ يمكن أن يكون لدى ليبيا أفضل قانون انتخابي وأفضل مفوضية، لكن إذا كان طرف سياسي أو عسكري غير مستعد لقبول النتيجة، فستعود البلاد إلى المربع الأول.
وأكد أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المفوضية تستطيع تنظيم الانتخابات، وإنما ما إذا كانت القوى السياسية والعسكرية تستطيع قبول نتائج الانتخابات، معتبرًا أن هذا هو الاختبار الأخطر.
ووصف الباروني السماح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالمشاركة في الانتخابات بأنه من أكثر نقاط الاتفاق حساسية.
وأوضح أنه وفق التفاصيل المتداولة لمسودة الاتفاق، يُسمح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية ناخبين ومرشحين، مع وضع ترتيبات قانونية وتنظيمية لضمان حياد المؤسسة العسكرية، كما يُسمح لمزدوجي الجنسية بالترشح، مع اشتراط تخلي الفائز عن جنسيته غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية.
وأكد أن هذه التعديلات ليست تقنية، وإنما هي «تسويات بين مراكز القوة».
وأوضح أن السماح للعسكريين بالترشح يزيل عقبة كانت قادرة على إقصاء شخصيات عسكرية ذات وزن سياسي وشعبي، وبالتالي فهو يوسع دائرة المنافسة، لكنه في الوقت نفسه يفتح سؤالًا حساسًا حول ما إذا كان الأمر يمثل انتقال العسكري إلى السياسي، أم استمرار المؤسسة العسكرية في لعب دور سياسي من خلال صندوق الاقتراع.
أما مزدوجو الجنسية، فأوضح الباروني أن المسألة مرتبطة أيضًا بإزالة أحد أكثر شروط الترشح إثارة للجدل في الانتخابات السابقة، مشيرًا إلى أن المستفيد ليس شخصًا واحدًا بالضرورة، بل كل تيار سياسي يمتلك شخصيات قوية كانت شروط الترشح السابقة تحول دون دخولها السباق.
ورأى أن هذه التعديلات قد تكون جزءًا من صفقة أوسع، تقوم على عدم إقصاء المرشحين الذين يملكون قوة عسكرية أو امتدادًا خارجيًا، وفي المقابل قبول مبدأ الاحتكام إلى الانتخابات.
وحذر من أن الاتفاق سيصبح خطيرًا إذا لم يقترن بضمانات حقيقية حول حياد المؤسسة العسكرية وقبول الجميع بنتائج الصندوق.
وفي ما يتعلق بإمكانية إجراء الانتخابات خلال 24 شهرًا دون توحيد السلطة، قال الباروني إن ذلك «نظريًا يمكن تصوره، لكن عمليًا الاحتمال ضعيف جدًا».
وأشار إلى أن الاتفاق نفسه يبدو واعيًا بهذه المشكلة، لأنه يربط إجراء الانتخابات بوجود سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة خلال الفترة المحددة.
وأوضح أن المفارقة تتمثل في أن الانتخابات يفترض أن تنتج سلطة شرعية موحدة، لكن الاتفاق يقول عمليًا: «يجب توحيد السلطة أولًا حتى نستطيع إجراء الانتخابات».
وأضاف أن ليبيا دخلت بذلك في دائرة «توحيد السلطة والانتخابات والشرعية الجديدة»، ومن هنا فإن الانتخابات ليست المحطة الأولى في التسوية، بل ربما تكون المحطة الأخيرة.
وتوقع أن يتحول إلى محور الصراع القادم تحديد الجهة التي تختار السلطة التنفيذية الموحدة، ومن يترأسها، وما مدة ولايتها، وما صلاحياتها، ومن يضمن ألا تتحول إلى حكومة انتقالية جديدة تستمر سنوات.
وقال إن العقدة قد تنتقل هنا من قوانين الانتخابات إلى الحكومة الانتقالية.
وأكد الباروني أن مجلسي النواب والدولة يستطيعان تعطيل الاتفاق «وبدرجة كبيرة»، معتبرًا أن هذه ربما تكون أول عقبة حقيقية أمامه.
