التدخين لا يقتل الرئة فقط.. كيف تغيّر السجائر مفعول الأدوية داخل الجسم؟

لا يقتصر تأثير التدخين على إتلاف الرئتين ورفع خطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب، إذ تكشف دراسات علمية أن السجائر تؤثر أيضًا في الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع الأدوية، من خلال تغيير نشاط الإنزيمات المسؤولة عن امتصاص العقاقير وتكسيرها والتخلص منها.

ويشير الباحثون إلى أن دخان السجائر يحتوي على أكثر من 7000 مادة كيميائية، بينها مئات المواد السامة، ومركبات قادرة على تنشيط أنظمة إنزيمية داخل الكبد تؤدي دورًا أساسيًا في معالجة الأدوية داخل الجسم.

ووفقًا لدراسات منشورة في مجال علم الأدوية السريري، فإن أبرز هذه التأثيرات يرتبط بإنزيمات عائلة “السيتوكروم بي 450” (Cytochrome P450)، وخصوصًا إنزيم CYP1A2، الذي يشارك في استقلاب عدد كبير من الأدوية. وتؤدي بعض المركبات الموجودة في دخان السجائر، وعلى رأسها الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، إلى زيادة نشاط هذا الإنزيم، ما يجعل الجسم يكسر بعض الأدوية بسرعة أكبر من المعتاد.

وتعني هذه العملية أن كمية أقل من الدواء قد تبقى في الدم لفترة كافية لإحداث التأثير العلاجي المطلوب، وهو ما قد يدفع الأطباء إلى إعادة تقييم الجرعات أو اختيار أدوية بديلة لدى بعض المرضى المدخنين.

وأظهرت مراجعات علمية أن التأثير الأكثر وضوحًا للتدخين يظهر في بعض الأدوية التي تعتمد على إنزيم CYP1A2 في استقلابها، خصوصًا بعض أدوية الأمراض النفسية.

وتعد أدوية مثل كلوزابين وأولانزابين من أبرز الأمثلة التي درست علاقتها بالتدخين، إذ أظهرت أبحاث سريرية أن المدخنين يحتاجون في بعض الحالات إلى جرعات مختلفة مقارنة بغير المدخنين بسبب انخفاض مستويات هذه الأدوية في الدم نتيجة زيادة سرعة استقلابها.

ونشرت مجلة “Clinical Pharmacokinetics” ومجلات أخرى متخصصة دراسات أوضحت أن التدخين يمكن أن يغير التركيزات الدوائية لبعض مضادات الذهان، ما يجعل متابعة المرضى أمرًا مهمًا، خصوصًا عند بدء التدخين أو التوقف عنه.

ولا يقتصر الأمر على أدوية الصحة النفسية، إذ رصدت الدراسات تأثير التدخين على بعض علاجات السرطان، حيث يمكن أن تؤدي زيادة نشاط إنزيمات الكبد إلى تغيير تعرض الجسم لبعض الأدوية المضادة للأورام.

وأوضحت أبحاث في مجال علم الأورام الدوائي أن التدخين يمكن أن يؤثر في أدوية تعتمد على إنزيمات الكبد نفسها، وهو عامل يجب أخذه في الاعتبار عند تصميم الخطط العلاجية، لأن نجاح العلاج لا يعتمد فقط على نوع الدواء، بل أيضًا على طريقة تعامل الجسم معه.

كما بحثت دراسات تأثير التدخين على أدوية أخرى مثل بعض العلاجات المستخدمة لأمراض القلب والأوعية الدموية، إذ يمكن أن تؤثر التغيرات في إنزيمات الكبد على مستويات بعض المركبات الدوائية داخل الجسم.

ويؤكد العلماء أن المشكلة لا تكمن في النيكوتين وحده، إذ إن المادة المسؤولة بشكل أكبر عن تغير استقلاب الأدوية هي مركبات أخرى ناتجة عن احتراق التبغ، وهو ما يفسر لماذا لا تؤدي بدائل النيكوتين المستخدمة في الإقلاع عن التدخين إلى التأثير نفسه على إنزيمات الكبد.

ومن الظواهر التي درستها الأبحاث أيضًا العلاقة بين التدخين والكافيين، إذ أظهرت دراسات أن المدخنين يستقلبون الكافيين بسرعة أكبر بسبب زيادة نشاط إنزيم CYP1A2، ما يجعل تأثير القهوة أقصر لدى بعض الأشخاص مقارنة بغير المدخنين.

وتشير الأبحاث إلى أن تأثير التدخين على الأدوية لا يبقى ثابتًا عند الإقلاع، إذ تحدث تغييرات سريعة في نشاط الإنزيمات بعد التوقف عن التدخين.

ووفقًا لجهات صحية ودراسات دوائية، فإن بعض المرضى الذين يتوقفون عن التدخين يحتاجون إلى مراقبة دقيقة عند استخدام أدوية معينة، لأن انخفاض نشاط إنزيمات الكبد بعد الإقلاع يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع مستويات بعض الأدوية في الدم، ما يزيد خطر ظهور آثار جانبية إذا لم تُراجع الجرعات عند الحاجة.

ولهذا يؤكد الأطباء ضرورة إبلاغ الطبيب أو الصيدلي بعادة التدخين عند وصف أي علاج، وكذلك إخبارهم عند الإقلاع، لأن هذه المعلومات قد تغير طريقة اختيار الدواء أو تحديد الجرعة المناسبة.

وتشير دراسة منشورة في مجلة “British Journal of Clinical Pharmacology” إلى أن معرفة حالة التدخين لدى المريض أصبحت جزءًا مهمًا من وصف الأدوية، خصوصًا العقاقير التي تعتمد على مسارات أيضية تتأثر بمكونات دخان التبغ.

كما تؤكد أبحاث أخرى أن تأثير التدخين يتجاوز الجهاز التنفسي ليصل إلى الكبد والجهاز المناعي والتمثيل الغذائي، ما يجعل التدخين عاملًا مؤثرًا في صحة الإنسان واستجابته للعلاج.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تكشف جانبًا أقل شهرة من أضرار السجائر، فالتدخين لا يسبب المرض فقط، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في قدرة الجسم على الاستفادة من العلاج عند الحاجة إليه.

اقترح تصحيحاً