في مقالته الموجزة بعنوان “من ركود الواحة إلى صدمة النفط”، يضع الكاتب عطية الأوجلي يده على الجرح الاجتماعي الليبي بدقة متناهية، مقدماً قراءة سوسيولوجية عميقة لتلك القفزة العنيفة التي أحدثها النفط في بنية مجتمع كان رهين الرمال والقيم القبلية المستقرة.
ينطلق الأوجلي من وصف المجتمع الليبي التقليدي الذي ظل لقرون معلقاً في ركوده الآمن، حيث كانت أواصر الأهل والعشيرة تشكل الملاذ الروحي والاجتماعي للفرد. يستعرض المحاولات التحديثية الهزيلة في العهد العثماني، ثم المشاريع الاستعمارية الإيطالية التي، وإن كسرت العزلة نسبياً، إلا أنها لم تُحدث تحولاً جذرياً في البنية الداخلية للجماعات السكانية. غير أن المفاجأة الحقيقية في قراءة الأوجلي تكمن في رصده للصدمة الحضارية التي أعقبت اكتشاف النفط.
وهنا يبرز الفارق الجوهري؛ فبينما تدرجت أوروبا نحو الحداثة عضوياً وعبر عقود طويلة، بدأت بالزراعة ثم الثورة الصناعية وصولاً إلى المجتمع المدني، فإن المجتمع الليبي قد قُذف إلى قلب الحداثة النفطية قذفاً، دون أن تتاح له فرصة التدرج الطبيعي أو التهيئة النفسية والثقافية لهذه النقلة.
يعود بنا الأوجلي إلى الجذور، ليؤرخ لهذه الصدمة منذ بداياتها الأولى، فيقول:
“لم يكن أحدٌ في ليبيا يتخيل، وهو جالس في قريته أو واحته الصامتة، أن ما يرقد تحت بحر الرمال الممتد أمامه من قوى كامنة، ستعيد حين تنطلق رسم هويته وقبيلته ونمط معيشته… بل حياته بأكملها. ذلك أن المجتمع الليبي، ولقرون متعاقبة، تميز بمتانة أواصره الأسرية والاجتماعية. وكأي مجتمع تقليدي، كانت هذه الروابط مصدر اعتزاز وافتخار للأفراد والجماعات على حدٍّ سواء. إن كلمات مثل: أهل وعيلة وأصل وبيتية وناس تحمل في ثقافتنا وموروثنا الشفهي والذهني رنيناً خاصاً وقيمةً اعتبارية راسخة. وقد ظل هذا التميز صامداً، لحقب طويلة، أمام تقلبات الزمان وأعاصيره”.
ثم يشرح الأوجلي كيف كان المجتمع الليبي مجتمعاً بسيطاً يعتمد على موارده الذاتية المحدودة، وكيف حدثت التغيرات منذ العهد العثماني مروراً بالإيطالي والإدارة البريطانية، وصولاً إلى عصر النفط.
أجد نفسي وكثيرين متفقين مع الأوجلي أن المفاجأة الكبرى كانت في اكتشاف النفط؛ لأنه لم تكن هذه نقلة نوعية موجبة في الاقتصاد فحسب، بل كانت صدمة حداثية هائلة ( لنا وللأوجلي) صدمة لم يمهد لها المجتمع ببطء كما حدث في أوروبا، حيث انتقلت المجتمعات من القطاع الزراعي إلى الصناعي عبر عقود من التطور العضوي. أما في ليبيا، فقد انتقل الليبي بين عشية وضحاها من ركود الواحة إلى زخم المدينة، ومن بساطة البداوة إلى تعقيدات العصر النفطي، دون أن تتاح له فرصة التكيف التدريجي مع مستلزمات هذه النقلة. وهذا ما حدث أيضًا مع مجتمعات خليجية أخرى. والتي دخلت الى الحداثة بدون أدواتها.
هنا تكمن المفارقة العميقة: لقد دخل الليبي إلى المدينة وهو يحمل عقلية القبيلة، وقيم الواحة، ومفاهيم الصحراء. انتقل جسداً إلى العصر الحديث، لكن روحه بقيت معلقة بين عالمين. صار يمتلك سيارة فارهة، لكنه يقودها كما كان يقود جمله في السابق، لا يلتزم بمسار ولا يحترم إشارة. وهذا ما عبّر عنه بدقة الدكتور مصطفى التير بقوله إن الليبي بعد النفط أصبح يقود سيارته مثلما يقود الجمل، فيوقفها فوق رصيف المشاة ولا يقف عند الإشارة الضوئية.
إنها ليست مجرد عادة مرورية سيئة، بل هي انعكاس لخلخلة اجتماعية عميقة. فالعقلية القبلية التي كانت تنسجم مع فضاء الصحراء المفتوح، حيث لا حدود ولا إشارات ولا قوانين تنظيمية، اصطدمت بفضاء المدينة الضيق المزدحم بقوانينه وأنظمته.
فجاء السلوك تعبيراً عن هذا التمزق الحضاري.
