الفرعون الفضي.. شيشنق الليبي الذي حكم مصر وأعاد كتابة تاريخها

الفرعون الفضي.. شيشنق الليبي الذي حكم مصر وأعاد كتابة تاريخها

في زمن كانت فيه الحدود مجرد أرقام على خرائط الطين، ولد رجل من قبائل المشواش الليبية في قلب وادي النيل، ليصنع واحداً من أعظم الفصول المنسية في تاريخ مصر وليبيا معاً. إنه الفرعون شيشنق الأول، مؤسس الأسرة الثانية والعشرين، الذي يحمل في عروقه دماء خليج سرت، ويرقد جسده في تراب الشرقية المصرية، بينما تسجل نقوش معبد الكرنك خلوده.

ويربط الأمازيغ بداية حقبة مهمة من تاريخهم، وتحديداً تقويمهم، بتولي الملك شيشنق الأول حكم مصر وتأسيسه للأسرة الثانية والعشرين حوالي عام 950 قبل الميلاد. فشيشنق الأول ليس مصريًا خالصًا؛ فهو من أصل أمازيغي من قبيلة “المشواش” الليبية، وكان قائدًا أعلى للجيش قبل توليه العرش. وقد أسس الأسرة الثانية والعشرين، التي حكمت مصر لنحو قرنين ( بين عامي 943 ق م حتى عام 716 ق م) ، وعُرفت أسرته بـالأسرة الليبية.

من واحات الصحراء إلى عرش الفراعنة؟ لم تكن رحلة شيشنق مجرد عبور جغرافي، بل كانت ملحمة اندماج ثقافي. فبينما تشير المصادر إلى أن أصول قبيلته تعود إلى منطقة خليج سرت الليبي، استقر أجداده في واحات الصحراء الغربية المصرية، ليلد هو في محافظة بني سويف، حيث كان جده يعمل كاهناً لمعبد الإله رشف او حرشف. وهنا تكمن العبقرية؛ فلم يتنازل شيشنق عن جذوره الليبية، بل جعل من عبادته لهذا الإله جسراً للتواصل مع المصريين، واحتفظ في الوقت نفسه بلقب زعيم المشواش، ليصبح الممثل الشرعي للقبائل الليبية المرابطة في مصر، ورمزاً للاندماج دون فقدان الهوية.

لم يصل شيشنق إلى الحكم عن طريق الصدفة؛ بل ورث عن أجداده النفوذ الكهنوتي، وتدرج في مناصب الجيش حتى أصبح قائداً للجيش المصري في عهد الأسرة الحادية والعشرين. لكن عبقريته السياسية تجلت في استخدامه أداة الزواج من ابنة فرعون مصر السابق، ليكسب الشرعية، ويعزز وجود أسرته في أعلى الهرم الإداري؛ فعيّن ابنه أوبوت كاهناً أعظم لمعبد آمون في طيبة، ليدمج السلطتين الدينية والعسكرية في قبضة واحدة.

لم تكن حملاته العسكرية مجرد غارات عابرة؛ ففي الداخل، خاض معركة البحيرات المرة لحماية مصر من غارات البدو، وفي الخارج، قاد حملات ناجحة على فلسطين ولبنان، ليصل إلى القدس عام 925 قبل الميلاد. وأعاد توحيد مصر والنوبة شمال السودان وليبيا تحت راية واحدة، واضعاً حداً للتفكك الذي عانت منه الأسرة الحادية والعشرون.

لم يكتفِ بالنصر العسكري، بل شيد بوابة النصر في معبد الكرنك، وسجل عليها قائمة تضم 156 مدينة غزاها، ليبرهن على إلمامه بالهندسة والفنون الملكية. وبعد وفاته عام 922 ق.م، دفن في مقبرته الخالدة بمدينة تانيس، الشرقية، التي كان من حسن حظ العالم أن يكشف عنها عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه عام 1940. ولكن سوء الحظ أراد أن يتزامن هذا الاكتشاف مع أتون الحرب العالمية الثانية، فطُمس خبر التابوت الفضي المليء بالكنوز، والذي وجدوا فيه تميمة قلب من العقيق، ليُطلق عليه الباحثون لقب الفرعون الفضي، رغم أن شهرته لم تبلغ شوطاً من شهرة توت عنخ آمون بسبب ظروف الحرب.

يستحق شيشنق هذا الاهتمام، فقد ورد ذكره في التوراة باسم شيشق في سفر الملوك، وهو دليل على التأثير الهائل الذي أحدثه في المنطقة. وهو إلى جانب الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس ابن لبدة الكبرى، يمثلان نموذجين للقادة الليبيين الذين حكموا أعظم إمبراطوريات العالم القديم، لكن الأول حكم مصر كفرعون، والثاني حكم روما كإمبراطور، وكلاهما يليق بإعادة الاعتبار.

اليوم، ونحن ننظر إلى التاريخ، نجد أن هذه الشخصية الفريدة لم تأخذ حقها في المناهج الدراسية والبحث الأثري، وإننا بحاجة ماسة إلى: تخصيص فصول دراسية مشتركة في مناهج ليبيا ومصر عن الدولة الليبية في مصر القديمة. إطلاق بعثات أثرية مشتركة للتنقيب في واحات الصحراء الغربية، بحثاً عن الجذور المبكرة للمشواش. وأخيرا إعادة قراءة النقوش الهيروغليفية باستشراف ليبي، للتعرف على الأسماء الليبية القديمة كـنيماروت و تاكيلوت.

لقد أثبت شيشنق أن الحضارة المصرية لم تكن ابنة بيئة واحدة، بل نتاج تفاعل البحر المتوسط وإفريقيا. رفع الغبار عنه لا يخدم التاريخ الليبي فقط، بل يُكمل الصورة الحقيقية لعصر ذهبي في مصر القديمة، حين حمل المشواش راية التوحيد من سرت إلى طيبة، وكتبوا بحروفهم الهيروغليفية فصلاً من فصول العظمة التي ما زلنا بحاجة إلى قراءته بوعي جديد.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

فوزي عمار

كاتب ليبي