وأوضح أنه إذا كانت المسودة تتطلب اعتمادًا وطنيًا واسعًا، مع مهلة شهر للموافقة من مجلسي النواب والدولة، فإن الاتفاق يدخل الآن مرحلة مختلفة تمامًا، هي «مرحلة الشرعية المؤسسية».
وأشار إلى إمكانية ظهور ثلاثة أنواع من المقاومة.
وأوضح أن النوع الأول هو المقاومة القانونية، من خلال القول إن اللجنة المصغرة لا تملك صلاحية تعديل قوانين انتخابية أو إعادة تشكيل مؤسسات مستقلة.
أما النوع الثاني فهو المقاومة السياسية، عندما يرى أحد المجلسين أن الاتفاق يقلص دوره أو يسحب منه ورقة تفاوضية مهمة.
والنوع الثالث هو المقاومة المصلحية، وهي «الأخطر»، عندما يخشى بعض أعضاء النخبة السياسية أن تؤدي الانتخابات إلى إنهاء مواقعهم الحالية.
وتساءل الباروني ضمن تحليله عن ما إذا كان المجلسان سيصوتان لمصلحة الدولة أم لمصلحة استمرار مراكزهما السياسية، مؤكدًا أن مهلة الشهر ليست تفصيلًا إجرائيًا، وإنما «اختبار حقيقي للاتفاق».
وحول دور مجلس الأمن، قال الباروني إن هناك «مفارقة ليبية مزمنة»، موضحًا أن الضمانة الدولية قد تكون ضرورية لأن التجربة الليبية أثبتت أن الأطراف تستطيع توقيع الاتفاقات ثم إعادة تفسيرها أو تعطيلها.
وأضاف أن وجود دعم دولي، وخصوصًا من مجلس الأمن، قد يجعل التراجع عن الاتفاق أكثر تكلفة سياسيًا، مشيرًا إلى أن المسودة حصلت بالفعل على ترحيب من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، التي اعتبرتها خطوة مهمة نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات.
لكنه حذر، في المقابل، من أنه كلما أصبح الاتفاق الليبي بحاجة إلى غطاء دولي لكي يصبح نافذًا داخل ليبيا، ظهرت مشكلة أخرى تتمثل في السؤال عن أين تنتهي السيادة الليبية وأين تبدأ الوصاية الدولية.
وقال إن الأخطر هو أن يتحول مجلس الأمن من ضامن للتوافق الليبي إلى مصدر للشرعية بدلًا من المؤسسات الليبية، معتبرًا أن ذلك سيخلق سابقة خطيرة، بحيث كلما عجز الليبيون عن الاتفاق «جاء الخارج ليقرر لهم».
وشدد على ضرورة أن يكون الدور الدولي «ضامنًا ومراقبًا وميسرًا، لا بديلًا عن الإرادة والمؤسسات الليبية».
وفي تقديره للسيناريو الأكثر احتمالًا، قال الباروني إن السيناريو الأرجح ليس الذهاب المباشر إلى الانتخابات، وليس انهيار الاتفاق فورًا، وإنما الدخول في مرحلة جديدة من المفاوضات حول التنفيذ.
وأوضح أن السيناريو الأول يتمثل في انتخابات فعلية خلال 24 شهرًا، واحتماله موجود، لكنه يحتاج إلى سلسلة نجاحات متتالية تشمل اعتماد الاتفاق، وتشكيل المفوضية، وتعديل القوانين، وتوحيد السلطة التنفيذية، وتوحيد المؤسسات، وترتيبات أمنية، وتسجيل الناخبين، وإجراء الانتخابات وقبول النتائج، مؤكدًا أن أي خلل في حلقة واحدة يمكن أن يعيد الأزمة.
أما السيناريو الثاني، فهو مفاوضات جديدة حول التنفيذ، وهو «السيناريو الأرجح» في تقديره.
وأوضح أن الخلاف سيبدأ حول من يشكل الحكومة الموحدة، ومن يترأسها، وما صلاحياتها، وأين مقرها، وكيف يتم توزيع الوزارات، وكيف تتعامل مع المؤسسات السيادية، وماذا يحدث للمؤسسات العسكرية والأمنية، ومن يضمن حيادها، ومن يملك حق إصدار القرارات خلال المرحلة الانتقالية.