لقد أحدثت صدمة الحداثة النفطية شرخاً في البنية الاجتماعية الليبية لم يلتئم بعد. فمن جهة، تسارعت وتيرة التحضر بشكل مذهل: انتقل السكان من الخيام والبيوت الطينية إلى العمارات والفلل، ومن الاعتماد على الزراعة والرعي إلى الوظائف الحكومية والقطاع النفطي، ومن العزلة القروية إلى انفتاح المدن.
ومن جهة أخرى، ظلّت القيم والتقاليد القبلية تشكّل الإطار المرجعي الأساسي للفرد، مما أوجد حالة من الازدواجية والتناقض.
فالقبيلة التي كانت تمثل ملجأً آمناً في مواجهة قسوة الصحراء، تحولت في سياق الحداثة النفطية إلى عصبية مقيتة، وإلى وسيلة للاستئثار بالثروة والسلطة. والمفاهيم التقليدية للكرامة والشرف وجدت نفسها في مواجهة مع مقتضيات الدولة الحديثة وقوانينها المجردة.
وصولاً إلى الى الحياة في مجتمع المخاطرة كما يسميه المفكر الألماني اوليرش بيك .
وهكذا، تحول الليبي في بعض الأحيان إلى كائن هجين:
نصفه في الحداثة، ونصفه الآخر في التقاليد. يقود سيارة حديثة ولكن عقليته لا تزال في السرج، يقطن في مدينة فسيحة ولكنه يحنّ إلى فضاء الصحراء، يتكلم بلغة عصرية ولكن قيمه لا تزال تتشكل وفق منطق القبيلة.
غير أن وجه الصدمة لم يقف عند حدود التناقض بين القبيلة والدولة، بل امتد ليشمل العلاقة مع الدين والحداثة ذاتها. ففي خضم هذه الفوضى المعرفية، برز تدين وافد وخطاب ديني متشدد جعل من الحداثة رديفًا للعلمانية، وجعل من العلمانية أحد شروط الكفر، والعياذ بالله، متجاهلاً أن كبار مفكري الإسلام قد قرأوا الحداثة بعين أخرى. فهذا محمد عبده يرى في العقل والتحرر من التقليد سبيلاً لعودة المجد، وعلي عزت بيغوفيتش يصنع مشروعه النهضوي على أسس إسلامية حداثية،
وجمال الدين الأفغاني يدعو إلى الأخذ بأسباب العلم والتقدم دون تردد. كما أن محمد عابد الجابري راهن على نقد العقل العربي لفتح أبواب التجديد، وصولاً إلى محمد عمارة الذي لم يرَ تعارضاً بين ثوابت العقيدة ومستجدات العصر. فهؤلاء وغيرهم نظروا إلى الحكمة على أنها “ضالة المؤمن” أينما وجدها التقطها، وأدركوا أن الحداثة ليست دخيلاً كافراً، بل هي أداة اجتهاد ووسيلة لاستئناف حضارتنا، إن أحسنا التعامل مع أدواتها. فالإسلام عقيدة للمسلم، وحضارة لغير المسلم يعيش فيها بأمن وأمان.
في النهاية، لم تكن صدمة الحداثة في ليبيا مجرد أزمة عبور عابرة، بل كانت زلزالاً هزّ الكيان الاجتماعي برمّته. والرد على هذا الطرح، الذي يطرحه الأوجلي، يقودنا إلى التسليم بأن إشكاليتنا الكبرى لم تكن في التمسك بالقبيلة ذاتها، بل في ذلك الانتقال العنيف وغير العضوي الذي مزّق الخيط الرابط بين الماضي والحاضر، مضافاً إليه ذلك الخطاب الديني المغلق الذي حوّل أي محاولة للتحديث إلى معركة عقائدية. فخلخلة المجتمع التي يتحدث عنها الأوجلي لم تكن نتيجة حتمية للحداثة، بل نتيجة لسرعة التحول النفطي الذي سبق بناء الدولة والمؤسسات، فدخل الليبي عصر السيارة والسكن العمودي، بينما ظل يتعامل مع السياسة والثروة بعقلية شيخ القبيلة، ومع الكون بعقلية المفتي المتعصب، بعيداً عن روح الحكمة التي هي ضالة المؤمن أينما وجدها.
إنها تذكير بأن التحولات الحضارية لا تحدث بين ليلة وضحاها، وأن المجتمعات التي تُقذف في زمن الحداثة قذفاً، دون أن تُتيح لها فرصة التدرج والنضج، تدفع ثمناً باهظاً من التمزق والخلخلة. ولعل دروس هذا الزلزال لا تزال أمامنا، تنتظر من يعيد قراءتها بعين واعية، لا بعين الشماتة ولا بعين الاستسلام. فكل نهضة لا يمكن أن تبنى على ثروة تحت الأرض ما لم تسبقها، أو ترافقها، ثورة في العقول والضمائر، وإلا بقيت سياراتنا الفارهة رمزاً لحداثة زائفة، ونحن نقف فوق الأرصفة نبحث عن ظل نخلة لم تعد موجودة.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.