وقال إن ليبيا قد تكتشف عندها أن «الاتفاق على الانتخابات كان أسهل من الاتفاق على السلطة التي ستدير الطريق إليها».
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في تعطيل الاتفاق، فإذا رفض أحد المجلسين الاتفاق أو اعتبره تجاوزًا لصلاحياته، فقد تنتقل البعثة إلى محاولة إيجاد صيغة بديلة لاعتماده، وربما يصبح مجلس الأمن جزءًا من آلية الضغط والضمان.
وأشار إلى أن المسودة المتداولة تتضمن بالفعل تصورًا للجوء إلى مجلس الأمن إذا تعذر اعتمادها من المجلسين خلال شهر.
وحذر من أن هذا السيناريو سيعيد إنتاج السؤال القديم حول إمكانية فرض انتخابات من الخارج على أطراف ليبية غير مستعدة لقبول نتائجها، مؤكدًا أنه «لا توجد ضمانة بأن فرض موعد الانتخابات يعني ضمان نتائجها».
وخلص الباروني إلى أن أهم ما حدث في تونس ليس أن الليبيين اتفقوا على الانتخابات، وإنما أنهم بدأوا، لأول مرة منذ فترة طويلة، في الاقتراب من تسوية المصالح التي كانت تمنع الانتخابات.
لكنه أكد أن الاتفاق أمامه الآن اختبار أصعب من صياغته، يتمثل في قدرة القوى التي اتفقت على قواعد الانتخابات على الاتفاق على من يحكم ليبيا إلى أن تأتي الانتخابات.
وقال إن هذه هي العقدة، موضحًا أنه إذا نجحت الأطراف في تشكيل سلطة تنفيذية موحدة محددة الولاية، وضمان توحيد المؤسسات، وإخضاع المؤسسة العسكرية والأمنية لمسار سياسي متفق عليه، وقبلت مسبقًا بنتائج الانتخابات، فإن اتفاق تونس يمكن أن يتحول إلى نقطة تحول حقيقية.
أما إذا بقيت الانتخابات منفصلة عن مسألة السلطة، فرأى أن ليبيا قد تكون أمام نسخة جديدة من المسار الانتقالي القديم: «اتفاقات، لجان، مواعيد، تعديلات، إحاطات، ثم مفاوضات جديدة حول سبب عدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه».
وبعبارة أكثر اختصارًا، قال الباروني: «العقدة الليبية لم تعد: كيف نكتب قانون الانتخابات؟ العقدة أصبحت: من يقبل أن يخسر السلطة بعد الانتخابات؟».
وأضاف أن هذا السؤال، في تقديره، هو الذي سيحدد مستقبل اتفاق تونس أكثر من أي مادة انتخابية أخرى.
وأشار إلى أن الاعتراضات الداخلية بدأت بالفعل بالظهور؛ فقد انتقد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي تفاهمات الاتفاق من زاوية الشرعية والتوافق وقابلية التنفيذ، فيما أبدت أحزاب وتيارات سياسية مخاوف من ترتيبات المشاركة الحزبية.
وقيّم الباروني اتفاق تونس على ثلاثة مستويات، معتبرًا أنه يمثل «اختراقًا تفاوضيًا» بدرجة تقييم مرتفعة، بينما لا يزال «كتسوية سياسية نهائية» محدودًا حتى الآن، كما أنه لا يمثل «طريقًا مضمونًا إلى الانتخابات»، إذ لا يزال هذا المسار غير محسوم.
وأكد أن «الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد التوقيع، لا بالتوقيع»، موضحًا أن الأطراف نجحت في الاتفاق على «كيف نذهب إلى الانتخابات»، لكن المعركة القادمة ستكون حول «من يحكم ليبيا قبل الانتخابات، ومن يضمن أن من يخسر الانتخابات سيقبل بالنتيجة؟».
وختم الباروني بالتأكيد على أن هذه هي العقدة التي إذا حُلّت، يمكن القول إن ليبيا دخلت فعلًا مرحلة التسوية، أما إذا لم تُحل، فإن اتفاق تونس قد يكون مجرد نقلة تفاوضية جديدة، لا نهاية للأزمة.





